لماذا خلق الله الناس مختلفين

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٥٤ ، ٢٠ ديسمبر ٢٠١٧
لماذا خلق الله الناس مختلفين

الاختلاف سنة الله في الكون

لما خلق الله -سبحانه وتعالى- آدم -عليه السلام- نفخ فيه من روحه وقبض قبضة من جميع الأرض فجاء البشر من نسله مختلفين في أشكالهم وألوانهم وطبائعهم وذلك لحكمة عظيمة حيث قال تعالى: (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالونَ مُختَلِفينَ*إِلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُم...)،[١] فما هي الحكمة من خلق الله الناس مختلفين؟[٢]


لماذا خلق الله الناس مختلفين

يذكر بعض أهل العلم أنَّ سبب خلق الله الناس مختلفين هو مناسبتهم للأصل الذي خُلقوا منه وهو من جميع أنواع تراب الأرض ليجعل بين الناس اختلافاً في الطبائع جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعرِي -رضي الله عنه- أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأسود والأبيض والأصفر وبين ذلك والسهل والحَزن والخبيث والطيب)،[٣] فقد أشار الحديث صراحة إلى اختلاف الناس في ألوانهم وصفاتهم الخَلقية والخُلقية، ويرجع ذلك إلى تقدير الله تعالى حيث إنّ التربة التي خُلق منها إنسان تختلف عن التي خُلق منها إنسان آخر فمن خُلق من تربة السهول طبعه مختلف عن الذي خُلق من طينة الجبال، والذي خُلق من طينة بيضاء لونه يختلف عمن خُلق من طينة سوداء، وعلى هذا الأساس نشأَ الاختلاف بين الناس.[٤]

وكذلك فإنَّ الأرض منها ما هو وَعر عسير المسالك ومنها ما هو سهل ليّن، وكذلك هي أخلاق الناس فمنهم من يكون تعاملهم سَلِساً يسيراً ومنهم من يكون تعاملهم صعباً عسيراً، ومنهم المؤمن الطيّب والكافر الخبيث، غير اختلاف أشكالهم وألوانهم، ويدلّ ذلك على عظمة قدرة الله -سبحانه وتعالى- وتفرّده بالخلق ووحدانيته في خلق الكون، يقول الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- عن اختلاف أشكال الناس وألوانهم: (قد أوضح تعالى في غير هذا الموضع أنَّ اختلاف ألوان الآدميين واختلاف ألوان الجبال والثمار والدَّواب وَالأنعام كلّ ذلك من آياته الدالة على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده واختلاف الأَلوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه ومن البراهين القاطعة على أنّه هو المؤَثِّر وأنَّ إِسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال).[٤]

أمّا ما يجب على المؤمن لقاء هذا الاختلاف والتنوع بين البشر أن يُسلِم لله -سبحانه تعالى- ويفرده بالعبادة فهو الذي خلق الناس على هذا الاختلاف لحكمة وتدبير أراده في خلقه فما ظهر لنا من أنّ الناس متنوعين في الطبائع والصفات نؤمنُ به وما خفي علينا ندعُ التفصيل فيه إيماناً وتسليماً ويقيناً بحكمِ الله -تعالى- وأنَّه المتصرف المتفرّد بالخلق والإيجاد.[٤]


حقيقة اختلاف الناس

لا يمكن لأحد أن يُنكر الاختلاف في وجهة النظر والرأي فينبغي تقبّل جميع الآراء والاختلافات والتحاور يكون بالأسلوب الليّن والكلمة الطيبة، وقد أشار بعض العلماء إلى مجموعة من القواعد التي يجب مراعاتها في الخلاف منها ما يلي:[٥]

