مقومات الإيمان بالقضاء والقدر

كتابة - آخر تحديث: ١٩:٣٥ ، ١ أكتوبر ٢٠٢٠
مقومات الإيمان بالقضاء والقدر

الإيمان بالقضاء والقدر

الإيمان بالقضاء والقدر ركنٌ من أركان الإيمان، وحتى يُحقّق العبد الإيمان الحقيقيّ بالقضاء والقَدَر يجب أن يمتلئ قلبه يقيناً بأنّ الله -تعالى- خلق كل شيء، وجعل جميع الأمور بيده، فقَدَر الله -سبحانه وتعالى- سيُصيب العبد لا محالة بخيره وشره، فيُدرك بذلك مدى عجزه وضعفه أمام قدرة الله -تعالى- وإرادته، وهذا بِدوْره يؤدي إلى بثّ الطمأنينة في قلبه، والرضا بما قُدِّرعليه، والتّوكل الدائم عليه -سبحانه- والأخْذ بالأسباب، فيُحقّق له ذلك السَّعادة في الدّنيا بعيشِهِ مطمئِنَّ البال راضياً بما قَسَمه الله -تعالى- له، وفي الآخرة بنيْل أجرِ وثوابِ إيمانه، فإنْ تزعزع المفهوم الحقيقي للإيمان بالقضاء والقدر في قلبه كان ذلك إشارة إلى نقصان إيمانه لِإخلاله بأحد أركانه،[١] وهناك العديد من الآيات القرآنية التي دلّت على الإيمان بالقضاء والقدر منها قوله -تعالى-: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)،[٢] والعديد من الأحاديث النبويّة منها قول النبي -صلّى الله عليه وسلّم-: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ)[٣] بالإضافة إلى إجماع الأمّة عليه.[٤]


مقومات الإيمان بالقضاء والقدر

يُبنى إيمان العبد بالقضاء والقدر على إيمانه بأسماء الله -تعالى- وصفاته لا سيّما تلك التي تقوم عليها عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر كصفتَي العِلم والقُدرة فقد قال -تعالى- : (يُدَبِّرُ الأَمرَ ما مِن شَفيعٍ إِلّا مِن بَعدِ إِذنِهِ)،[٥] وقال -تعالى-: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)،[٦][٧] وحتى يكون إيمانه بالقضاء والقدر مُكتملاً لا بدّ أن يوقنَ ويُقرّ بأربعة مقوّمات يتحتّم على العبد أن يُدرك أهمية هذه المُقوّمات التي يُعدّ الإخلال بأحدها إخلالاً بعقيدة القضاء والقدر،[٨] وهي التي يُراد بها العناصر والأركان والعوامل الأساسية التي يُبنى عليها إيمانه،[٩] وبيان هذه المقوّمات فيما يأتي:[٨]

