موضوع عن الصبر

موضوع عن الصبر

الصبر لغةً واصطلاحًا

تستخدم كلمة "الصبر" ومشتقاتها في اللغة العربية بمعان عدة، منها:[١]

  • الحبس، يقال: صَبَرْتُ نَفْسِي عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ، أَيْ حَبَسْتُهَا.[١]
  • الثبات: كقوله -تعالى-: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ)،[٢] أي: بالثبات على ما أنتم عليه من الإيمان.
  • الجمع والضم: ومنه الصبرة: وهي ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض كالكومة.


أما الصبر في الاصطلاح؛ فقد عرفه ابن القيم -رحمه الله- بأنه: "حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش".[٣]


الصبر هو حبس الجوارح عن كل محرم.


حكم الصبر

الصبر واجب بالجملة بإجماع الفقهاء، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)،[٤] أما حكمه التفصيلي فيختلف باختلاف نوع المصبور عنه أو المصبور عليه، فلكل نوع حكم يخصه من الأحكام التكليفية الخمسة:[٥]


  • الصبر الواجب: وهو الصبر على الطاعات، والصبر عن المحرّمات، والصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها: كالأمراض التي تصيب الإنسان، والفقر، وفقد الولد وغيرها.


  • الصبر المندوب: هو الصبر على فعل المستحبات، وعن فعل المكروهات، أو عما هو خلاف الأفضل، ومثال ذلك: أن مقابلة السيئة بمثلها جائزة في الإسلام، وأفضل منها العفو والصفح، فلو أن إنساناً أساء إليك فإنه يستحب لك أن تصبر عليه.


  • الصبر المحرم: كمن يصبر عن الطعام والشراب حتى يموت، أو يمسك عن لحم الخنزير أو عن الميتة في المخمصة والمجاعة حتى الموت، أو يصبر على ما يهلكه من سبع أو حية، أو حريق، وهو يستطيع مدافعة ذلك بالأسباب النافعة.


  • الصبر المكروه: كمن يصبر عن الطعام والشراب حتى يتضرر بذلك بدنه.


  • الصبر المباح: وهو الصبر عن كل فعلٍ مستوي الطرفين خُيِّر بين فعله وتركه.


وبناء على ذلك؛ نستنتج أن الصبر واجب بالجملة، إلا أن حكمه التفصيلي يختلف باختلاف نوع المصبور عنه أو المصبور عليه.


أنواع الصبر

قسّم العلماء الصبر إلى ثلاثة أنواع، وفيما يأتي بيان مفصل لكل نوع:[٦]


الصبر على الطاعة

الصبرعلى أداء العبادات التي فرضها الله -سبحانه وتعالى- على عباده والدوام عليها؛ لأن النفس بطبعها تميل إلى الشهوات، قال الله - سبحانه وتعالى-: (وَأمُر أَهلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصطَبِر عَلَيها لا نَسأَلُكَ رِزقًا نَحنُ نَرزُقُكَ وَالعاقِبَةُ لِلتَّقوى).[٧]


فيجب على المسلم أن يعود نفسه على الصبر في ثلاثة مواضع:

  • الأول: صبر قبل الطاعة بإخلاص النية لله، والتبرؤ من شوائب الرياء.


  • الثاني: الصبر حال القيام بالطاعة، فيحرص المسلم على أدائها على أكمل وجه مشروع متّبعاً ما بينه الرسول - صلى الله عليه وسلم-.


  • الثالث: الصبر بعد أداء الطاعة، فلا ينظر لنفسه بعين العجب، وحب الثناء؛ لئلا يحبط عمله ويبطل أجره.


