ما معنى ذو النون

كتابة - آخر تحديث: ٠٩:٥٩ ، ٢٦ سبتمبر ٢٠١٨
ما معنى ذو النون

الأنبياء حُجّةً على أقوامهم

أرسل الله -تعالى- الأنبياء إلى البشر لغايةٍ رئيسةٍ واحدةٍ؛ هي توحيد الله سبحانه، وإفراده بالعبادة والطاعة، وجعل لكلّ نبيٍّ آيةً أو معجزةً خارقةً، تدلّ على أنّه مؤيدٌ من الله سبحانه، ولقد جعل الله -تعالى- الأنبياء بمثابة حُجّةً على الناس، أن يقولوا لم يُرسل إلينا رسول يعلّمنا ديننا، فقال الله تعالى: (أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،[١] فالأنبياء معلّمون، منذرون ومبشّرون للناس بأنّ من استقام وأطاع الله -تعالى- أفلح ونجا يوم القيامة، ومن عصاه واتّبع هواه ضلّ وخسر يوم الحساب، ولقد جعل الله -تعالى- باب الدخول في دينه وتوحيده خياراً للناس، فلم يجبرهم عليه، قال الله تعالى: (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر)،[٢] لكنّه وبالرغم من التخيير الذي منحه للإنسان إلّا أنه حذّر من سوء عاقبة من كفر وتولّى، قال الله -تعالى- إتماماً للآية السابقة: (إِنّا أَعتَدنا لِلظّالِمينَ نارًا أَحاطَ بِهِم سُرادِقُها وَإِن يَستَغيثوا يُغاثوا بِماءٍ كَالمُهلِ يَشوِي الوُجوهَ بِئسَ الشَّرابُ وَساءَت مُرتَفَقًا).[٢]

وإنّ من الأنبياء الذين أرسلهم الله -تعالى- ليكونوا حُجّةً على أقوامهم ومنذرين لهم عذاب يومٍ عظيمٍ، هو نبي الله يونس عليه السلام، وهو يونس بن متى، المتصل نسبه ببنيامين شقيق يوسف عليه السلام، ولقد ذُكرت قصة يونس -عليه السلام- في القرآن الكريم في أكثر من موضعٍ، منها قول الله -تعالى- في سورة الأنبياء: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)،[٣] وفي موضعٍ آخرٍ في سورة القلم، حيث قال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ).[٤][٥]


ذو النون

أطلق الله -تعالى- لقب ذا النون أو صاحب الحوت على نبيه يونس عليه السلام، ويأتي معنى النون في اللغة على أنّه الحوت، فلفظ ذو النون يعني في اللغة صاحب الحوت، إذْ إنّ لفظ ذو ملازم للإضافة إلى الاسم الظاهر، فتأتي بمعنى صاحب، فيكون ذو النون هو صاحب الحوت، وهو نبي الله يونس عليه السلام، وقد أطلق عليه هذا اللقب لأنّ الحوت التقمه فلبث في بطنه ما شاء الله تعالى، ثمّ لفظه.[٦]

وفي تفاصيل قصة النبي يونس -عليه السلام- مع قومه أنّ الله -تعالى- قد بعثه نبيّاً لأهل نينوى في الموصل العراق، وقد كانوا يعدّون مئة ألفٍ نسمةٍ أو أكثر كما ذكر في القرآن الكريم، فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه، وترك عبادة الأصنام التي كانت منتشرةً جداً حينها، وأطال فيهم الجدّ والاجتهاد في الدعوة والصبر على بلائهم وكفرهم، حتى طال عليه الأمد، إذ لبث فيهم ثلاثاً وثلاثين سنةً ما آمن معه فيها إلّا رجلان، فلمّا رأى يونس -عليه السلام- كلّ ذلك الإصرار على التكذيب والكفر شعر باليأس من قومه، فغادرهم دون أن يأذن الله -تعالى- له بذلك، وظنّ يونس -عليه السلام- أنّ الله -تعالى- لن يؤاخذه بتركه لقومه، بعد أن مكث فيهم كلّ ذلك العمر داعياً.[٥]

