ما هو حائط المبكى

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٥٥ ، ١٦ سبتمبر ٢٠١٨
ما هو حائط المبكى

حائط البراق مكانه ومكانته

يقعُ الجدار في مدينة القدس، وتحديداً في الجهة الغربيّة للمسجد الأقصى المبارك، حيث يُعتبَر جزءاً من جدار المسجد، ويَحدُّه باب المغاربة من الجهة الجنوبيّة، ويمتدُّ باتّجاه الشمال حتى المدرسة التنكزية، إذ يبلغ طوله نحو 58 متراً، ولا يتجاوز ارتفاعه 20 متراً، و فيه 25 صفّاً من الحجارة، وأقدم تلك الصفوف هي الصفوف السُّفلية، كما انّه يستقرُّ في باطن الأرض نحو ثلث الارتفاع الظاهر من الجدار، إضافة إلى أنّ الجدار تُقابلُه ساحة كان يتَّخذها سكّان حارة المغاربة مَمرّاً لهم، وهي تُعتبَر أخفض نقطة في أرض مدينة القدس القديمة؛ إذ ترتفع عن سطح البحر نحو 708 أمتار، ومن الجدير بالذكر أنّ الجدار اكتسب اسم (حائط البُراق) من خلال معجزة الإسراء والمعراج، عندما أُسرِيَ بالنبيّ محمد -صلّى الله عليه وسلّم- من مكّة المُكرَّمة إلى بيت المقدس، على مَتْن دابّة البُراق، حيث ربطها النبيّ الكريم عند الحائط الغربيّ للمسجد الأقصى المبارك، وبسبب هذه الحادثة نُسِب اسم الحائط إلى الدابّة، وهذا ما أكسبَه مكانة إضافيّة؛ إذ إنّه مُرتبطٌ بزيارة النبيّ له في معجزة الإسراء والمعراج، علاوة على أنّه أحد جدران المسجد الأقصى المبارك، علماً بأنّ اليهود يُسمّونه اليوم (حائط المَبكى)؛ لأنّهم يجتمعون عنده، ويُؤدُّون بجانبه صلواتهم التلموديّة التي تتَّخذ شكل البكاء، والنُّواح.[١][٢]


بدأت الزيارات اليهوديّة للحائط قَبل عام 1967م، حيث كانوا يبكون عنده آثارهم القديمة، على اعتبار أنّه الحائط الغربيّ لهيكل سليمان -على حَدّ زَعْمهم-، وبعد عام 1967م، عندما احتلّ الصهاينة المدينة القديمة، هَدَموا حارة المغاربة بما فيها من إرثٍ تاريخيٍّ عريق، وشَرَّدوا أهلها، واستولوا على مفاتيح باب المغاربة، ثمّ أنشأ الاحتلال الصهيونيّ ساحة كبيرة مقابل (حائط المَبكى)؛ حتى تتَّسعَ لجموع اليهود، وحوّل مدرسة التنكزيّة التاريخيّة التي تُجاوِرُ حائط البُراق، إلى كنيسٍ يهوديّ، ومجموعة مَقرّات للشرطة الإسرائيليّة، وكأنّ الحائط إرثٌ يهوديّ، أو أنّ لهم حقّاً فيه، علماً بأنّ الموسوعة اليهوديّة التي تُعتبَر مرجعاً مُهمّاً لمُعتقدات اليهود والتي صدرت عام 1901م، لم تأتِ على ذِكره أبداً ولو تلميحاً، إضافة إلى أنّه تمّ نَفْي الادّعاء بأحقّيتهم فيه من قِبَل اللجنة الدوليّة المُتفرِّعة عن عُصبة الأُمَم عام 1929م.[٣][١]


حائط البراق والمنحنى التاريخي

حَظِيَت القدس و فلسطين بمكانة رفيعة، وعناية خاصّة على مَرّ الأزمان، اكتسبتها؛ لكونها مَهبط الأديان السماويّة، ومَسرى خاتم الرُّسُل، حيث عُرِج به منها إلى السماوات، وفيها التقى بالأنبياء جميعاً، وهي الأرض التي بُورَكت هي وما حولها؛ ولذلك حُقَّ للسلاطين، والملوك، والخلفاء، أن يدافعوا عنها، وأن يبذلوا لأجلها الغالي والنفيس، إذ شَهِدت المدينة على مَن مَرَّ بها، كما سجَّلَ التاريخ لنا عدداً من الأحداث المحوريّة في تاريخها المُمتَدّ، ومنها:[٤][٢]


فترة الفتوحات الإسلاميّة

عَمَر المسلمون القدس ومساجدها منذ العصر الأمويّ، والمملوكيّ، والعثمانيّ، حيث شَهِدت القدس في تلك العصور ازدهاراً عُمرانيّاً، وحضاريّاً، ورُصِدَت لهذه الغاية الأموال، والجهود، ومن الجدير بالذكر أنّ حائط البُراق والساحة المقابلة له يُعَدّان وَقْفاً إسلاميّاً خالصاً؛ إذ إنّه ممّا شَمِلَته وقفيّة حارة المغاربة، ففي عام 1193م، وبعد خمسة أعوام من الفَتْح الصلاحيّ لمدينة القدس، مَنَح الملك (الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين الأيّوبي) هذا الوَقْف لسُكّانها؛ تكريماً لمن تطوَّع منهم في جيش نور الدين الشهيد، وقد أُعِيد تجديد هذا الوَقْف في عام 1320م.