  • الإيمان بشمولية علم الله -تعالى-: فعلم الله -تعالى- شامل ومحيط بكل شيء في هذا الوجود، فهو يعلم كيف كانت الموجودات وما سيكون عليه شأنها في المستقبل، ويعلم المعدوم لو كان كيف يكون، ويعلم الممكن والمستحيل من الامور، وهناك العديد من الآيات القرآنية الدّالة على شمولية علم الله -تعالى- منها قوله -تعالى-: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)،[١٠] وصور هذه الشمولية متعددة منها ما يأتي:
    • علم الله -تعالى- بكل ما يتعلق بعباده من وقت آجالهم، وسعة أو ضيق أرزاقهم، وكدرة أو سعادة معيشتهم.
    • علم الله -تعالى- بعباده الذين سيدخلون الجنّة ويَغمرهم نعيمها، وعباده الذين سيدخلون النار وذلك كله قبل خَلْقهم وخَلْق السموات والأرض.
    • علم الله -تعالى- بكذب الكفار الذين لن ينفكوا من تمنّي العودة إلى الدنيا يوم القيامة للإيمان به -سبحانه- وتصديق رسله لقوله -تعالى-: (وَلَو رُدّوا لَعادوا لِما نُهوا عَنهُ وَإِنَّهُم لَكاذِبونَ).[١١]
    • علم الله -تعالى- بإعراض الكافرين عن الهدى والإيمان حتى لو أسمعهم وأراهم براهين وحدانيته لقوله -تعالى-: (وَلَو عَلِمَ اللَّـهُ فيهِم خَيرًا لَأَسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضونَ).[١٢]
  • الإيمان بأنّ كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ: هناك العديد من النصوص الشرعية التي دلّت على أنّ الله -تعالى- كتب كل شيء في اللوح المحفوظ إلى يوم القيامة فمن القرآن الكريم قوله -تعالى-: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ)،[١٣] ومن السنة النبويّة قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ أوَّلَ ما خلق اللهُ القلَمُ ، فقال لهُ اكتُبْ، قال: ما أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ القدَرَ، ما كان و ما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ)،[١٤] ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الله -تعالى- سمّى اللوح المحفوظ بعدّة أسماء منها: الكتاب، أمّ الكتاب، الكتاب المبين، الإمام المبين لقوله -تعالى-: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ)،[١٥] والكتاب المسطور لقوله -تعالى-: (وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ).[١٦][١٧]
  • الإيمان بنفاذ مشيئة الله -تعالى- وإرادته في كل شيء: مشيئة الله -تعالى- وإرادته نافذة في كل شيء في هذا الوجود، فما أراده الله -تعالى- يكن وما لم يرده لم يكن، سواءً كان ذلك في أفعاله -سبحانه- من خلقٍ وتدبيرٍ وإحياءٍ وإماتةٍ دلّ على ذلك قوله -تعالى-: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ)،[١٨] أو كان في أفعال العباد وأقوالهم وأحوالهم دلّ على ذلك قوله -تعالى-: (وَلَو شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلوهُ).[١٩][٢٠]
  • الإيمان بوحدانية الله -تعالى- في خلق كل شيء: لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإيمان الكامل بهذا المقوِّم يستلزم أمرين: أوّلهما أن يؤمن العبد بأنّ الله -تعالى- خلق كل شيء في السموات وفي الأرض، فخلق العامل وعمله، والمتحرك وحركته، والساكن وسكونه، وقد دلّ على ذلك العديد من الآيات القرآنية منها قوله -تعالى-: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّـهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)،[٢١] وقوله -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)،[٢٢] وثانيهما أن يؤمن العبد بوحدانيته -سبحانه- وانفراده في الخلق والتدبير لقوله -تعالى-: (قُلِ اللَّـهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الواحِدُ القَهّارُ)،[٢٣] ومن الأحاديث النبويّة الدّالّة على وحدانيته -تعالى- في الخلق والتدبير قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا)،[٢٤] وفي ذلك إشارة إلى أنّه لا أحد يملك تزكية النفس وتطهيرها من الشر والرذائل بإرشادها للخير والفلاح والصلاح إلّا الله -تعالى-.[٢٥]


ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر

الإيمان بالقضاء والقدر يمنح العبد العديد من الثمرات منها ما يأتي:[٢٦]

  • تأدية عبادة الله -تعالى-، فإيمان العبد بالقضاء والقَدَر على النّحو الصّحيح ما هو إلّا تعبّدٌ لله -تعالى-، فإيمان العبد بأنّ الله -تعالى- وحده من يَملِك الخير والشر، والنفع والضر، والعطاء والمنع، وأنّ قضاءه وحُكمه نافذان لا محالة، ممّا يدفعه إلى إفراد الله -تعالى- بسائر أفعاله من عبادةٍ ودعاء.
  • التّخلص من الحسد والحقد، فالمؤمن بالقضاء والقدر يُدرِك أنّ الرزق بيد الله -تعالى- يوسعه على مَن يشاء ويُضيقه على مَن يشاء ابتلاءً منه، وأنّ الحسد ما هو إلّا اعتراض على قدَر ومشيئة الله -تعالى-.
  • التّحلي بالشَّجاعة والإقدام، وذلك لأنّ المؤمن بالقضاء والقدر يُدرك أنّ لحظة أجله لا يملكها إلّا الله -تعالى-، وأنّ كل ما يُصيبُه ويَناله ما هو إلّا قَدَر الله -تعالى- كتبه له.
  • التّحلي بالصبر، فالمؤمن بالقضاء والقدر يواجه مشكلات الحياة وصعابها بالصّبر ويحتسب أجره على الله -تعالى-، على خلاف من تنعدم لديه عقيدة القضاء والقدر فلا يجد مفرّاً من مصائبه إلا بصورة سلبية كالانتحار أو تعاطي المخدرات.
  • التّحلي بالتواضع والجود والكرم، فالمؤمن بالقضاء والقدر يُدرك أنّ النِّعم التي مَنَّ الله بها عليه من مالٍ أو جاهٍ أو علمٍ أو غير ذلك ما هي إلّا بمشيئته -سبحانه- وقدره يُكرمه بها أو يأخذها منه متى شاء.
  • التّحلي بالحزم والجدّ في تحصيل خيرَي الدنيا والآخرة لقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وإنْ أَصَابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ، فإنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ).[٢٧]
  • التّحلي بالقناعة وعزّة النفس، فالمؤمن بالقضاء والقدر يوقن أنّ أجَلَه لن يأتي حتى ينال كامل رزقه الذي قدّره الله -تعالى- له في الدُّنيا، فيورِث ذلك في قلبه قناعة وعزة تمنعانه من النظر لما في أيدي الناس.
  • التّحلي بالهمّة العالية، والطمأنينة وراحة البال، واليقين بالله -تعالى- والاستسلام له، وحسن الظّن به، والثقة برحمته وعفوه، والتّوكل عليه لقوله -تعالى-: (قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّـهُ لَنا).[٢٨] فالمؤمن بالقضاء والقدر لا يستسلم للواقع المؤلم مُعلّلاً ذلك بالقَدَر، بل يبذل قصارى جهده في تحسين الواقع وتقديم الأفضل بما يوافق الشرع والدِّين.
  • إخلاص العمل والقول لله -تعالى-، فالمؤمن بالقضاء والقدر يمتلئ قلبه يقيناً بأنّ الناس لن ينفعوه أو يضروه بشيء لم يُقدّره الله -تعالى- له.
  • صيانة العقل من الأكاذيب والخرافات، فالمؤمن بالقضاء والقدر يعلم أنّ الغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُتعِب نفسَه وعقله بسماع أقوالِ وأكاذيبِ الكُهّان والعرّافين والمشعوذين.
  • شكر الله -تعالى-، فالمؤمن بالقضاء والقدر يعلم أنّ النعم التي تغمره من الله -تعالى- وحده، وأنّ السوء الذي يُحيط به لن يدفعه ويصرفه عنه سواه سبحانه وتعالى، فيوقِنُ أنّه وحده -سبحانه- المُستحِق للحمْد والشكر، مما يؤدي إلى الثبات والاستقامة على الدِّين في السّراء والضّراء.
  • سيطرة مشاعر الرضا والفرح في القلب، أمّا الرضا فلِأنّ المؤمن بالقضاء والقَدَر يعلم أنّ الله -تعالى- لا يُقدّر له إلّا كل خيرٍ ونفعٍ له فيرضى بتدبيره له، وأمّا الفرح فبسبب الإيمان الذي منّ الله به عليه وحُرِم منه غيره لقوله -تعالى-: (قُل بِفَضلِ اللَّـهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذلِكَ فَليَفرَحوا هُوَ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ).[٢٩]
  • امتلاء القلب ثقةً بانتصار الحقّ والمؤمنين، فالمؤمن بالقضاء والقدر يوقن بأنّ الغلبة والنصرَ مهما اشتدّت الظروف وعلا الباطل ستكون للحقِّ لا محالة.


