قصيدة للشافعي

كتابة - آخر تحديث: ٠٧:٢٤ ، ٢٢ نوفمبر ٢٠١٥
قصيدة للشافعي

محمد بن إدريس الشافعي، من أعظم الأئمة وأكثرهم قدراً، اشتهر بعلمه وذكاءه، ومن أبرز أخلاقه التواضع والكرم والورع، كتب العديد من القصائد المعبرة لهذا أردنا هنا أن نبرز جانب من هذه القصائد.


قصائد للشافعي

متى يكون السكوت من ذهب


إذا نطق السفيه فلا تجبه
فخير من إجابته السكوت

فإن كلمته فرّجت عنه
وإن خليته كمدا يموت


لا تيأسن من لطف ربك


إن كنت تغدو في الذنوب جليدا
وتخاف في يوم المعاد وعيدا

فلقد أتاك من المهيمن عفوه
وأفاض من نعم عليك مزيدا

لا تيأسن من لطف ربك في الحشا
في بطن أمك مضغة ووليدا

لو شاء أن تصلى جهنم خالدا
ما كان أَلْهمَ قلبك التوحيدا


التوكل على الله


توكلت في رزقي على الله خالقي
وأيقنت أن الله لا شك رازقي

وما يك من رزقي فليس يفوتني
ولو كان في قاع البحار العوامق

سيأتي به الله العظيم بفضله
ولو، لم يكن من اللسان بناطق

ففي اي شيء تذهب النفس حسرة
وقد قسم الرحمن رزق الخلائق


السكوت سلامة


قالوا اسكت وقد خوصمت قلت لهم

إن الجواب لباب الشر مفتاح

والصمت عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرف

وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح

أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة

والكلب يخسى لعمري وهو نباح


دعوة إلى التنقل والترحال


ما في المقام لذي عقل وذي أدب
من راحة فدع الأوطان واغترب

سافر تجد عوضا عمن تفارقه
وانْصَبْ فإن لذيذ العيش في النَّصب

إني رأيت ركود الماء يفسده
إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب

والأسد لولا فراق الغاب ما افترست
والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة
لملَّها الناس من عجم ومن عرب

والتِّبرُ كالتُّرب مُلقى في أماكنه
والعود في أرضه نوع من الحطب

فإن تغرّب هذا عَزّ مطلبه
وإن تغرب ذاك عزّ كالذهب


لما عفوت ولم أحقد


لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أحْقِدْ عَلَى أحَدٍ
أرحتُ نفسي من همَّ العداواتِ

