ما حكم كشف الوجه

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٢٦ ، ٢ أبريل ٢٠١٧
ما حكم كشف الوجه

تغطية الوجه

إن تغطية الوجه وَستره من المواضيع ذات الأهميّة الشّديدة؛ فقد نشب حوله جدالٌ طويلٌ بين عُلماء الأمّة وعوامّها، واختلف فيه الناس جميعاً بين مُؤيّدٍ ومُعارِض، ويرجع أصل الخِلاف في هذه المسألة إلى اختلاف العلماء في فهم النّصوص الواردة في مشروعيّة الحجاب، وتفاصيلها، ومدلولاتها الفقهيّة والشرعيّة، فبينما رأى فريقٌ من العلماء وجوب تغطية الوجه، ودلّلوا على رأيهم بأدلّةٍ من القرآن والسُّنة، جاء فريقٌ آخر وخالف ذلك الرّأي، والعجيب أنّ أدلّة الفريق الثاني كانت هي ذاتها أدلّة الفريق الأوّل، فما هو حكم تغطية الوجه، ولأيّ جهةٍ يرجع أصل الخِلاف في حكمه، وما هو الواجب في الحجاب الشرعيّ إن لم تكن تغطية الوجه مشروعةً؟ ذلك ما سيجيب عنه المقال الآتي بعون الله وتوفيقه.


معنى الحجاب

يعني الحجاب لُغةً: السّتر، يُقال: حُجِب الشّيء حَجباً وحِجاباً، وحَجَبَه: أي سَتَره، وامرأة مَحجوبة: أي أنّها قد لبست شيئاً حجَبها عن النّاس، أو أنها استَتَرت بشيء حجَب الناس عن أن يروها،[١] أمّا الحجاب اصطلاحاً: فهو ما تلبسه المرأة من الثّياب لستر عورتها عن الاجانب من غير المَحارم.[٢]


حُكم تغطية الوجه

أُشير سابقاً إلى الخلاف الواسع في حكم تغطية الوجه، ورأي العلماء فيه، فقد رأى فريقٌ من العلماء وجوب تغطية الوجه، ودلّلوا على ذلك ببعض النّصوص، وذهب الفريق الآخر إلى عدم وجوب ذلك، بل يرون أنّ تغطية الوجه جائزةٌ مُستحَبَّة، ودلّلوا على قولهم أيضاً ببعض النّصوص.


اتفق الفقهاء على وجوب تغطية الوجه إذا كان في كشفه فِتنةٌ للنّاس بأن تكون المرأة فاتنةً فائقة الجمال، أو إذا كانت المرأة تخشى على نفسها التعرُّض للفِتنة إن كشفت وجهها، فإن كانت لا تخشى الفتنة على نفسها، أو أنّه ليس في كشفها لوجهها فتنة فهُنا اختلف العلماء على قولين:[٣]

  • يرى الشافعيّة في الصّحيح عندهم والحنابلة أنّه يجب على المرأة أن تستر الوجه والكفَّين، وقد استدلّوا على ما ذهبوا إليه بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)،[٤] وقالوا إنّ الآية السّابقة ذكرت وجوب لبس المرأة للحجاب الشرعيّ الذي يشمل ستر البدن جميعه، بما في ذلك الوجه والكفّين، فيكون ستر الوجه داخلاً في سياق الآية، وعليه يكون الأصل سترهما.
  • ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشافعيّة في قولهم إلى استحباب تغطية الوجه للمرأة وعدم وجوب ذلك عليها، واستدلّوا على رأيهم بقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لأسماءَ بنتِ أبي بكر عندما دخلت عليه بثيابٍ رقيقةٍ تُظهِر مَفاتنها: (يا أسماءُ إن المرأةَ إذا بلغتِ المَحِيضَ، لم يَصْلُحْ أن يُرَى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهِه وكَفَّيْهِ)،[٥] ووجه الاستدلال من النصّ أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لم يشمل تغطية الوجه ممّا ينبغي على المرأة تغطيته إذا بلغت، فلا يكون من الواجب تغطيته، ولكن الأَولى ذلك؛ دفعاً للفتنة لِمَن خشِيت على نفسها منها لِجمالٍ، أو غير ذلك.


