ما حكم توصيل الشعر

كتابة - آخر تحديث: ٠٨:٠٣ ، ٤ يوليو ٢٠١٧
ما حكم توصيل الشعر

وصل الشّعر

خلق الله -سبحانه وتعالى- الإنسان في أحسن تقويم، وأفضل خِلقة، وأكمل صورة، وجعل في طبعه وغريزته حُبّ التزيُّن والتجمُّل، بل دعا الله -سبحانه وتعالى- عباده إليهما، فقال في كتابه العزيز: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)،[١] وقال رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم: (...إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجَمالَ..).[٢]


وقد شرع الإسلام التزيُّن للرّجال والنّساء جميعاً، ولكنّه دعا إلى ضبطهما بما يتوافق مع الهَدي الربانيّ؛ فحدّ حدوداً لا يجب تعدّيها، وحرّم أشياء لا يجب انتهاكها، وممّا يُعدّ من زينة الرّجل والمرأة الشّعرُ؛ فقد أمر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بتسريحه وإكرامه، ولكن دون مبالغة في ذلك؛ بحيث تُقضى الساعات الطوال على ذلك؛ فقد رُوِي عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه: (نهى عن الترجُّلِ إلا غبّاً)،[٣] وممّا يكون فيه التزيُّن عند الرجال والنّساء وصلُ الشّعر، فما المقصود به، وما حُكمه في الشَّرع؟ هذا ما سيتمّ بيانه في هذه المقالة.


المقصود بوصل الشّعر

الوصل في اللُّغة من الفعل: (وَصلَ، يَصِل، وَصْلاً، فهو واصِلٌ، يُقال: وصَل الشَّخصُ بين الطَّرفين: أي رَبَط وَوَحَّد بينهما، ووصَل قِطَعَ الآلة: أي ركَّبها وجمَّعها، ووحَّد بين أجزائها، ووصَل الشَّيءَ بالشَّيءِ: أي ضَمَّه به، وجمعه، وعكسه: فصله)، والشَّعر في اللغة: اسم، وجمعه أشعار، وشُعور، ويُقصَد بالشَّعْر: (تلك الزوائدُ الخيْطيّة التي تظهر على جِلْد الإنسان وغيره من الثديّيات، ويُقابلها الرّيش عند الطيور، والحراشيف عند الزّواحف، والقشور عند الأسماك الواحدة)،[٤] أمّا الواصلة فهي اسم يُطلَق على المرأة التي تصل الشّعر بشعر الغير، أو التي تصل شعرها بشعرٍ آخر زوراً، والمُستوصلة: هي التي يوصَل لها الشّعر بطلبٍ منها.[٥]


حُكم وَصل الشّعر

اتّفق الفُقهاء في الجملة على تحريم وصل الشّعر، واستدلّواعلى ذلك بأحاديث نبويّة كثيرة، ورد فيها لعن من يصل الشّعر، ذكراً كان أو أنثى؛ فاللعن لا يكون إلّا على أمر مُحرَّم،[٦] ومن هذه الأحاديث:

  • ما رواه الصحابيّ الجليل أبو هريرة رضي الله عنه، أنّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (لَعنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمُستَوصِلَةَ، والواشِمةَ والمُستوشِمَةَ).[٧]
  • ما روَتْه أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- حيث قالت: (سألتِ امرأةٌ النبيّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنّ ابنَتِي أصابَتْها الحَصْبةُ، فامَّرَقَ شَعْرُها، وإني زَوَّجْتُها، أَفَأَصِلُ فيه؟ فقال: لعنَ اللهُ الواصلةَ والمستوصِلَةَ).[٨]
  • ما رواه الإمام البخاريّ في كتابه: (قدِمَ معاويّةُ المدينةَ، آخرَ قدْمةٍ قدِمَها، فخطبنا، فأخرج كُبّةً من شعَرٍ، قال: ما كنتُ أرى أحداً يفعلُ هذا غيرَ اليهودِ، إنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- سمّاهُ الزورَ؛ يعني الواصلةَ في الشّعرِ).[٩]


وصل الشّعر بشعر آدميّ

اتفق كل من فقهاء الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة، والشافعيّة، والظاهريّة على حُرمة أن تصِلَ المرأة شعرها بشعر آدميّ؛ بقصد التجمُّل والتزيُّن، أو التّحسين، وسواءً كان الشّعر الذي يوصَل به هو شعر زوجها، أو شعر امرأة أخرى؛ وذلك لعموم الأحاديث الواردة في النّهي عن وصل الشّعر، ولحرمة الانتفاع بشعر الآدميّ، وسائر أجزائه.[١٠]


وصل الشّعر بشعر غير الآدميّ

اختلف الفقهاء في حُكم وصل الشّعر بشعر غير الآدميّ على عدّة أقوال:[١٠]

