قصائد محمود درويش عن الحرية

كتابة - آخر تحديث: ١٣:٥٣ ، ٢٠ مارس ٢٠١٩
قصائد محمود درويش عن الحرية

قصيدة الخبز

كان يوماً غامضاً...

تخرج الشمس إلى عاداتها كسلى

رماد معدنيّ يملأ الشرق..

وكان الماء في أوردة الغيم

وفي كل أنابيب البيوت

يابساً

كان خريفاً يائساً في عمر بيروت

وكان الموت يمتدّ من القصر

إلى الراديو إلى بائعة الجنس إلى سوق الخضار

ما الذي أيقظك الآن

تمام الخامسة

كان إبراهيم رسّام المياه

وسياجاً للحروب

وكسولاً عندما يوقظه الفجر

ولكنّ لإبراهيم أطفالاً من الليّلك والشمس

يريدون رغيفاً وحليب

كان إبراهيم رسّاماً وأب

كان حيّاً من دجاج وجنوب وغضب

وبسيطاً كصليب

المساحات صغيره

مقعد في غرفة. لا شيء... لا شيء

و كان الرسم بالماء وطن

والتفاصيل لكم. وجهي أنا برقيّة

هل تقرؤون الماء كي تتّفق الآن؟

البياض الأسود احتل المسافات

أنا الورد الذي لا يومىء

القيد الذي يأتي من الحرية الفوضى

أو الهجز الذي يأخذ شكل الوطن البوليس

هل كان الوطن

انطباعاً أم صراعاً

وضياعاً أم خلاص

كان يوماً غامضاً...

وجهي أنا برقيّة الحنطة في حقل الرصاص

ما الذي أيقظك الآن

تمام الخامسة؟

كنت تعرف

هي بيروت الفوارق

هي بيروت الحرائق

ما الذي أيقظك الآن

تمام الخامسة؟

إنّهم يغتصبون الخبز والإنسان

منذ الخامسة..‍..

لم يكن للحبر في يوم من الأيّام

هذا الطعم، هذا الدم

هذا الملمس الهامس

هذا الهاجس الكونيّ

هذا الجوهر الكلي

هذا الصوت هذا الوقت

هذا اللون هذا الفنّ

هذا الاندفاع البشريّ. السرّ. هذا السّحر

هذا الانتقال الفذ

من كهف البدايات إلى حرب العصابات

إلى المأساة في بيروت من كان يموت

في تمام الخامسة

كان إبراهيم يستولي على اللون النهائيّ

ويستولي على سر العناصر

كان رسّاماً وثائر

كان يرسم

وطناً مزدحماً بالناس والصفصاف والحرب

وموج البحر والعمال والباعة والريف

ويرسم

جسداً مزدحماً بالوطن المطحون

في معجزة الخبز

و يرسم

مهرجان الأرض والإنسان،

خبزاً ساخناً عند الصباح

كانت الأرض رغيفاً

كانت الشمس غزالة

كان إبراهيم شعباً في الرغيف

و هو الآن نهائيّ... نهائي ّ

تمام السادسة

دمه في خبزه

خبزه في دمه

الآن

تمام السادسة‍..


قصيدة لبلادنا

لبلادنا

وَهِيَ القريبةُ من كلام اللهِ

سَقْفٌ من سحابْ

لبلادنا

وهي البعيدةُ عن صفاتِ الاسمِ

خارطةٌ الغيابْ

لبلادنا

وهي الصغيرة مثل حبّة سُمْسُمٍ

أُفُقٌ سماويٌّ... وهاويةٌ خفيَّةْ

لبلادنا

وهي الفقيرةُ مثل أَجنحة القَطاَ

كُتُبٌ مُقَدَّسَةٌ... وجرحٌ في الهويّةْ

لبلادنا

وهي المطوَّقَةُ الممزَّقةُ التلال

كمائنُ الماضي الجديد

لبلادنا وهي السَّبِيّةْ

حُريَّةُ الموت اشتياقاً واحتراقا

وبلادُنا في ليها الدمويِّ

جَوْهَرَةٌ تشعُّ على البعيد على البعيد

تُضيء خارجَها...

وأمَّا نحن داخلها

فنزدادُ اختناقاً!


قصيدة عن إنسان

وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتى،

وقالوا: أنت قاتل!

أخذوا طعامه والملابس والبيارق

ورموه في زنزانة الموتى

وقالوا: أنت سارق!

طردوه من كل المرافئ

أخذوا حبيبته الصغيرة

ثم قالوا: أنت لاجئ

يا دامي العينين والكفين

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

ولا زرد السلاسل

نيرون مات، ولم تمت روماً...

بعينيها تقاتل

وحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي سنابل..!


قصيدة النهر غريب وأنت حبيبي

الغريبُ النهرُ قالتْ

واستعدَّتْ للغناءْ

لم نحاول لغة الحبَّ، ولم نذهب إلى النهر سدى

وأتاني ليلٌ من منديلها

ولم يأت ليلٌ مثل هذا الليل من قبل فَقَدَّمْتُ دمي للأنبياءْ

ليموتوا بدلاً منا..

ونبقى ساعة فوق رصيف الغرباءْ

واستعدَّتْ للغناءْ

وحدنا في لحظة العُشّاقِ

أزهار على الماءِ

إلى أين سنذهب

للغزال الريحُ والرمحُ. أنا السكّين والجرحُ

إلى أين سنذهب؟

ها هي الحريَّةُ الحسناءُ في شريانيَ المقطوع

عيناكِ وبلدانٌ على النافذة الصغرى

ويا عصفورة النار، إلى أين سنذهب؟

للغزال الريحُ والرمحُ

وللشاعر يأتي زَمَنٌ أعلى من الماء، وأدنى من حبال

الشَّنقِ.

يا عصفورة المنفى! إلى أين سنذهبْ؟

لم أودّعك فقد ودَّعتُ سطح الكرة الأرضيَّةِ الآن..

معي أنت لقاء دائمٌ بين وادع ووداع

ها أنا أشهدُ أن الحب مثل الموتِ

يأتي حين لانتظر الحبَّ

فلا تتنظريني...

الغريبُ النهرُ قالتْ

واستعدَّتْ للسّفَرْ.

الجهاتُ الستُّ لا تعرف عن ((جانا))

سوى أنَّ المطرْ

لم يُبَلّلها

ولا تعرف عنها

غير أني قد تغيَّرتُ تغيَّرتُ

تَصَبَبْتُ بروقاً وشجرْ

وأسرتُ السندبادْ

والغريبُ النهرُ قالت

ها هو الشئ الذي نَسْكُتُ

قد صار بلادْ

هاهِي الأرض التي نسكُنُ

قد صارت سفر

والغريبُ النهرُ قالت

واستعدَّت للسفر.

وحدنا لا ندخل الليلَ

لماذا يتمنّى جسمُكِ الشَعر

وزهر اللوتس الأبعدَ من قبري

لماذا تحلمين

بمزيدٍ من عيون الشهداءِ؟

اقتربي مني يزيدوا واحداً

((خبزي كفاف البرهة الأولى))

وأمضي نحو وقتي وصليب الآخرين

وحدنا لا ندخل الليل سدى

يا أيها الجسم الذي يحتصرُ الأرض

ويا أيتها الأرض التي تأخذ شكل الجَسَد الروحي

كوني لأكونْ

حاولي أن ترسميني قمراً

ينحدرِ الليلُ إلى الغابات خيلاً

فلماذا تحلمين

بمزيدٍ من وجوه الشهداءِ

ابتعدي عنّي يصيروا أمَّةً في واحد...

هل تحرقين الريح في خاصرتي؟

أم تمتشقين الشمس

أم تنتحرينْ

عَلَمتني هذه الدنيا لُغَاتٍ وبلاداً غير ما ترسمه عيناكِ

لا أفهم شيئاً منكِ لا أفهمُني (جانا)

فلا تتنظريني !..

الغريبُ النهرُقالتْ

واستعدَّتْ للبكاءْ

لم تكن أجمل من خادمة المقهى

ولا أقرب من أمّي

ولكنَّ المساءْ

كان قِطّاً بين كفَّيها

وكان الأُفق الواسع يأتي من زجاج النافذهْ

لاجئاً في ظلّ عينيها

وكان الغرباءْ

يملأون الظلّ

لن أمضي إلى النهر سدى

اذهبي في الحلم يا جانا !

بكتْ جانا

وكان الوقتُ يرميني على ساعة ماءْ

إذهبي في الوقت يا جانا !

بكت جانا

وكان الحُلْمُ ذرّاتِ هواءْ

اذهبي في الفَرَح الأول يا جانا

بكت جانا

وكان الجرحُ وردَ الشهداءْ

آه جانا

لم تكوني مُدُني

أو وطني

أو زمني

كي أوقف النهر الذي يجرفني

فلماذا تدخلين الآن جسمي

لتصير يالنهر أو سيَّدةَ النهرِ

لماذا تخرجين الآن من جسمي

ومن أجلك جدَّدتُ الإقامة

فوق هذي الأرض .. جدَّدت الإقامة

اذهبي في الحُلم يا جانا

بكتْ جانا

وصار النهر زنّاراً على خاصرتي

واختفي شكل السماءْ...