صفات الحجاب الشرعيّ

يتّصف الحجاب الشرعيّ ببعض الصّفات التي تُميّزه عن غيره، والتي لا بدّ لكلّ فتاةٍ أو امرأةٍ مسلمةٍ أن تحرص على أن تكون تلك الصفات متوفّرةً في حجابها، ومن الجدير بالذّكر أنّ الحجاب لفظة تُطلَق على جميع ما يستُر البدن، في حين أنّ المُتعارَف عليه بين النّاس أنّ الحجاب هو غطاء الرّأس فقط، وذلك خطأ عامّ، ومن أهمّ ما يُميّز الحجاب الشرعيّ وما يجب توفُّره فيه ليكون شرعياً ما يأتي:[٣]

  • أن يكون ساتراً للبدن كلّه، وينطبق ذلك على الجسد جميعه من أعلى الرّأس وحتّى القدمَين، وتُستَثنى من ذلك تغطية الوجه والكفَّين؛ حيث اختلف العلماء في حكم تغطيتهما، وقد مرّ تفصيل ذلك فيما سبق.
  • أن يكون فَضفاضاً، فلا يجوز للمرأة المسلمة أن ترتدي لِباساً ضيِّقاً يصف جسمَها، ويُظهِر تفاصيله.
  • ألّا يكون رقيقاً يُظهِر مفاتنها ويكشف ما تحته؛ لأنّ ذلك أدعى لإثارة الفتنة وتحريك الشّهوة عند الرّجال، وقد نهى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أسماء بنت أبي بكر عن لبس شيءٍ من تلك الثّياب، ويظهر ذلك في قوله -صلّى الله عليه وسلّم- لها لمّا دخلت عليه بثيابٍ رقيقة: (يا أسماءُ إنّ المرأةَ إذا بلغتِ المَحِيضَ لم يَصْلُحْ أن يُرَى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهِه وكَفَّيْهِ)،[٥] فالوظيفة العمليّة للحجاب تنحصر في إخفاء مفاتن المرأة وحجبِها عن الرّجال؛ لدرء الفتنة، ولبس ما رقَّ من الثّياب يتعارض فعليّاً مع تلك الوظيفة للحجاب، فيُبطل دوره نهائيّاً.
  • ألّا يكون الحجاب ممّا تعارف عليه النّاس على أنّه من لباس الرّجال؛ حيث نهى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن تشبُّه النّساء بالرّجال، وقد روى ذلك ابن عباس -رضي الله عنهما- فقال: ( لعنَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ؛ المتشبِّهاتِ بالرِّجالِ منَ النِّساءِ، والمتشبِّهينَ بالنِّساءِ منَ الرِّجالِ).[٦]
  • ألّا يكون في الحجاب شيءٌ يدلّ على كونه لِباس شُهرةٍ، كأن يكون فيه تشبُّهٌ واضحٌ بأهل الفجور والمعاصي، أو يكون فيه تكبُّر، واستعلاءٌ، وخيلاء على الناس.
  • ألّا تظهر فيه رائحة العطر، أو أن يكون مُزيذَناً ومُلوَّناً بألوانٍ تجذب الرّجال.


أهميّة الحجاب في الإسلام

تكاملت الأحكام الشرعيّة وتنوّعت؛ بحيث شملت مناحي حياة المُسلم كافّة، ومع ذلك التنوّع كلّه في الشّريعة إلّا أنّها قد راعت في تنوُّعها الفِطرة السّليمة ووافقَتها، وقد وافقت مشروعيّة الحجاب الفطرة؛ من حيث حفظ كرامة المرأة المسلمة، وستر جسدها عن كلّ ما هو مُبتذَلٌ مكروه، كما أنّ الرجل مجبولٌ على الغيرة، فلا يحبّ أن يطّلع أحدٌ على محارمه من النّساء، وممّا يدلّ على أهميّة الحجاب في المجتمع الإسلاميّ والمجتمعات عامّةً ما يأتي:[٧]

