كيف نزل الوحي على الرسول

كتابة - آخر تحديث: ١٥:٢٧ ، ١٩ نوفمبر ٢٠٢٠
كيف نزل الوحي على الرسول

كيف نزل الوحي على الرسول

جاء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصورٍ متعدّدة، وفيما يأتي ذكرها بشيءٍ من التفصيل:

  • الرؤيا الصادقة: وهي أوّل ما بدأ من الوحي على سيّدنا محمد، فما كان يُشاهده في منامه يراه في الحقيقة، وقد امتاز الأنبياء بأن الله -تعالى- أبعد عنهم خبث الشيطان وأضغاث الأحلام، فلا يرون أثناء نومهم ما يكون من ذلك مثل ما يرى باقي البشر، وكلّ ما يراه الرسول في نومه وحيٌ أوحاه الله -تعالى- إليه، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في العديد من المواقف، منها ما رآه إبراهيم -عليه السلام- بأنّه يذبح ابنه إسماعيل، فقال: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى)،[١] وما كان سؤال إبراهيم لابنه عن هذا الأمر إلا من باب عِلمِه أنّ هذا الأمر واجب التنفيذ، وأنّه لا يتعلّق به وحده، ولِعلمِه بحتميّة استجابة ابنه لأمر الله -تعالى- كما استجابت أمّه من قبله حين أخذها زوجها إلى وادٍ غير ذي زرع، ومنه ما أخبر الله به عن صدق رؤيا النبيّ فقال: (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّـهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّـهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)،[٢] فقد تحقّق وعد الله بنصرة نبيّه وفتح مكة، رغم ما كان قبل الفتح من الظلم والأذى الواقع على المسلمين.[٣]
  • حضور الوحي بهيأة رجل: ففي الحديث الذي ترويه عائشة -رضي الله عنها- عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: (وأَحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمُنِي، فأعِي ما يقولُ)،[٤] وذلك بأنّ الله -سبحانه- أذهب عنه ما هو زائدٌ في خلقته، فأصبح كالبشر، وهذا تفسير إمام الحرمين -رحمه الله-، وقال سراج الدين البلقيني -رحمه الله- إن ذلك ليش شرطاً، فقد يكون ضمّ أجنحته حين أتى للنبيّ، ثم يعود بعد ذلك إلى هيئته الحقيقيّة بعد ذهابه عن رسول الله، ونفى ذلك ابن حجر -رحمه الله-، وقال بعدم حدوث تغيّرٍ في شكله، وإنما يظهر لرسول الله بهيئة رجلٍ؛ حتى يكون مألوفاً لنفسه، وتأنيساً له.[٥]
  • رؤية النبي للملك بهيئته الملائكيّة التي خلقه الله عليها، وله ستّمئة جناح: وقد تكرّر ذلك مرّتين؛ المرة الأولى كانت حين طلب منه رسول الله أن يُريه نفسه، فرآه في الأفق الأعلى، وكما قال ابن كثير أنّ هذه المرة كانت في غار حراء في أوائل نزول الوحي وبعثة النبيّ، أما المرة الثانية فكانت في ليلة الإسراء والمعراج في السماء السابعة عند سدرة المنتهى.[٦]
  • صلصلة الجرس: ففي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّهُ عَلَيَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي وقدْ وعَيْتُ عنْه ما قالَ)،[٤] وصلصلة الجرس تشبيهٌ بصوت وَطَنِين الجرس الشديد، وهذه الحالة هي أشدّ ما يكون من الوحي على النبيّ، وقد فسّر البلقيني سبب شدّتها بأنها كمقدّمةٍ لشيءٍ عظيمٍ سيأتي به الوحي، وفسّرها بعضهم بكونها دافعاً لرسول الله كي يستعدّ لما سيتلقّاه منه، ومن مظاهره أنّ النبيّ كان يتصبّب عرقاً في اليوم الشديد البرودة، وإن كان يركب دابّته فإنّها ترقد من شدّة الوحي، وفي مرّةٍ من المرّات وحين جاءه الوحي بهذه الهيئة، كان يجلس وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليها حتى كادت ترضّها، وفي هذه الحالة يبقى رسول الله بوعيه أثناء الوحي وبعده، بدليل ما رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-، حيث قال: (سألتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل تُحسُّ بالوحيِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: نعم، أسمعُ صَلاصلَ ثمَّ أسكتُ عندَ ذلكَ، فما من مرةٍ يوحَى إليَّ إلا ظننتُ أنَّ نفسي تَفيضُ).[٧][٨]
  • الإلهام: حيث يُلقيه الله -عزّ وجلّ- في قلب نبيّه حتى لا يبقى للشكّ مكان، ومن ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفث في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لن تموتَ حتى تستكملَ رزقَها، فاتقوا اللهَ وأَجْمِلُوا في الطلبِ).[٩][١٠]
  • الكلام من وراء حجاب: وقد وردت تلك الصورة أيضاً في القرآن الكريم عندما كلّم الله -سبحانه- موسى -عليه السلام-، حيث قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ* فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).[١١][١٢]


