مفهوم الإيمان باليوم الآخر

كتابة - آخر تحديث: ١١:٤٣ ، ١٤ سبتمبر ٢٠٢٠
مفهوم الإيمان باليوم الآخر

اليوم الآخر

اليوم الآخر هو نهاية الزّمان المحدود وآخر أيّام الدنيا، ويُعْرَف بيوم القيامة، ومن مقدّماته الحياة البرزخيّة بعد الموت وأشراط الساعة، فهما جزءٌ منه،[١] وسمّي بالآخر لأنّه اليوم الأخير الذي لا يوم بعده؛ وفيه يقسّم الناس بعد الحساب والجزاء ويُحشرون إلى مأواهم الأخير؛ إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار، والإيمان باليوم الآخر شرطٌ من شروط الإيمان، وينبغي ألّا يكون الإيمان به مجملاً فحسب؛ بل يجب الإيمان بكل ما فيه من الأحداث والتفاصيل.[٢]


وتأتي أهميّة الإيمان باليوم الآخر من تكرار ربْط الله -سبحانه وتعالى- الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، كقوله -تعالى-: (وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)،[٣] وكذلك من كثرة ذكر هذا اليوم في القرآن الكريم؛ حيث لا يكاد قارئ القرآن يمرّ على صفحةٍ من القرآن إلّا ويجد لليوم الآخر فيها ذكراً، ولا يستوي إيمان العبد إلا إذا صدّق بهذا اليوم، فهو أحد أركان الإيمان، كما أن لهذا اليوم أثراً كبيراً على سلوك المسلم؛ فهو سببٌ في تقوى الله، واستقامة سلوك العبد، وعدم التشبّثّ بالدنيا.[٤][٥]


الإيمان باليوم الآخر

يتضمّن الإيمان باليوم الآخر عدّة أمورٍ لا يتمّ إلّا بها؛ أوّلها أن يؤمن العبْد بمقدّمات اليوم الآخر؛ كالموت، وعذاب القبر، وعلامات الساعة، وثانيها أن يؤمن ببعث الله للناس من القبور، وثالثها الإيمان بأحداث اليوم الآخر نفسه؛ كالحشر، والحساب، والجزاء، والشفاعة، والحوض، والصراط، ونحوه، وأخيراً الإيمان بوجود الجنّة ونعيمها والنار وعذابه، وأن الناس مصيرهم إمّا إلى الجنّة أو إلى النار، وكل ما أخبر الله وأخبر رسوله من أحداث اليوم الآخر أو ما يتّصل به واجبٌ على المسلم الإيمان به على وجه اليقين،[٦][١] والتصديق بأن ما ورد من الأشراط والأحداث لا بدّ أن يظهر ويأتي حقيقةً،[٧] دون تأويلٍ شخصيّ، بل يؤمن العبد بما جاء بالنصوص الشّرعية وما فسّره أهل العلم الثقات، ويحرص على تذكّر قرب يوم القيامة باستمرار؛ ليزداد صلةً وتقرّباً لله -تعالى-.[٨]


وقد قسّم العلماء علامات اليوم الآخر إلى علاماتٍ صغرى وأخرى كبرى؛ فالصغرى هي ما دلّت على اقتراب يوم القيامة، ووقع أغلبها؛ كبِعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكثرة القتل، وضياع الأمانة، وغيرها من العلامات الواردة في النّصوص الشّرعية الصحيحة، أمّا العلامات الكبرى فهي أقرب للساعة من الصغرى، وتُنذر ببدء الساعة؛ ومنها خروج المهدي، وظهور الدجّال، ونزول نبي الله عيسى -عليه السلام-، وخروج يأجوج ومأجوج، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وغيرها من العلامات الواردة في النصوص الشّرعية الصحيحة، وهذه الأمارات تأتي مُتتابعةً وراء بعضها، فإن انتهت بعث الله العباد من القبور.[٩]


وقد زخرت نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية بالحديث عن اليوم الآخر وأحداثه ومقدّماته؛ حيث يبدأ هذا اليوم بحدوث تغيّراتٍ كبيرةٍ في الكوْن، فتنشقّ السماء، وتتصادم الكواكب ببعضها، وتتناثر النجوم، وتذوب الجبال، ويتدمّر كلّ ما اعتاد الناس على شَكله، وكلّ ذلك يكون بعد أن يأمر الله -سبحانه وتعالى- الملَك إسرافيل -عليه السلام- بالنّفخ في الصور، فيموت ويُصعق جميع من في السماوات والأرض، قال الله -تعالى-: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ*وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً)،[١٠] وقال -سبحانه-: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّـهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ).[١١][١٢]


أدلة الايمان باليوم الآخر

دلّت الكثير من آيات القرآن الكريم والسنّة النبويّة على أن الإيمان باليوم الآخر واحدٌ من أركان الإيمان، فتارة يُقرن الإيمان باليوم الآخر مع أركان الإيمان الأخرى؛ كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أن تؤمن بًالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بًالقدر خيره وشره)،[١٣] وتارة يُقرن بالإيمان بالله -تعالى-، كقوله -سبحانه-: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ).[١٤][١٥]


ثمار وآثار الايمان باليوم الآخر

إنّ حصول الإيمان باليوم الآخر في قلب المسلم له آثارٌ عظيمةٌ في دنياه وآخرته، ومن هذه الآثار ما يأتي:[١٦]

