مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:١٣ ، ٩ أبريل ٢٠١٧
مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية

مقاصد الشريعة الإسلامية

جاء الإسلام بشريعة عظيمة، يصلح عليها شأن النّاس في شتى مجالات الحياة، وقد اتصفت الشريعة الإسلاميَّة بمجموعة من الصفات، كالربانيّة، والشموليّة، والعالميّة، والسهولة والتيسير، ورفع الحرج والمشقة، وتنسحب صفة التيسير، ورفع الحرج على كافَّة أحكام الإسلام، وما فيها من عبادات ومعاملات، فأحكام الإسلام لا مشقة فيها لذاتها، وإن وجد نوع مشقة ظاهريّة، كالمشقة الظاهرة من الصوم، أو الحج، أو القتال في سبيل الله، وغير ذلك فهي مقصودة لتحقيق غايات سامية للفرد المسلم، وللجماعة المسلمة على حد سواء، ويفوق نفعها على الفرد أو المجتمع أضعاف هذه المشقة فتكون بذلك هذه المشقة منسجمة تمام الانسجام مع ما أودعه الله فينا من قدرات وطاقات.


مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية

هناك عدة مظاهر للتيسير، ورفع الحرج في الشريعة الإسلاميّة، بحيث تشمل جميع أحكام الإسلام، فتشمل العبادات بأنواعها والمعاملات، وغير ذلك من مظاهر حياة المسلم اليوميّة، وهذه بعض المظاهر:


التيسير في الطهارة

متى أصاب الثوب نجاسة يكتفى بغسل موضع النجاسة، ولا حاجة لغسل الثوب كلّه، وكذلك الاكتفاء بمسح الرأس في الوضوء بدلاً من غسله، ولا يشترط للأنثى نقض ضفيرتها في الاغتسال، إن كان في ذلك حرج ومشقة لها، وكذلك التيمم بالماء عوضاً عن الوضوء في حال فقدان الماء لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة:6] وكذلك المسح على الخفين أو الجوربين، سواء كان ذلك للمسافر أو المقيم.


في الصلاة

هناك جوانب عديدة للتيسير، كصلاة أهل الأعذار، كالمريض الذي لا يستطيع القيام أو الجلوس، ومن به سلس بول، أو عدم سيطرة على الوضوء، أو ما يتعلّق بالمستحاضة من أحكام، حيث يرخص لها الوضوء لدخول وقت كل صلاة فقط، أو فيما يتعلق بالجمع والقصر بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، تقديماً أو تأخيراً بالنسبة للمسافر، أو الجمع بين الصلاتين بسبب المطر، أو صلاة الخائف، وما يرخص من أحكام للصلاة في حال الحرب والالتحام بالعدو، فكل هذه الحالات تنسجم تمام الانسجام مع مقاصد الإسلام العظيمة في رفع الحرج والمشقة في العبادات، لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) [النساء:101].


في الزكاة

من ذلك جعل أصناف محددة تجب فيها الزكاة، وليس في جميع الأصناف، وكذلك في شروط محددة، كبلوغ النصاب ومرور الحول، والخلو من الدين، وكذلك التفريق في المحاصيل الزراعية بين ما يسقى بماء المطر، وما يسقى بماء الري.


في الصيام

من ذلك الترخيص للمريض والمسافر الإفطار في رمضان، وكذلك للمرأة الحامل، والعفو عن الأكل والشرب ناسياً، وكذلك التعجيل في الإفطار والتأخير في تناول السحور، إضافة إلى فرض الصيام في شهر واحد من العام، وفي وقت محدد من اليوم وليس طيلة اليوم والليلة.


في الحج

اشتراط الاستطاعة بأنواعها المالية والبدنية وأمن الطريق لوجوب الحج، وكذلك امتلاك نفقة الحج ذهاباً ومن يعول خلفه من عياله، وكذلك حج المرأة مع غير زوجها أو ذي محرم لها متى توفّرت لها صحبة من النساء الثقات، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران:27].


في البيع والشراء

حثَّ الإسلام على التسامح في البيع والشراء ورغَّب به، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (رحمَ اللهُ رجلًا سَمْحًا إذا باعَ وإذا اشترى وإذا اقْتضى)[صحيح البخاري] وكذلك حثّ على إنظار المعسر في الدين.


في الأحوال الشخصية

في مجال الزواج، أباح الإسلام للخاطب أن ينظر إلى المخطوبة، وضمن للفتاة حق اختيار زوجها، وعدم إكراهها على الزواج ممّن لا ترغب به، ولكل أمر أحكامه.


في سيرة النبي صلى الله عليه وسلّم

تجلى ذلك في مواقف متعددة لم يكن فيها رده صلى الله عليه وسلّم إلَّا سهلاً وتربوياً، كموقفه من الأعرابي الذي بال في المسجد، وقد احتج المسلمون على ذلك وغضبوا، فما كان منه صلى الله عليه وسلّم إلَّا أن أمر بإحضار دلو من الماء وأراقه فوق النجاسة، ثمّ شرع يعلّم الأعرابي أنّ بيوت الله سبحانه لا يصلح معها مثل هذا الموقف الذي كان منه، وكذلك موقفه صلى الله عليه وسلّم من كفار قريش بعد إتمامه فتح مكة، حيث عفا عنهم ، وكذلك موقفه صلى الله عليه وسلم من ذاك الذي نذر أن يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا يرقد، حيث بين له أنَّ العبادة لا تكون بهذه الطريقة وأنّ الله غني عن تعذيبه لنفسه.


أهمية التيسير ورفع الحرج

إنّ الله سبحانه قد خلقنا لعيادته قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56] ومع ذلك جعل هذه العبادة منوطة بالتيسير ورفع الحرج، ولذلك أهمية عظيمة منها:

  • مراعاة ما تتصف به النفس البشرية من صفات وطاقات محدودة
  • تحقيق المقصد والجوهر من العبادة، وليس المشقة لذاتها، فالمشقة يجب أن تجلب إلى التيسير.
  • تحقيق الراحة والسعادة والطمأنينة للفرد، وتحقيق المحبَّة والترابط بين أبناء المجتمع، ولا سيّما فيما يتعلّق بجوانب المعاملات كالدين والميراث، والوصية، والوديعة والرهن، والأمانة، واللقطة، وغير ذلك، فهذه كلها يتعدى نفعها الفرد إلى غيره من أبناء المجتمع.