دليل نزول الوحي على الرسول

يعدّ الوحي اتصالاً بين الله -سبحانه- وبين جبريل -عليه السلام-، وكذلك بين جبريل والأنبياء، وهو أمرٌ طبيعيٌّ لا استحالة فيه، ولا يُنكره إلا جاهلاً غافلاً عن الحقّ، وممّا يدلّ على حصول الوحي فعلاً؛ أنّ كل رسولٍ من الرّسل قد أخبر به وبوقوعه، وقد عَصَم الله -عز وجل- رسله، وكل ما أخبر به من عصَمَه الله فهو واقعٌ يقيناً، أمّا عصمة الرسل فقد ثبتت باليقين، وذلك من خلال ما أيّد الله -سبحانه- به رسله بالمعجزات الدالّة على صدقهم وصحّة ما يقولونه.[١٣]


أهمية الوحي ومكانته

يعرّف الوحي في اللّغة بأنه "الإعلام الخفي السّريع الخاص بمن يوجّه إليه، بحيث يَخفى على غيره"،[١٤] وفي الاصطلاح الشرعي؛ هو إعلام الله -تعالى- لأنبيائه بالشيء عن طريق المَلَك، أو الكتاب، أو الرؤيا، أو الإلهام،[١٥] والوحي الذي أنزله الله -تعالى- على رسوله -صلى الله عليه وسلم- سواء ببالقرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة، كان المجداف الذي أنقذ البشرية من الضلال والجهل والشرك بالله إلى الصراط المستقيم وأنوار المعرفة، وانعكس على سلوك المؤمن إيجاباً، وحماه من الوقوع في الضلال والانجرار وراء الفتن، وحقّق له السعادة في دنياه وآخرته، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- قال: (تركتُ فيكم شيئَينِ، لن تضِلوا بعدهما: كتابَ اللهِ، و سُنَّتي، ولن يتفرَّقا حتى يَرِدا عليَّ الحوضَ).[١٦][١٧]


ويعدّ الوحي المرشد الذي يقدم النصائح ويُبيّن الطريق الحقّ للإنسان، وهو من أجلّ وأعظم النِّعم التي أنعم الله -تعالى- بها على الإنسان، ويظهر ذلك من خلال سورة النحل التي ذكر الله فيها العديد من النِّعم، لكنه قدّمها بذكر نعمة الوحي، فقال -سبحانه-: (يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرّوحِ مِن أَمرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أَن أَنذِروا أَنَّهُ لا إِلـهَ إِلّا أَنا فَاتَّقونِ)،[١٨] فالوحي هو الذي عرّف الناس بما يجب عليهم اتجاه ربهم.[١٩]


المراجع

  1. سورة الصافات، آية: 102.
  2. سورة الفتح، آية: 27.
  3. محمد سعيد (2002)، تاريخ نزول القرآن (الطبعة الأولى)، مصر: دار الوفاء، صفحة 14-16. بتصرّف.
  4. ^ أ ب رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 2، صحيح.
  5. مجموعة من المؤلفين (2002)، الموسوعة القرآنية المتخصصة، مصر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، صفحة 7.
  6. محمد الحسن (2000)، المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 65. بتصرّف.
  7. رواه أحمد شاكر، في مسند أحمد، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 28، إسناده صحيح.
  8. محمد سعيد (2002)، تاريخ نزول القرآن (الطبعة الأولى)، مصر: دار الوفاء، صفحة 26-28. بتصرّف.
  9. رواه الألباني، في مشكلة الفقر، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 15، صحيح.
  10. فهد الرومي (2003)، دراسات في علوم القرآن الكريم (الطبعة الثانية عشر)، صفحة 180. بتصرّف.
  11. سورة القصص، آية: 29-30.
  12. محمد النبهان (2005)، المدخل إلى علوم القرآن الكريم (الطبعة الأولى)، حلب: دار عالم القرآن، صفحة 36. بتصرّف.
  13. محمد الذهبي (1986)، الوحي والقرىن الكريم (الطبعة الأولى)، مصر: مكتبة وهبة، صفحة 17-19. بتصرّف.
  14. سعد المرصفي (2009)، الجامع الصحيح للسيرة النبوية (الطبعة الأولى)، الكويت: مكتبة ابن كثير، صفحة 572، جزء 3. بتصرّف.
  15. محمد الشنقيطي (1995)، كوثَر المَعَاني الدَّرَارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 127، جزء 1. بتصرّف.
  16. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2937، صحيح.
  17. عبد الواحد المسقاد (10-12-2017)، "أثر الإيمان والوحي في سلوك المؤمن"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 4-11-2020. بتصرّف.
  18. سورة النحل، آية: 2.
  19. راغب السرجاني (15-2-2016)، "حاجة البشرية إلى الوحي"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 4-11-2020. بتصرّف.