وفي زمن الدولة العثمانيّة، أَمَر السلطان القانونيّ بإعادة بناء سور المدينة الذي يبلغ طوله نحو ميلَين، وبارتفاع يصل إلى أربعين متراً، وهو لا يزال قائماً حتى يومنا هذا، حيث خطَّط المهندس سنان باشا موقع حائط البُراق قديماً، واهتمّ بتخفيض مستوى الساحات من حوله؛ ليُتيحَ للحائط ارتفاعاً أكبر، كما بنى جداراً يوازيه؛ ليفصلَ مُصلّى سُكّان المدينة اليهود عن أرض الوَقْف الإسلاميّ؛ أي حيّ المغاربة، وحائط البُراق، وهذا يُشيرُ إلى ما جاء في بعض المُؤلَّفات حول أنّ اليهود قديماً لم يُعيروا أيّ اهتمام دينيّ، أو أثريّ للحائط، بل إنّهم كانوا يُؤدُّون صلواتهم بعيداً عنه.


بدايات أطماع اليهود في حائط البُراق

قَبل ظهور الأطماع الصهيونيّة لليهود، أَحسنَت الدولة العثمانيّة في معاملتها لهم، وأَعطَت الإذن للمطرودين اليهود من إسبانيا بالإقامة في فلسطين، حيث كانوا يُفضِّلون الاستقرار في طبريّا، وصَفَد، إلّا أنّ وجودهم في القدس بدأ يتزايد حتى وصل عددهم إلى 1650 نسمة في منتصف القرن الخامس عشر، ولم يكن لليهود حينها أيّ اهتمام بحائط البُراق، إلّا أنّهم سرعان ما أخذوا يجتمعون حوله، ويحيكون حوله الأساطير والادّعاءات، إلى أن صار رمزاً دينيّاً عندهم، ويُذكَر أنّ السلطان سليمان القانونيّ قد تسامحَ معهم، ومَنَحهم حقّ المكوث عند الحائط، وحتى خلال الحُكم المصريّ للشام، فُرِضَ على اليهود دَفع 300 جنيه إنجليزيّ في كلّ عام، حيث يُسدِّدونها لوكيل الوَقْف، مقابل السماح لهم بالبقاء جوار حائط البُراق، وبعدها مَنَع إبراهيم الباشا اليهود من ترميم، وتبليط المَمَرّ المجاور للحائط، وفي عهد السلطان عبد الحميد، أُعطِيَ الإذن بزيارة الحائط لليهود المُقيمين في القدس، واقتصرَت الزيارة فقط على من يحمل الجنسيّة العثمانيّة منهم؛ بُغية ضَبط وتقنين وجودهم هناك.


جهود التهويد ومحاولات الاستحواذ

قُبَيل الحرب العالَميّة الأولى، احتجَّ وكيل الوَقْف الإسلاميّ في القدس، على بدء اليهود بجَلْب الكراسي للجلوس عند حائط البُراق، وطالَبَ بوَقْف هذه الأفعال، فأصدرَ مجلس إدارة لواء القدس حزمة من التعليمات المُنظِّمة لزيارة اليهود للحائط، مانعاً إيّاهم من جَلْب الكراسي بالقرب منه، إلّا أنّه بعد انتهاء الحرب العالَميّة الأولى، وصدور وعد بلفور عام 1917م، تغيَّر حال اليهود في المدينة، وأخذوا ينشرون المقالات، والصور التي يدّعون فيها إقامة الهيكل القديم مكان المسجد الأقصى، فبرزَت أنيابهم، وبانَت نواياهم، علماً بأنّ محاولاتهم في شراء الأماكن المجاورة للحائط بأثمان باهظة قد باءت بالفشل، بالرغم من أنّ بريطانيا -وهي الدولة المُنتَدَبة على فلسطين- قد اعترفت في الكتاب الأبيض الصادر عام 1928م، بأنّ حائط البُراق، والحائط الغربيّ، وما يُجاوِرُه هو مُلكٌ للمسلمين فقط.[٤][١]