  • الاختلاف في فروع العلم سنّة من سنن الكون وطبيعة نشأَ عليها الخلق جميعاً، والشريعة الإسلامية تحتوي على الكثير من الفروع الفقهيّة والعقديّة إلّا أن فيها سعةً بالغةً ومرونةً تحتمل الاختلاف والتنوّع، كما أنّ اللغةَ العربيَّة تحتمل العديد من الأوجه والمعاني فمنها الحقيقيّة والمجازيّة والظاهرة والخفيّة.
  • يجب على البشر محاولة دفع الاختلاف المؤدي إلى الفرقة والفتن تجنباً للفُرقة وطلباً للاتحاد بل إنَّ السعي لدفع الاختلاف وردّه فريضة شرعيّة لتجتمع الأمّة في الصف وتقوى شوكتها.
  • ليس كل الخلاف شراً فمنه ما يكون مقبولاً ومحموداً لا شرَّ فيه كالخلاف ضمن نطاقات متعددة نابعة من الفكر نفسه كالخلاف الصوري أو اللفظي أو الاعتباري والخلاف في بعض المسائل الشرعيّة والأمور العمليّة والمواقف السياسيّة والأعراف والمصالح وحاجات المجتمع وغير ذلك، وهناك الخلاف المذموم كالخلاف الناتج عن الغرور والكبر والعجب أو الخلاف الذي يكون سببه طلب المحافظة على الزعامة والجاه والخلاف الناتج عن سوء الظنّ بين المختلفين واتّهام بعضهم البعض بالباطل أو قلّة العلم.
  • إنَّ في الاختلاف سِعة ورحمة للناس وذلك باختيار كلّ شخصٍ ما يناسبه من الآراء، قال ابن عابدين الحنفيّ: (الاختلاف في الفروع من آثار الرحمة فإنَّ اختلاف الناس فيه توسعة عليهم فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر).
  • الاختلاف في علم الفقه خلق ثروةً فقهيّةً هائلةً زوّدت الكتب والمكتبات بالآراء الفقهيّة والقانونيّة وفتحت الباب للعديد من الاجتهادات والحلول الناجحة في هذا العصر.
  • الاختلاف في فروع الفقه يؤجَر عليه المجتهدون بمجرد بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلتها في القرآن الكريم أو في السنة النبوية أو غيرها من مصادر الأحكام، فإن أصاب المجتهد في اجتهاده فله أجران وإن أخطأ في اجتهاده يأخذ أجراً واحداً.
  • ينبغي على المختلفين قبول ما يصدر من الطرف الآخر ما دام هذا الاختلاف مبنياً على دليل علمي صحيح.


أسباب اختلاف الناس

يختلف الناس وتختلف طبائعهم وتقديراتهم للأمور ويعود ذلك لعدّة أسباب منها:[٦]

  • اختلاف الحكم على الأمور من حيث الصواب والخطأ بسبب اختلاف مصادر المعرفة من شخصٍ لآخر.
  • اختلاف النظر إلى الأمور بين الناس فكلٌّ ينظر إلى الأمر من جانب مختلف، وصعوبة إدراك بعض الأشخاص للقضايا والإحاطة بكاملِ الموضوع.
  • اتباع بعض الناس لأهوائهم ورغباتهم دون النظر إلى ما تؤول إليه الأمور.
  • التقليد الأعمى الذي يؤدي إلى التعصب للرأي دون محاولة معرفة الحق والصواب، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).[٧]


المراجع

  1. سورة هود، آية: 117-118.
  2. أحمد حطيبة، تفسير أحمد حطيبة، صفحة 303، جزء 4. بتصرّف.
  3. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم: 6160، صحيح.
  4. ^ أ ب ت محمد صالح المنجد (4-11-2012)، "الحكمة من خلق البشر على ألوان مختلفة أبيض وأسود ونحوه"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 13-12-2017. بتصرّف.
  5. توفيق الواعي (5-3-2013)، "حقيقة الاختلاف بين الممنوع والمقبول"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 13-12-2017. بتصرّف.
  6. بليل عبد الكريم (17-6-2012)، "أسباب الأختلاف بين الناس"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 13-12-2017. بتصرّف.
  7. سورة البقرة، آية: 170.