كيف نتعامل مع تعارض الفتوى

كيف نتعامل مع تعارض الفتوى
تكثر في زمننا الحالي المسائل الفقهية المستجدة التي يتسارع المسلمون بسؤال أهل العلم عن حكمها الشرعي، وقد تتم إجابتهم بأقوال متعددة، أو قد يبحث المسلم عن مسألة فقهية قديمة فيجد فيها أقولاً متباينة للفقهاء، وهنا مجموعة قواعد تبين لنا التصرف الأمثل في هذه الحالات، نوردها على النحو الآتي:

الأخذ بالأحوط

تنصّ القاعدة الأصولية فتقول: يجب الأخذ بالاحتياط عند تحقق المعارضة وانعدام الترجيح، والمعنى من هذه القاعدة أنّه إذا تواجد تعارض بين أمرين دون إمكان ترجيح أحدهما على الآخر، فإنّه يُنظر فيهما ويُؤخذ الأحوط منهما بالنسبة للدين.[١]

وهو ما يكون منهما أقرب إلى المصلحة وأبعد عن المفسدة، أو أن المصلحة تكون فيه أكبر من المفسدة،[١] والأحوط إمّا أن يكون في أمرٍ من الأوامر أو نهيٍ من النواهي، فإن كان في الأمر فالأحوط هو الفعل، وإن كان في النّهي فالأحوط هو الترك.[٢]

الأخذ بالأسهل والأخف

هناك قاعدة تقول: الترخيص بمسائل الخلاف، والترخيص من الرُّخصة، وهي خلاف الشّدّة في الأمر، وهو اليُسر والسهولة، والمقصود من القاعدة هو الأخذ بالأخفّ والأسهل والأيسر إذا تحقّق تعارض بين أمرين في الأقوال بين الفقهاء، وذلك دون النظر إلى من قال هذا القول أو اعتبار مكانته العلمية.[٣]

ولا يدخل في ذلك الرخص الواردة بنصوص شرعيّة سواء من القرآن الكريم أو من السنة النبوية الشريفة، فهذه متفق على الأخذ والعمل بها، أمّا القاعدة فمقصودها ما اختلف فيه الفقهاء وتعددت فيه الأقوال دون وجود مستندٍ شرعيٍّ من الكتاب أو السُّنّة.[٣]

الأخذ بما وافق أكثر الأئمة 

إذا كان في المسألة خلاف وتعارضت فيه الفتاوى، ولم يصل إليه ما يوافق من الأقوال مع أقوال الأئمة الذي يسير وفق منهجهم، فإنّه يُنظر إلى طرفي الخلاف بأوصافهما وأوصاف من نقلها وقالها،[٤] ويُؤخذ بما قاله العدد الأكثر من الأئمة، ويعتمد على أنّه هو الراجح من الأقوال.[٥]

وفي ذلك قال الإمام القاضي حسين بن محمد الشافعي: إذا تعارض قولان للشافعيّة دون أن يترجّح أيّ منهما على الآخر، وكان أحد القولين موافقاً لمذهب الحنفية، فالفتوى تعدّدت على أقوال:[٤]

  • قيل: يأخذ بالقول المخالف؛ لأنّه إنّما خالفه لمعنى لا يمكن إدراكه.
  • قيل: يأخذ بالقول الموافق؛ بسبب الموافقة في الاجتهاد والدليل.
  • قيل: الأولى بالترجيح وفق المعنى؛ بغض النظر إن كان مخالفاً أم موافقاً.
  • قيل: الأَولى هو الأخذ بالقول الذي رجّحه الدليل، والترجيح بالمعنى لا باعتبار من وافق ومن خالف.

الأخذ بقول الأتقى

إذا سأل المُستفتي عن حكم مسألةٍ ما وأخبره أحد المفتين أنّ الحكم جائز، ثمّ سأل مفتي آخر وقال له غير جائز، فإنّه يأخذ بقول المفتي الأعلم من الآخر ويترك حكم المفتي الذي دون الأول في العلم.

وذلك بناءً على قياس المستفتي على المجتهد، فإنّ المجتهد إذا تعارض عنده دليلان؛ فإنه يأخذ بالدليل الذي يظنّ أنّه أقوى الدليلين، وكذلك المستفتي فإنّه يأخذ بقول الذي يغلب على ظنّه أنه أعلم.[٦]

وقد كان الإفتاء في زمن الصحابة لا يقوم إن كان وُجد من هو أعلم، حيث كان الإفتاء في وقت الخلفاء الأربعة موقوفٌ على ابن عباس وابن عمر، أمّا إذا تعارضت الأقوال عند من هم متساوين في العلم فإنّ الفتوى تُؤخذ ممّن هو أتقى وأورع.[٧]

وإن لم يستطع المستفتي أن يعلم أيهما أتقى سأل الناس عن حالهم والعالمين بهم، ثمّ أخذ بقول من غلب على ظنّه أنّه أتقى، وذلك بدليل أنّ قول المفتي بالنسبة إلى العامي كالدليل بالنسبة إلى المجتهد، فإن تعارضت الأدلة عند المجتهد وجب عليه أن يرجّح بينها، وكذلك يجب على العامي أن يرجّح بين أقوال المفتين.[٧]

المراجع

  1. ^ أ ب محمد صدقي آل بورنو (2003)، موسوعة القواعد الفقهية (الطبعة 1)، بيروت :مؤسسة الرسالة، صفحة 289، جزء 12. بتصرّف.
  2. محمد عبد الغفار ، القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، صفحة 3، جزء 14. بتصرّف.
  3. ^ أ ب محمود جابر (21-4-2015)، "الترخيص بمسائل الخلاف "، دار الإفتاء ، اطّلع عليه بتاريخ 5-1-2022. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ابن حمدان (2015)، صفة المفتي والمستفتي (الطبعة 1)، الرياض:دار الصميعي، صفحة 213-214. بتصرّف.
  5. مريم الظفيري (2002)، مصطلحات المذاهب الفقهية وأسرار الفقه المرموز في الأعلام والكتب والآراء والترجيحات (الطبعة 1)، بيروت:دار ابن حزم، صفحة 285. بتصرّف.
  6. عبد الكريم النمل (1999)، المهذب في علم أصول الفقه المقارن (الطبعة 1)، الرياض:مكتبة الرشد، صفحة 2402، جزء 5. بتصرّف.
  7. ^ أ ب أبو المنذر المنياوي (2011)، التمهيد / شرح مختصر الأصول من علم الأصول (الطبعة 1)، مصر :المكتبة الشاملة، صفحة 121. بتصرّف.
328 مشاهدة
للأعلى للأسفل