إنِّي أُحَيي عَدُوِّي عنْدَ رُؤْيَتِهِ
لأدفعَ الشَّرَّ عني بالتحياتِ

وأُظْهِرُ الْبِشرَ لِلإِنْسَانِ أُبْغِضهُ
كما إنْ قدْ حَشى قَلْبي مَحَبَّاتِ

النَّاسُ داءٌ وَدَواءُ النَّاسِ قُرْبُهُمُ
وفي اعتزالهمُ قطعُ المودَّاتِ


فتنة عظيمة


فساد كبير عالم متهتك
وأكبر منه جاهل متنسك

هما فتنة في العالمين عظيمة
لمن بهما في دينه يتمسك


لما قسا قلبي وضاقت مذاهبي


ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي
جعلت الرجا منى لعفوك سلما

تعاظمنى ذنبي فلما قرنته
بعفوك ربي كان عفوك اعظما

فما زلت ذا عفوعن الذنب لم تزل
تجود وتعفو منة وتكرما

فلولاك لما يصمد لا بليس عابد
فكيف وقد اغوى صفيك ادما

فلله در العارف الندب انه
تفيض لفرط الوجد اجفانه دما

يقيم اذا ما الليل مد ظلامه
على نفسه من شدة الخوف مأتما

فصيحا اذا ماكان في ذكر ربه
وفي ماسواه في الورى كان اعجما

ويذكر اياما مضت من شبابه
وماكان فيها بالجهالة اجرما

قصار قرين الهم طول نهاره
أخا الشهد والنجوى اذا الليل اظلما

يقول حبيبي انت سؤلى وبغيتى
كفى بك للراجين سؤلا ومغنما

الست الذي غذيتنى وهديتنى
ولازلت منانا على ومنعما

عسى من له الاحسان يغفر زلتى
ويستر اوزارى وما قد تقدما


العيب فينا


نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزمانا عيب سوانا

ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لنا هجانا

وليس الذئب يأكل لحم ذئب
ويأكل بعضنا بعضا عيانا


الضرب في الأرض


سأضرب في طول البلاد وعرضها
أنال مرادي أو أموت غريبا

فإن تلفت نفسي فلله درها
وإن سلمت كان الرجوع قريباً


مناجياً رب العالمين


قلبي برحمتك اللهم ذو أنس
في السر والجهر والإصباح والغلس

ما تقلبت من نومي وفي سنتي
إلا وذكرك بين النفس والنفس

لقد مننت على قلبي بمعرفة
بأنك الله ذو الآلاء والقدس

وقد أتيت ذنوبا أنت تعلمها
ولم تكن فاضحي فيها بفعل مسي

فامنن علي بذكر الصالحين ولا
تجعل علي إذا في الدين من لبس

وكن معي طول دنياي وآخرتي
ويوم حشري بما أنزلت في عبس


الله حسبي


أنت حسبي وفيك للقلب حسب
وبحسبي إن صح لي فيك حسب

لا أبالي متى ودادك لي صح
من الدهر ما تعرض لي خطب


عدو يتمنى الموت للشافعي


تمنى رجال أن أموت، وإن أمت
فتلك سبيل لست فيها بأوحد

وما موت من قد مات قبلي بضائر
ولا عيش من قد عاش بعدي بمخلد

لعل الذي يرجو فنائي ويدّعي
به قبل موتي أن يكون هو الردى


آداب التعلم


إصبر على مر الجفا من معلم
فإن رسوب العلم في نفراته

ومن لم يذق مر التعلم ساعة
تجرع ذل الجهل طول حياته

ومن فاته التعليم وقت شبابه
فكبر عليه أربعا لوفاته

وذات الفتى والله بالعلم والتقى
إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته


الحكمة


دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاء

وكن رجلا على الأهوال جلدا
وشيمتك السماحة والوفاء

وإن كثرت عيوبك في البرايا
وسرك أن يكون لها غطاء

تستر بالسخاء فكل عيب
يغطيه كما قيل السخاء

ولا تر للأعادي قط ذلا
فإن شماتة الأعدا بلاء

ولا ترج السماحة من بخيل
فما في النار للظمآن ماء

ورزقك ليس ينقصه التأني
وليس يزيد في الرزق العناء

ولا حزن يدوم ولا سرور
ولا بؤس عليك ولا رخاء

إذا ما كنت ذا قلب قنوع
فأنت ومالك الدنيا سواء

ومن نزلت بساحته المنايا
فلا أرض تقيه ولا سماء

وأرض الله واسعة ولكن
إذا نزل القضا ضاق الفضاء

دع الأيام تغدر كل حين
فما يغني عن الموت الدواء


دعوة إلى التعلم


تعلم فليس المرء يولد عالما
وليس أخو علم كمن هو جاهل

وإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه الجحافل

وإن صغير القوم إن كان عالما
كبير إذا ردت إليه المحافل


أحب من الإخوان كل مواتي


أحب من الإخوان كل مُوَاتي

وكل غضيض الطرف عن عثراتي

يوافقني في كل أمر أريده

ويحفظني حيًّّا وبعد مماتي

فمن لي بهذا؟ ليت أني أصبته

لقاسمته مالي من الحسنات

تصفحت إخواني فكان أقلهم

على كثرة الإخوان أهلُ ثِقاتي


قلة الإخوان عند الشدائد


ولما أتيت الناس أطلب عندهم
أخا ثقةٍ عند أبتداء الشدائد

تقلبت في دهري رخاء وشدة
وناديت في الأحياء هل من مساعد

فلم أر فيما ساءني غير شامتٍ
ولم أر فيما سرني غير جامد


إدراك الحكمة ونيل العلم


لا يدرك الحكمة من عمره
يكدح في مصلحة الأهل

ولا ينال العلم إلا فتى
خال من الأفكار والشغل

لو أن لقمان الحكيم الذي
سارت به الركبان بالفضل

بُلي بفقر وعيال لما
فرق بين التبن والبقل


يا واعظ الناس عما أنت فاعله


يا واعظ الناس عما أنت فاعله
يا من يعد عليه العمر بالنفس

إحفظ لشيبك من عيب يدنسه
إن البياض قليل الحمل للدنس

كحامل لثياب الناس يغسلها
وثوبه غارق في الرجس والنجس

تبغي النجاة ولم تسلك طريقتها
إن السفينة لا تجري على اليبس

ركوبك النعش ينسيك الركوب على
ما كنت تركب من بغل و من فرس

يوم القيامة لا مال ولا ولد
وضمة القبر تنسي ليلة العرس


الصديق الصدوق


إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا
فدعه ولا تكثر عليه التأسفا

ففي الناس أبدال وفي الترك راحة
وفي القلب صبر للحبيب وإن جفا

فما كل من تهواه يهواك قلبه
ولا كل من صافيته لك قد صفا

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة
فلا خير في ود يجيء تكلفا

ولا خير في خل يخون خليله
ويلقاه من بعد المودة بالجفا

وينكر عيشا قد تقادم عهده
ويظهر سرا كان بالأمس قد خفا

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا