لماذا لحم الإبل ينقض الوضوء

لماذا لحم الإبل ينقض الوضوء

لماذا لحم الإبل ينقض الوضوء

يجدر بالذكر بدايةً أنّ الفقهاء تعدّدت آراؤهم في حكم الوضوء بعد أكل المسلم للحم الإبل، فذهب الحنابلة إلى أنَّ أكل لحم الإبل من نواقض الوضوء، بينما ذهب جمهور الفقهاء من الشافعيّة، والمالكيّة، والحنفيّة إلى أنّه لا ينقض الوضوء، وإنما يُستحب الوضوء منه، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.[١]


وأمّا من قال بنقض لحوم الإبل للوضوء فقال إنّ الحكمة من الوضوء بعده هو أنّ أكله يُعطي طاقة شيطانيّة،[٢] لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (لا تصَلُّوا في مبارِكِ الإبِلِ؛ فإنَّها من الشياطينِ)،[٣] والماء يُطفئ هذه الطاقة، لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ الغضبَ منَ الشيطانِ، وإنَّ الشيطانَ خُلِقَ منَ النارِ، وإنما تُطْفَأُ النارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكُم فلْيَتَوَضَأْ)،[٤] فالوضوء لازمٌ لزوال أثر أكل لحم الإبل عن الإنسان.[٥]


وتلمّس ابن تيمية -رحمه الله- الحكمة من ذلك أيضاً، فقال إنَّ الوضوء بعد أكل لحمها يدفع عن المؤمن ما يُصيب المدمنين عليها من قسوة القلب والشّدّة، بدليل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الفَخْرُ والخُيَلاءُ في أصْحابِ الإبِلِ، والسَّكِينَةُ والوَقارُ في أهْلِ الغَنَمِ)،[٦][٧] وقال العديد من الفقهاء إنّ الأمر الوارد بالوضوء بعد أكل لحم الإبل أمرٌ تعبّدي؛ أي لا يعلم الحكمة منه إلا الله -سبحانه-، وهو قول الأكثرين في هذا الباب؛ فقالوا الله أعلم بالحكمة في ذلك الأمر، ولا دليل واضح يدلّ على الحكمة من ذلك والعلّة منه، والمسلم يمتثل أمر الله -تعالى- حتى وإن لم يعلم الحكمة منه.[٨]


حكم الوضوء من أكل لحوم الإبل

تعدّدت آراء العلماء في حكم الوضوء عند الأكل من لحم الإبل -الْجَزُورِ-، ونذكرها فيما يأتي:[٩]

  • عدم وجوب الوضوء على مَنْ أَكَل لحم الإبل،[١] لِما رواه جابر -رضيَ الله عنه- عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (كانَ آخِرُ الأمرَينِ مِن رسولِ اللَّهِ تَرْكَ الوضوءِ مِمَّا مسَّتِ النَّارُ)،[١٠]ولأنّه طعامٌ كباقي الأطعمة المباحة، وهذا رأي جمهور الفقهاء من الشافعيّة، والحنفيّة، والمالكيّة، وكذلك الثوريّ ومجموعة من السّلف.[١١]
  • وجوب الوضوء على من أَكَل من لحم الإبل المطبوخ والنّيِّئ أيضاً، سواء كان من أكله عالماً بهذا الحكم، أو جاهلاً به،[١٢] وذلك لأنّ رجلاً سأل رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (أأَتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الغَنَمِ؟ قالَ: إنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وإنْ شِئْتَ فلا تَوَضَّأْ، قالَ: أتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الإبِلِ؟ قالَ: نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِن لُحُومِ الإبِلِ، قالَ: أُصَلِّي في مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أُصَلِّي في مَبَارِكِ الإبِلِ؟ قالَ: لَا)،[١٣] وهذا رأيّ الحنابلة.[١٤]


حكم الوضوء مِن شرب لبن ومرق لحم الإبل

لا يُعتبر لبن ومرق لحوم الإبل من نواقض الوضوء،[١٥] وكذلك الطّعام المطهوُّ معها في ذات القدر والمرق، فكلّها لا تنقض الوضوء،[١٢] ولكن يُستحبّ الوضوء عند شُرب ألبان الإبل، لِما في قصّة العُرَنيِّينَ أنَّ الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (أمرهم أَنْ يَشْرَبُوا مِن أبْوَالِهَا وأَلْبَانِهَا).[١٦]


ولم يأمرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يتوضّؤوا من ألبانها، وفي هذا دليلٌ على استحباب الوضوء لا وجوبه.[١٧] وكذلك لا يجب الوضوء على مَنْ شَرِب مَرَق لحم الإبل، أو أكل الكبد، أو الطحال، أوالكرش، أو السّنام،[١٤] لأنّ الحديث جاء في ذكر اللّحم فقط؛ والحكم هنا تَعَبُّديٌ لا نعقل معناه وحكمته، فنقتصر على ما جاء ذكره في النّص.[١٨]


المراجع

  1. ^ أ ب كمال ابن السيد سالم (2003م)، كتاب صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة (الطبعة الأولى)، القاهرة: المكتبة التوفيقية، صفحة 137، جزء 1. بتصرّف.
  2. عبد الله بسام (1423 هـ - 2003 م)، كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام (الطبعة الخامسة)،مكة المكرمة: مكتَبة الأسدي، صفحة 307، جزء 1. بتصرّف.
  3. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن البراء بن عازب، الصفحة أو الرقم: 493، سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح].
  4. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن عطية بن عروة السعدي، الصفحة أو الرقم: 4784، سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح].
  5. حمد بن عبد الله الحمد، شرح زاد المستقنع للحمد، صفحة 79، جزء 2. بتصرّف.
  6. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 4388، صحيح.
  7. "الحكمة في الأمر بالوضوء بعد أكل لحم الإبل"، www.islamweb.net، 16-10-2001، اطّلع عليه بتاريخ 13-4-2021. بتصرّف.
  8. "سبب نقض لحم الإبل للوضوء"، www.binbaz.org.sa، الشيخ ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 13-4-2021. بتصرّف.
  9. مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 210، جزء 35. بتصرّف.
  10. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن جابر بن عبدالله ، الصفحة أو الرقم: 192، سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح].
  11. مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)،الكويت: دارالسلاسل، صفحة 42، جزء 8. بتصرّف.
  12. ^ أ ب عبد المحسن العباد (1425 هـ - 2004 م)، شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (الطبعة الأولى)، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ، صفحة 25، جزء 1. بتصرّف.
  13. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن سمرة، الصفحة أو الرقم: 360، صحيح.
  14. ^ أ ب وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة 434، جزء 1. بتصرّف.
  15. الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 112، جزء 62. بتصرّف.
  16. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1671، صحيح.
  17. خالد بن إبراهيم الصقعبي، مذكرة القول الراجح مع الدليل - الطهارة، دار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، صفحة 73. بتصرّف.
  18. مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، -: طبع الوزارة، صفحة 397، جزء 43. بتصرّف.
13355 مشاهدة
للأعلى للأسفل