ولمّا تزايد الخطر المُحدقُ بالوَقْف والإرث الإسلاميّ المُتمثِّل بحائط البراق، وما يجاوره، انتفضَ المقدسيّون في عام 1929م، مُعلِنين ثورة البُراق التي استمرَّت لأسبوعين مُتتالِيَين، حيث قُتِل فيها عدد كبير من اليهود، واستُشهِد العشرات من المسلمين، وقد كانت هذه أوّل انتفاضة تَعُمّ أرجاء فلسطين، وبعد هذه الأحداث، أُسِّسَت جمعيّة حراسة الأقصى، وشُكِّلت لجنة دوليّة؛ للتوصُّل إلى حلّ النزاع الدائر حول حائط البُراق، وطلبَت الحكومة البريطانيّة تقديم الدلائل والمُستنَدَات من المسلمين، واليهود حول حقوقهم التاريخيّة في حائط البُراق، فقدَّم المسلمون ما لديهم من وثائق، وإثباتات مُؤكَّدة، ولم يُقدِّم اليهود سوى بحث فقهيّ واحد، حيث طالب اليهود بأن تعترفَ اللجنة الدوليّة بحقِّهم في (حائط المَبكى)؛ لإقامة صلواتهم عنده، بالإضافة إلى البَدء بإخلاء حيّ المغاربة، مقابل أن تُعطيَ لوزارة الأوقاف الفلسطينيّة مَقرّاً جديداً لها، ممّا جعل اللجنة الدوليّة التابعة لعُصبة الأُمَم تُصدرُ بيانها الختاميّ عام 1930م، والذي نصّت فيه على أنّ "للمسلمين وحدهم تعود ملكيّة الحائط الغربيّ، ولهم الحقّ العينيّ فيه؛ لكونه يُؤلِّف جزءاً لا يتجزّأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف الإسلاميّ، وللمسلمين أيضاً تعود ملكيّة الرصيف الكائن أمام الحائط، وأمام المحلّة المعروفة بحارة المغاربة؛ لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلاميّ"، وبالتالي فقد أدّى هذا إلى أن تعترفَ الحكومة البريطانيّة في كتابها الأبيض بملكيّة المسلمين للمكان كلّه، وحقِّهم الحصريّ في التصرُّف فيه.[١][٤]


ضعُف صوت اليهود ظاهريّاً بعد توثيق الاعتراف الدوليّ بحقّ المسلمين في ملكيّة الحائط، وما جاوره، إلّا أنّهم بعد احتلال المدينة القديمة عام 1967م، شَنّوا حملة مُستعِرة؛ لتزوير هويّة المكان، والسعي إلى تهويد كلّ معالمه، فهَدَموا حيّ المغاربة، وشَرَّدوا سُكّانه، وصادروا الأوقاف الإسلاميّة، واستولوا على مفاتيح باب المغاربة المُؤدّي إلى المسجد الأقصى المبارك، وقد أبرم الاحتلال عام 1971م اتّفاقية مع شركة تطوير الحيّ اليهوديّ، تقضي بموجبها تأجيرها الأوقاف الإسلاميّة في المنطقة، وإلى هذه الاتّفاقية يستندُ مُنفِّذو المُخطَّطات الرامية إلى تهويد الإرث، والمُقدَّسات الإسلاميّة.[١]


واستمرَّ الاحتلال الصهيونيّ في مُخطَّطه؛ ففي عام 2004م، أسّس صندوق تراث حائط المَبكى المسؤول عن الحفريّات المُقامة في ساحة البُراق، وما يُبنى عليها من مُخطَّطات تهويديّة، تسعى إلى بناء مركز دينيّ في الجهة الشماليّة لساحة البُراق، ومتحف (بيت الجوهر)؛ للتعريف بالديانة اليهوديّة، ومُضاعفة حجم مركز (بيت شتراوس)، و حتى عام 2012م، أعطى الاحتلال الإذن للمُؤسَّسات التخطيطيّة في القدس ببَدء تنفيذ مشاريعهم؛ لتضييق الخِناق على المسجد الأقصى، ومزاحمته بالكنائس، والمعابد، والحدائق التوراتيّة؛ وذلك لطَمْس معالِم المدينة المُقدَّسة، وتشويه إرثها الإسلاميّ، وحضارتها الضاربة في جذور التاريخ البشريّ.[١]


تحت مجهر الحقيقة، تتلاشى افتراءات اليهود الصهاينة، وتتهاوى مساعيهم، فلا وجود لدليل تاريخيّ، أو اكتشاف أثريّ، من نقش، أو نحت، أو أيّ وثيقة، تدلُّ ولو بالتلميح، أو التأويل، على أنّ لليهود موطئ قدم في ساحة وحائط البراق، وما حوله؛ فالقدس مدينة عربيّة المَنشأ، والمُستقَرّ، آثارها، وأسوارها، وسُكّانها الذين لا يزالون يعمرونها بإصرارهم، فهم قادرون على استعادة إرثها الحضاريّ الراسخ، من بين يَدَي الاحتلال الغاشم.[٢]


المراجع

  1. ^ أ ب ت ث ج ح "حائط البراق.. وقف إسلامي يسيطر عليه اليهود"، aljazeera.net، اطّلع عليه بتاريخ 3-9-2018. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت " حائط البُراق: الملكية الاسلامية والانتحال اليهودي"، forum.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 3-9-2018. بتصرّف.
  3. "ما هو حائط البراق (المبكى كما يزعم اليهود)؟"، palqa.com، اطّلع عليه بتاريخ 3-9-2018. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت "حائط البراق وليس حائط المبكى"، info.wafa.ps، اطّلع عليه بتاريخ 3-9-2018. بتصرّف.