عندما ترك يونس -عليه السلام- قومه، أوشك الله -تعالى- أن ينزل فيهم عذابه، فتجمّعت السحب السوداء تظلّهم، وغشيهم دخانٌ كثيفٌ، وهبطت السحب بالدخان حتى اسودّت سطوحهم، حيها أدرك قوم يونس -عليه السلام- صدق نبيهم ودعوته، أنّ تحذيره لهم من عذاب الله كان صحيحاً صادقاً، فخافوا ووجلوا وأرادوا التوبة والإنابة قبل أن ينزل فيهم ذلك العذاب، فبحثوا عن نبيهم -عليه السلام- في كلّ مكانٍ حتى يلقنهم كلام التوبة والتوحيد مجدداً، لكنّهم لم يجدوه، فألمهم الله -تعالى- برحمته التوبة والإنابة، وأرسل إليهم شيخاً أرشدهم سبيل التوجه لله -تعالى- مخلصين، فتجمّعوا كلّهم في صعيدٍ واحدٍ، ولبسوا الرث من ثيابهم، ونثروا الرماد على رؤوسهم، وأظهروا كلّ صور التذلّل لله تعالى، ودعوه بصوتٍ واحدٍ ضارعين خاشعين، فقبل الله -تعالى- توبتهمن ورفع عنهم البلاء، فقال الله تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ).[٧][٥]


حال يونس بعد ترك قومه

ذُكر في التفاسير أنّ يونس -عليه السلام- لمّا ترك قومه وخرج من بينهم غاضباً من حالهم، ذهب إلى البحر فركب سفينةً، فهاجت السفينة وماجت، ولمّا ظنّ أصحابها أنّهم أوشكوا على الهلاك اقترحوا أن يلقوا أحد الرجال من بينهم في البحر ليخفّف حمل السفينة، فينجو من تبقّى فيها، فاقترعوا فيما بينهم، فخرج سهم يونس عليه السلام، فلم يُرد الجمْع أن يلقوه في البحر لِما توسّموا فيه من خيرٍ، فاقترعوا مرّةً أخرى، فخرج سهم النبي الله مرةً أخرى، فاقترعوا الثالثة، فخرج سهمه مجدداً، فأدرك أنّ الله -تعالى- قد أراد أمراً لحكمته فألقى بنفسه في البحر، فالتقمه حوت عظيم، لكنّ الله -تعالى- أمره ألّا يأكل له لحماً، ولا يكسر له عظماً.[٥][٨]

ظنّ يونس -عليه السلام- وهو في بطن الحوت أنّه قد مات، فحرّك يديه فإذا هما تتحرّكان، فأدرك الله -تعالى- قد أنجاه، فخرّ ساجداً لله سبحانه، ثمّ مكث يسبّح الله تعالى، حتى أخرجه الله -سبحانه- من بطن الحوت، فألقاه في أرضٍ قد أنبت فيها شجرة يقطين يستظلّ فيها ويأكل منها، وما إن خرج نبي الله يونس من بطن الحوت حتى أدرك أنّ ما حصل له كان ابتلاءً من الله تعالى، لتركه قومه دون أمرٍ من ربه جل وعلا، فعاد إليهم فوجدهم مؤمنين موحدين، قد تابوا وعادوا إلى ربهم سبحانه، فمكث فيهم ما شاء الله تعالى، ثمّ بدأت فيهم الفواحش والكفر مرّةً أخرى، أخذهم الله -تعالى- بذنوبهم فأهلكهم.[٥][٨]


المراجع

  1. سورة المائدة، آية: 19.
  2. ^ أ ب سورة الكهف، آية: 29.
  3. سورة الأنبياء، آية: 87.
  4. سورة القلم، آية: 48.
  5. ^ أ ب ت ث ج "نبي الله يونس عليه السلام"، www.darulfatwa.org.au، اطّلع عليه بتاريخ 2018-9-6. بتصرّف.
  6. "ذو النون"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2018-9-4. بتصرّف.
  7. سورة يونس، آية: 98.
  8. ^ أ ب "قصة نبي الله يونس عليه السلام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-9-7. بتصرّف.