قصة عن صلة الأرحام

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٢٥ ، ٢٩ يناير ٢٠١٧
قصة عن صلة الأرحام

بدأنا يومنا كالعادة في نزاع وجدال لا يتوقف بيني وبين أخي، أخي الذي كنت أعتبره عدواً لي، أخي الذي لم يتفق معي في يوم، ولم يشعرني بحبه لي، والحق يقال بأنني لم أشعره بحبي له كذلك، ربما لم أكن أحبه، لم أكن أعرف حقيقة مشاعري حينها، فأنا لم أعلم معنى الأخوة، لم أعلم ما يعنيه أن يكون أخي صديقي وسندي، لم أشهد معه سوى مواقف آلمتني وآلمت أمي التي فقدت الأمل منا، ولم تترك طريقةً لتصالحنا مع بعضنا إلا وجربتها، ولكن دون فائدة.


ألوم والدي في بعض الأحيان؛ لأنه لم يكن الأب الذي كنت أحلم به، لقد كان جامداً ورسمياً معي ومع أخي إلى أبعد الحدود، كنت أخاف منه، وأتمنى لو يحضنني ولو للحظةً ويقول لي بأنه يحبني، وموقفه كان رسمياً حيال نزاعاتنا أنا وأخي كذلك، حيث كانت أمي تلجأ إليه طوال الوقت، وتطلب منه أن يأخذ موقفاً، ويضع حداً لنزاعاتنا، ولكن جلّ ما كان يقوله هو: (سيأتي يوم يعرفون به قيمة بعضهما)، وربما كان سبب رسميته معنا هو نزاعنا الدائم، من يعلم؟


كبرتُ وكبر أخي وتزوجنا، وأسس كلٌّ منا حياته الخاصة، وارتحت كثيراً لابتعادي عنه، فقد تخلصت من النزاعات التي كانت تنغص علي يومي، وكانت تجعلني أتمنى لو كنت وحيد والديّ، وربما كان ذلك شعور أخي، لا أدري، ولكن المشاكل كانت تعود لتتفاقم كلما التقينا في منزل والدي، وانتقلت لتصل إلى زوجاتنا اللاتي تأثرن بعلاقتنا السلبية، وأصبحتا تكرهان بعضهما وتثيران المشاكل باستمرار، وكأنهما في ساحة حرب، فكل واحدة كانت تقف في فريق زوجها، وتحاول أن تكسبه النزال.


توفيت والدتي في يوم ميؤوس ليلحقها والدي بعد خمس سنوات، وأخذ كلٌّ منا نصيبه من إرث والدي وأملاكه، وحصلت المبلغ المناسب لأدخل في عالم الأسهم، فقد طمعت بالثراء وبالعيش الرغيد، وخدعني الكثيرون، وقالوا لي أنّ الأسهم وسيلة مشروعة ومضمونة للكسب الوفير، ولكن لم يدم حلمي طويلاً، وجاء اليوم الذي خسرت فيه كل ما أملك، خسرت فيه مالي، وهدفي، وحتى صحتي، فقد أُصبت بمرض السكري، وبالجلطة من هول الصدمة، إلى أن فقدت عيني اليمنى.


وفي يوم من الأيام جاء لزيارتي صديق قديم كان على دراية بوضعي مع أخي، وادعى أنه آتٍ ليطمئن على صحتي وعلى حالي بعد أن سمع عن أخباري السيئة، ومدّ لي يد العون، وأعطاني مبلغ 500.000 ريال، وقال لي أن أحسبه ديناً إن كان الأمر يريحني، على أن أقف على قدميّ وأنظم أموري من جديد، وقبلت يده للعون، وشكرته وشكرت الله سبحانه وتعالى على اليسر الذي أتاني بعد العسر الطويل، وبالفعل فتحت مشروعي الخاص الصغير، ووقفت مجدداً على قدميّ لأعود أقوى من السابق.


عاد الصديق لزيارتي بعد فترة من الزمن، وكانت تبدو على وجهه علامات غريبة جهلت مصدرها، اعتقدت في البداية أنه آت ليسترد مبلغه الذي أدانني إياه، وقلت له ألا يقلق؛ لأن الله منّ علي وضاعف لي المبلغ من تيسيره لمشروعي الصغير، ولكنه صعقني عندما قال أن المبلغ كان في الحقيقة من أخي، أخي الذي لم أعلم عن أخباره ولا أحواله، سمع عن وضعي المادي ولم يرض أن يكون أخوه بهذا الحال ولا يساعده، موقفه كان متأخراً للأسف، فقد أخبرني الصديق أنّ أخي على فراش الموت، ويطلب رؤيتي لآخر مرة في حياته، هرعت إلى المستشفى لرؤيته ودموعي منهمرة وكلي ندم على كل لحظة أضعتها بعيداً عنه، كل لحظة أغضبت بها أمي، وأنزلت لها الدمع لرؤيتنا نتجادل.


وصلت إلى أخي بعد أن مرت سنون حياتي معه أمام عينيّ، وكأنني أشاهد فيلماً سينمائياً، وصلت إليه والدمع يقف على خديه، أمسك يدي والأجهزة مربوطة بكل جهة في جسمه، قبّلت جبينه وقلت: سامحني، ونزلت الدمعة من جبينه لتشهق بها أنفاسه الأخيرة ويفارق الحياة، لم يرد أن يشهقها دون أن يراني لآخر مرة ونتسامح، مات أخي، ومات معه جزء من قلبي لم أعلم حتى بوجوده، آخ ألا ليت الزمان يعود يوماً لأقبّل به جبينه، وأحضنه، وأخبره عن اشتياقي له، ولكن الندم لن ينفع.