  • زيادة إيمان الإنسان وتقْواه، قال الله -عزّ وجلّ-: (الم* ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)،[١٧] فقد علّق الله -سبحانه- حصول الفوز والفلاح بإيمان العبد بالأمور الغيبيّة، ومنها اليوم الآخر الذي خصّه الله -تعالى- بالذّكر بياناً لأهميّته الكبيرة ولأثره -العظيم- على سلوك المسلم.
  • حرص العبد على الزيادة من الأعمال الصالحة، وتجنّب الأعمال المُنكرة، وزيادة استعداده لهذا اليوم العظيم، قال الله -تعالى-: (فَأَمَّا مَن طَغَى* وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).[١٨]
  • الاستعداد لمواقف اليوم الآخر؛ من الوقوف للحساب أمام الله، وعبور الصراط، وتطاير الصحف، وغيرها، والتأثّر والخشية عند ذكر الآخرة، والرجوع والتوبة إلى الله -تعالى-.[١٩]
  • مراقبة العبد لأفعاله وأقواله، ومراجعة نفسه عليها، فلا يصدر منه إلّا الخير في سلوكه وتصرّفاته.
  • الإيمان باليوم الآخر يجعل المسلم أكثر إقبالاً على الطاعات، وأكثر خوفاً ورهبةً من الله، وأكثر رجاءً في ثوابه ورضاه، وتذكّر هذا اليوم سببٌ في مواساة الإنسان مما يقع به من المصائب، فيرجو التعويض من الله بنعيم الآخرة وجنّتها، ويحفزّ عنده الصبر على ما يصيبه، والطمع بالأجر على ذلك.[٢٠]


أسماء اليوم الآخر

إنّ لليوم الآخر الكثير من الأسماء؛ فهو يوم الآزفة؛ أي اليوم القريب، ويوم البعث؛ لأنه اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم وهم أحياء، ويوم التغابن؛ أي يوم انقسام الناس ثم حشرهم إلى الجنّة أو إلى النار، وهو يوم التلاق؛ حيث يلتقي فيه أهل الأرض وأهل السماء، ويلتقي الظالم والمظلوم، كما يلتقي الخلق بخالقهم، ويوم التّناد؛ حيث يُنادي أصحاب النار أصحاب الجنّة لينقذوهم من العذاب، وينادي أصحاب الجنّة أصحاب النار بأن وعد الله حقّ، وتُنادي الملائكة أصحاب الجنّة فتبشّرهم بالخلود في جنّات النعيم، ويسمّى أيضاً بيوم الجمع، ويوم الحساب، والحاقّة التي يحقّ فيها ويظهر كلّ عملٍ لصاحبه، ويوم الحسرة؛ الذي يتحسّر فيه الإنسان على ما فرّط، ويوم الخلود، ويوم الخروج،[٢١] وقد كثُرت أسماء يوم القيامة لعِظم شأن هذا اليوم، ولِكثرة أهواله وما يحدث فيه.[٢٢]


المراجع

  1. ^ أ ب أحمد بن علي الزاملي، منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين، المملكة العربية السعودية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، صفحة 476، جزء 1. بتصرّف.
  2. محمد بن إبراهيم الحمد، الإيمان باليوم الآخر، صفحة 3. بتصرّف.
  3. سورة البقرة، آية: 177.
  4. مجموعة من المؤلفين، التعريف بالإسلام، قطر: مركز قطر للتعريف بالإسلام، صفحة 147. بتصرّف.
  5. حياة بن محمد بن جبريل (1423هـ - 2002م)، كتاب الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة (الطبعة الأولى )، السعودية: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، صفحة 439، جزء 1. بتصرّف.
  6. أحمد بن علي الزاملي، منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين، المملكة العربية السعودية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، صفحة 477، جزء 1. بتصرّف.
  7. طاهر الجزائري (1991)، الإيمان أركانه دلائله وثمراته (الطبعة الثانية)، دمشق: مكتبة الأنوار، صفحة 74. بتصرّف.
  8. سعيد حوى (1992)، الأساس في السن وفقهها (الطبعة الثانية)، عمان: دار السلام، صفحة 1451، جزء 3. بتصرّف.
  9. عمادة البحث العلمي، أركان الإيمان، المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية، صفحة 51-53. بتصرّف.
  10. سورة الحاقة، آية: 13-14.
  11. سورة الزمر، آية: 68.
  12. د. محمد نعيم ياسين، الإيمان أركانه وحقيقته ونواقضه، الاسكندرية: دار عمر بن الخطاب، صفحة 62. بتصرّف.
  13. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 8، صحيح.
  14. سورة التوبة، آية: 29.
  15. صالح الفوزان (1999)، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد (الطبعة الرابعة)، الرياض: دار ابن الجوزي، صفحة 253-254. بتصرّف.
  16. عبد الله بن سليمان الغفيلي، أشراط الساعة (الطبعة الأولى)، المملكة العربية السعودية: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 6-7. بتصرّف.
  17. سورة البقرة، آية: 1-5.
  18. سورة النازعات، آية: 37-41.
  19. ابن جبرين، شرح الطحاوية لابن جبرين، صفحة 2، جزء 68. بتصرّف.
  20. محمد بن ابراهيم الحمد، قصة البشرية، صفحة 82. بتصرّف.
  21. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة العقدية - الدرر السنية، صفحة 282-292، جزء 4. بتصرّف.
  22. د. عمر سليمان الأشقر (1995)، القيامة الكبرى، عمان: دار النفائس، صفحة 30. بتصرّف.