المراجع

  1. أميمة علي (2010م)، "الإيمان بالقضاء والقدر وأثره"، مجلة العلوم والبحوث الإسلامية، العدد الاول، صفحة 19. بتصرّف.
  2. سورة الفرقان، آية: 2.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 2653 ، صحيح.
  4. مجموعة من المؤلفين (1421ه)، كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة (الطبعة الأولى)، السعودية: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 244. بتصرّف.
  5. سورة يونس، آية: 3.
  6. سورة يس، آية: 83.
  7. مجموعة من المؤلفين، التعريف بالإسلام ، صفحة 162. بتصرّف.
  8. ^ أ ب عمر الأشقر (1425ه - 2005م)، القضاء والقدر (الطبعة الثالثة عشر)، الاردن: دار النفائس، صفحة 26-28. بتصرّف.
  9. "تعريف و معنى مقومات في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 29-9-2020. بتصرّف.
  10. سورة الطلاق، آية: 12.
  11. سورة الانعام، آية: 28.
  12. سورة الانفال، آية: 23.
  13. سورة البروج، آية: 21-22.
  14. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عبادة بن الصامت، الصفحة أو الرقم: 2017 ، صحيح.
  15. سورة يس، آية: 12.
  16. سورة الطور، آية: 1-2.
  17. مجموعة من المؤلفين، أصول الدعوة وطرقها، ماليزيا: جامعة المدينة العالمية ، صفحة 129-130. بتصرّف.
  18. سورة القصص، آية: 68.
  19. سورة الأنعام، آية: 112.
  20. محمد التويجري (1431ه - 2010م)، مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة (الطبعة الحادية عشر)، السعودية: دار أصداء المجتمع، صفحة 178. بتصرّف.
  21. سورة الصافات، آية: 95-96.
  22. سورة غافر، آية: 62.
  23. سورة الرعد، آية: 16.
  24. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم، الصفحة أو الرقم: 2722 ، صحيح.
  25. علي الصلابي (1432ه - 2011م)، الإيمان بالقدر (الطبعة الثانية)، بيروت: دار المعرفة، صفحة 67-70. بتصرّف.
  26. ابن باز (1416ه)، الإيمان بالقضاء والقدر (الطبعة الثانية)، الرياض: دار الوطن، صفحة 31-39. بتصرّف.
  27. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2664، صحيح.
  28. سورة التوبة، آية: 51.
  29. سورة يونس، آية: 58.