  • القول الأول: أنّ وصل الشّعر بشعر غير الآدميّ؛ مثل: الصّوف، أو الوبر، أو شـعر الماعز، أو الخِرق، مُباح؛ وذلك لعدم حدوث التّزوير، وعدم استعمال جزء من الآدميّ، وإلى هذا القول ذهب فقهاء الحنفيّة، والليث بن سعد.
  • القول الثاني: أنّ وصل الشّعر بشعر غير الآدميّ، من صوف، أو وبر، أو شعر حيوان، حرام، وإلى هذا القول ذهب فقهاء المالكيّة والظاهريّة، مُستدلّين بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن الوصل، ولأنّ في الوصل تدليساً وتغييراً لخلقة الله سبحانه وتعالى، ولأنّ فيه إيهاماً بكثرة الشّعر، واستثنى فقهاء المالكيّة من هذا الرّبط بالخِرق وخيوط الحرير المُلوَّنة؛ وذلك لأنّها لا تشبه الشّعر، وليس منهيّاً عنها، ولا يُعدّ الرّبط بها وصلاً.
  • القول الثالث: التّفصيل بين إن كان الشّعر الموصول به طاهراً أو نجِساً؛ فإن كان نجِساً فيحرُم الوصل به، وإن كان طاهراً فيُنظَر إن كانت الواصلة مُتزوِّجةً أو لا؛ فإن كانت متزوّجةً، يجوز الوصل بإذن الزّوج، وإن لم تكن متزوّجةً يحرُم عليها الوصل، أمّا بالنّسبة إلى خيوط الحرير الملوّنة التي لا تشبه الشّعر فلا بأس بالوصل بها؛ لعدم وجود التدليس، وعدم النّهي عن استعمالها، وإلى هذا القول ذهب فقهاء الشافعيّة.
  • القول الرابع: التفريق بين إن كان غير شعر الآدميّ شعراً أو غير شعر؛ فإن كان شعراً، مثل: شعر الماعز، أو شعر البهيمة، يحرُم الوصل به لعموم الأحاديث الواردة في النّهي، وإن كان غير شعر، مثل: الصّوف، والخِرق، ونحوه، فإن كان لحاجة مثل: ربط الشّعر وشدّه فلا بأس به، وإن كان لغير حاجةٍ فعندهم قولان: الحُرمة، والكراهة، وقد رجّح ابنُ قدامة أنّه يُكرَه الوصل به، وإلى هذا القول ذهب فقهاء الحنابلة.


الحِكمة من تحريم وصل الشّعر

يرجع سبب تحريم الشريعة الإسلاميّة لوصل الشّعر إلى أمور، منها:

  • حصول الغشّ، والتّكذيب، والتّزوير، والتّغيير لحقيقة الشّعر؛ بحيث يظهرأكثر كثافةً، أو أكثر طولاً، وهكذا.[١١]
  • لما فيه من تغيير لخَلق الله سبحانه وتعالى.[١٢]
  • يرجع سبب تحريم وصل الشّعر إلى أصل الشّعر الذي يتمّ به وصل الشّعر الأصليّ ونوعيّته، فيُمكن أن يكون هذ الشّعر ذا أصل نجِس؛ مثل: الحيوانات الميتة التي قد يتسبب بحدوث مرض في فروة الرأس.[١٢]
  • يرجع سبب التّحريم أيضاً إلى حُرمة الانتفاع بشعر الآدميّ رجالاً ونساءً؛ وذلك للحفاظ على كرامتهم.[١٠]


المراجع

  1. سورة الأعراف، آية: 31.
  2. رواه الألباني، في السلسلة الصحيحة، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 4/167، صحيح.
  3. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عبد الله بن مغفل، الصفحة أو الرقم: 6870، صحيح.
  4. "تعريف و معنى وصل شعر المرأة "، المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 13-6-2017. بتصرّف.
  5. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة-الكويت (1427هـ)، الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة (الطبعة الثانيّة)، الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة، صفحة: 345، جزء: 42. بتصرّف.
  6. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة-الكويت (1427هـ)، الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة: 108، جزء: 26. بتصرّف.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 5933، صحيح.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أسماء بنت أبي بكر، الصفحة أو الرقم: 5941، صحيح.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن معاوية بن أبي سفيان، الصفحة أو الرقم: 5938، صحيح.
  10. ^ أ ب ت د.محمد عثمان شبير ، أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي كلية الشريعة والدّراسات الإسلاميّةـ جامعة الكويت، صفحة: 7-10. بتصرّف.
  11. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (1417هـ)، الوسيط في المذهب (الطبعة الأولى)، القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، صفحة: 170، جزء: 2. بتصرّف.
  12. ^ أ ب الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي (1992)، الفقه المنهجيّ على مذهب الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار القلم، صفحة: 100-101، جزء: 3. بتصرّف.