  • الحجاب طاعة لله: فقد أمر الله سبحانه وتعالى المرأة المسلمة بالسّتر في أحوالها جميعها، ونهى نساء المسلمين عن الفُجور والتفحُّش في القول أو العمل أو اللّبس، وفي المُقابل فقد أمر الرّجال بغضّ البصر، وعدم انتهاك حُرُمات الله، فإذا التزمت المرأة بالحجاب تكون قد طبَّقت أوامر الله سبحانه وتعالى، وإذا لم تلتزم به بصفاته التي جاءت بها الشّريعة تكون قد عصت الله واستحقّت عقوبته، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا).[٨]
  • الحجاب دليلٌ على صدق الإيمان: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ)،[٩] وقال تعالى في سورة النّور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾،[١٠] فكأنّ الله -سبحانه وتعالى- يُشير في الآية إلى أنّ الالتزام بالحجاب الشرعيّ كما جاء به النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن الله سبحانه وتعالى إنّما هو صفةٌ تتّصف بها المؤمنات من النّساء فقط.
*الحجاب دليل على طهارة القلب ونقاء السَّريرة: فالحجاب يوافق السّتر، ويوافق الطّهارة والنّقاء، والمرأة الطّاهرة النقيّة لا ترضى لنفسها إلا بكلّ ما كان نقياً طاهراً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.[١١]
  • الحجاب دليلٌ على العِفَّة: فالحجاب الشرعيّ يجعل المرأة المسلمة العفيفة مُميَّزةً عن غيرها من النّساء؛ فلا يقربها أهل السّوء بألسنتهم أو أيديهم، ولسان حالها في لباسها يقول: لقد اتّقيتُكم بتستُّري، فاتّقوا مُضايقتي بكفّ أعيُنِكم وألسنتكم، وحيث إنّ المرأة العفيفة غير المتحجّبة وإن كانت في نفسها عفيفةً إلا أنّها لن تتمكّن من إظهار ذلك إلا أن تستّرت عن الناس بالحجاب، قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ).[٩]
  • الحجاب يزيد المرأة حياءً.
  • الحجاب يناسب الغيرة.
  • الحجاب دليلٌ على تقوى الله ومحبّته، وهو دليلٌ على قوّة الإيمان؛ فقد قال الله سبحانه: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).[١٢]


زينة الوجه للمرأة المُحجَّبة

يختلف حُكم زينة الوجه حسب طبيعتها، والمقصود منها، والمُطَّلع عليها، وبيان ذلك فيما يأتي:[١٣]

  • إن كان الهدف من التزيُّن أن تتزيّن المرأة لزوجها إن كان هو الوحيد المُطَّلع عليه فلا بأس بذلك؛ شرطَ ألّا تخرج من بيتها مُتزيِِّنةً بتلك الزّينة، ممّا يلفت أنظار الرّجال إليها، ويُثير الفتنة لديهم.
  • إن تزيَّنت المرأة ثمّ خرجت من بيتها، فقد ارتكبت مُحرَّماً بفعل ما نهى عنه الله ورسوله، كما أنّها تأثم بلفت نظر الغير إليها، والانتباه لزينتها.
  • إن وضعت المرأة المكياج ثمّ أخفته بالنّقاب وخرجت به، فلا حرج في ذلك ما دامت زينتها مستورةً بالنّقاب غير مرئيّة لغير محارمها، فإن ظهر شيءٌ من زينتها كالكحل في عينيها، أو ما يُماثله من الزّينة الحديثة التي تُستخدَم لتجميل العيون عند النّساء فهو من الزّينة المُحرَّمة، وتكون بذلك قد ارتكتب حراماً وإثماً، مثل التي خرجت بزينتها الكاملة تماماً.
  • إن كان القصد من الزّينة إخفاء عيبٍ خَلْقي مثلاً بما لا يُثير الفِتنة عند الرّجال، فلا بأس بذلك ما لم تكن تلك الزّينة ظاهرةً أو مُؤثّرةً في المظهر العامّ للمرأة، كأن تُخفي بعض آثار الحبوب الناتجة عن بعض الأمراض بمادّة تجميليّة بسيطة؛ لا يظهر أثرٌ لها، ولا تُغيِّر لون بشرة وجه المرأة الطبيعيّ.[١٤]


المراجع

  1. ابن منظور (1414هـ)، لسان العرب (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار صادر، صفحة: 298، جزء: 1.
  2. محمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي (1988)، معجم لغة الفقهاء (الطبعة الثانية)، بيروت: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة: 174.
  3. ^ أ ب محمد أحمد إسماعيل المقدم (2004)، عودة الحجاب (الطبعة الثانية)، مصر: دار القمة ، صفحة: 153، جزء: 3. بتصرّف.
  4. سورة الأحزاب، آية: 59.
  5. ^ أ ب رواه الألباني، في غاية المرام، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصفحة أو الرقم: 187، حسن.
  6. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 2784، صحيح.
  7. علي محمد مقبول الأهدل (19/8/2014)، "فوائد الحجاب"، الألوكة الاجتماعية، اطّلع عليه بتاريخ 19-2-2017. بتصرّف.
  8. سورة الأحزاب، آية: 36.
  9. ^ أ ب سورة الأحزاب، آية: 59.
  10. سورة النور، آية: 31.
  11. سورة الأحزاب، آية: 53.
  12. سورة الأعراف، آية: 26.
  13. "إذا خرجت المرأة بالمكياج ووجهها مستور فلا حرج عليها"، إسلام ويب - مركز الفتوى، 16-12-1999، اطّلع عليه بتاريخ 29-3-2017. بتصرّف.
  14. محمد صالح المنجد، "حكم استعمال مستحضرات التجميل للرجال"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 30-3-2017.