ما الفرق بين المغفرة والعفو

ما الفرق بين المغفرة والعفو

الفرق بين العفو والمغفرة في التعريف

نبين فيما يأتي الفرق بين العفو والمغفرة في التعريف:


المغفرة

يتفق المعنى اللغوي مع المعنى الشرعي للفظ المغفرة وهو: التغطية والسَّتر، للذنوب شرعاً ولغيرها لغةً، والمغفرة: هي مصدر من الفعل "غفر"، وقد جاء في "لسان العرب" لابن منظور: "الغفور الغفار، جل ثناؤه، وهما من أبنية المبالغة، ومعناهما الساتر لذنوب عباده، المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم، وأصل "الغَفْر" في الكلام: التغطية والستر، وكل شيء سترته، فقد غَفَرته؛ ومنه: بيضة الحديد على الرأس: مِغفَر، ومنه: غفر الله ذنوبَه، أي: سترها، وغفرت المتاع: جعلته في الوعاء".[١]


ونلاحظ أن ابن منظورٍ قد عقّب على المعنى اللغوي بالمعنى الشرعي؛ إذ إن النتيجة الحتمية لمعنى الستر يتضمن التجاوز عن الذنب ولا ينفك عنه، فكأنه أراد أن يقول كل ستر ومغفرة يتضمن عفواً ومسامحة.


والغفور والغفار من أسماء الله الحسنى، وقد وصف الله -عز وجل- نفسه في سورة النجم بأنه: "واسع المغفرة"، يقول -تعالى-: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ)،[٢] وفي سورة المدثربأنه: "أهل المغفرة" يقول -تعالى-: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ).[٣]


العفو

ينصرف المعنى اللغوي للعفو إلى المحو والطمس، أما المعنى الشرعي فيتعلق بالتجاوز عن الذنب والمسامحة عن العقوبة ومحوها، والعفْو: مصدر للفعل: "عفا"، جاء في لسان العرب: "عفا في أسماء الله -تعالى-: ‌هو العفًو، وهو التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه، وأصله: المحو والطمس، وهو من أبنية المبالغة، يقال: ‌عفا يعفو عفواً، فهو عاف وعفُو، قال الليث: ‌العفْو: عفو الله -عز وجل- عن خلقه، وكل من استحق عقوبة فتركتَها، فقد عفوتَ عنه".[٤]


الفرق بين العفو والمغفرة في محو الذنوب

من خلال التعاريف السابقة للعفو والمغفرة، نجد أن المعنى اللغوي للعفو أكثر مبالغة من معنى المغفرة؛ فالمغفرة تقتصر على الستر والتغطية، وأما المعنى اللغوي للعفْو فيشمل المحو والطمس، إلا أن المعنى الشرعي قد لا يتماهى تماماً مع المعنى اللغوي؛ لأن المعنى الشرعي للمغفرة قد يشير معنى الستر فيه إلى شدة القرب من الله -تعالى- حتى يسترعبده بكنفه وجواره.[٥]


ويشير النسفي إلى الفرق بين المعنيين، وأن معنى المحو في لفظة: "العفو" هو محو للكبائر، فيقول: (وَاعْفُ عَنَّا)؛[٦] أي امح سيآتنا، والمغفرة للصغائر، فيقول: (وَاغْفِرْ لَنَا)؛[٦] أي واستر ‌ذنوبنا، ولا يتم حمل اللفظين -العفو والمغفرة- على التكرار، بل يُصرف الأول للكبائر، والثاني للصغائر.[٥]


وكذلك يرى الغزالي -رحمه الله- أن العفوَ هو المحو، ويرى أن في هذا زيادة معنى على مجرد الستر الذي تقتصر عليه كلمة "المغفرة"، ويبين ذلك بقوله: "العفُوُ هو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، ‌والمحو ‌أبلغ من الستر".[٧]


الفرق بين العفو والمغفرة من الناحية البلاغية

يرى الرازي -رحمه الله- أن العفو إسقاط للعذاب الجسدي، أما المغفرة فهي ستر عن الفضيحة والعذاب النفسي، يقول: "إن العفو أن يُسقط عنه العقاب، والمغفرةَ أن يستر عليه جرمه صوناً له من ‌عذاب ‌التخجيل والفضيحة، كأن العبد يقول: أطلبُ منك العفوَ، وإذا عفوت عني فاستره عليَّ، والأول: هو العذاب الجسماني، والثاني: هو العذاب الروحاني".[٨]


ونحو هذا الرأي يذهب ابن كثير -رحمه الله- فيساوي بين وظيفة المعنيين للفظتين، إلا أن العفو يكون بين العبد وربه، أما المغفرة فتكون بين العباد، يستر الله بعضهم عن بعض من الفضيحة، وفي هذا ملمح بلاغي شرعي؛ لأن الستر لا يكون عن الله أبداً، إنما يكون في حق العباد، كذلك محو الذنب، وإنما يختص به الله وحدَه، يقول ابن كثير: "وقوله تعالى: (وَاعْفُ عَنَّا)؛[٦]أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزلَلِنا،(وَاغْفِرْ لَنَا)؛[٦] أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تُظهرهم على ‌مساوينا وأعمالنا القبيحة".[٩]


ويرى ابن تيمية -رحمه الله- أن معنى "المغفرة" أبلغ في تأدية معاني التفضل والإقبال على العبد من قِبل ربه -عز وجل- فيقول: "فالعفو متضمن لإسقاط حقه قِبَلَهم ومسامحتهم به، والمغفرة متضمنة لوقايتهم ‌شرَّ ‌ذنوبهم، وإقبالِه عليهم ورضاه عنهم، بخلاف العفو المجرد؛ فإن العافي قد يعفو ولا يُقبل على من عفا عنه ولا يرضى عنه، فالعفْو تركٌ محض، والمغفرة إحسان وفضل".[١٠]


أخيراً يمكننا الميل مع الرأي القائل بترداف المعنيين من جهة الله عز وجل؛ فالمحو وهو معنى العفو، والستر وهو معنى المغفرة، كلاهما فضل ونعمة من الله على عبده فلا يستر ـ سبحانه ـ ليعاقب، ولا يمحو ليفضح، وكذلك من جهة العباد بين بعضهم البعض؛ فكل ما يمحوه الله ويستره عن الخلق يكون بحكم المحتجب الغائب عن علمهم، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


المراجع

  1. ابن منظور (1414)، لسان العرب (الطبعة 3)، بيروت:صادر، صفحة 25، جزء 5.
  2. سورة النجم، آية:32
  3. سورة المدثر، آية:56
  4. محمد بن منظور (1414)، لسان العرب (الطبعة 3)، بيروت:صادر، صفحة 72، جزء 15.
  5. ^ أ ب عبد الله النسفي (1419)، تفسير النسفي (الطبعة 1)، بيروت:الكلم الطيب، صفحة 234، جزء 1.
  6. ^ أ ب ت ث سورة البقرة، آية:286
  7. أبو حامد الغزالي (1407)، المقصد الأسنى (الطبعة 1)، قبرص:الجفان والجابي، صفحة 140.
  8. فخر الدين الرازي (1420)، تفسير الرازي (الطبعة 3)، بيروت:إحياد التراث العربي، صفحة 124، جزء 7.
  9. إسماعيل ابن كثير (1420)، تفسير ابن كثير (الطبعة 2)، صفحة 738.
  10. ابن تيمية (1416)، مجموع الفتاوي، المدينة المنورة:مجمع الملك فهد، صفحة 140، جزء 14.
326 مشاهدة
للأعلى للأسفل