الصبر عن المعصية

الصبر عما نهى الله -سبحانه وتعالى- عنه من المعاصي والمحرمات، ومجاهدة النفس عن الاقتراب منها، قال الله -تعالى- في بيان عاقبة الصبر عن المعصية: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).[٨]


الصبرعلى المحن والمصائب

وهو الصبر على ما يقدره الله -سبحانه وتعالى- على عباده من كوارث مفجعة، ومصائب مؤلمة؛ كفقد عزيز، أو زوال الصحة وغيرها من الابتلاءات، ولقد وصف الله -تعالى- عباده الصابرين بقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).[٩]


ووعد الله -تعالى- عباده الصابرين بالأجر العظيم، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إنَّ اللَّهَ قالَ:(إذا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بحَبِيبَتَيْهِ -يريد عينيه-، فَصَبَرَ؛ عَوَّضْتُهُ منهما الجَنَّةَ).[١٠]


وبناء على ذلك، نستنتج أن العلماء قسموا الصبر إلى ثلاثة أنواع: الصبر على الطاعة، والصبر على ترك المعصية، والصبر على المحن والمصائب.


آداب الصبر

إذا حل البلاء بالعبد فإنه يجب عليه أن يلتجئ إلى الله -سبحانه وتعالى-، ويلتزم بآداب الصبر الظاهرة والخفية التي جاءت الشريعة الإسلامية بالأمر بها والحث عليها، وهي على النحو الآتي:


آداب الصبر الظاهرة

وهي التي تظهر على اللسان والجوارح، وفيما يأتي أبرزها:


  • عدم إظهار أثر المصيبة: ويتحقق ذلك باجتناب إظهار العبد أثر المصيبة عليه؛ لما فيه من إظهار الجزع المنافي للصبر، فقد روى الإمام أحمد عن الأحنف بن قيس أنه شكا إليه ابن أخيه وجعا في ضرسه، فقال الأحنف: "لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتها لأحد".[١١]


  • اشتغال المصاب بالصالح من الأعمال: كالتوبة من الذنوب، وسداد الديون، ورد المظالم لأهلها، والتصدق، والازدياد من الطاعات والعبادات، ونحو ذلك من أعمال الخير، يقول ابن الجوزي -رحمه الله-: "رأيت جمهور الناس إذا طرقهم المرض أو غيره من المصائب اشتغلوا تارة بالجزع والشكوى، وتارة بالتداوي إلى أن يشتد عليهم، فيشغلهم اشتداده عن الالتفات إلى الصالح من وصية، أو فعل خير، أو تأهب للموت، فكم ممن له ذنوب لا يتوب منها، أو عنده ودائع لا يردها، أو عليه دين أو زكاة، أو في ذمته ظلامة لا يخطر لها تداركها، وإنما حزنه على فراق الدنيا، إذ لا هم له سواها".[١٢]


آداب الصبر الخفية

تتمثل آداب الصبر الخفية فيما يأتي:[١٢]


  • حسن الظن بالله: إن الإنسان يجب أن يعلم أن الله -تعالى- لم يرسل إليه البلاء ليعذبه، وإنما ليمتحن إيمانه رضاه وصبره، يقول عبد القادر الجيلاني: "يا بني إن المصيبة ما جاءت لتهلكك، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك".[١٣]


  • عدم تمني الموت: فقد نهى النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أن يتمنى أحد الموت نتيجة إصابته بضَرر دُنيوي، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ مِن ضُرٍّ أصابَهُ، فإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي).[١٤]


وبناء على ذلك؛ نستنتج أن آداب الصبر قد تكون ظاهرة، وقد تكون خفية، ويجدر بالمسلم الالتزام بكليهما.


فضائل الصبر

إن للصبرأهمية وفضل عظيم، فقد وردت العديد من النصوص في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وآثار سلف الأمة وعلمائها تدل على جزاء الصبر وأهميته، وفيما يأتي بيانها:


فضائل الصبر في القرآن الكريم

من فضائل الصبر التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العزيز ما يأتي:


  • مضاعفة أجر الصابرين، قال الله -تعالى-: (أُولَـئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).[١٥]


  • إن الله -سبحانه وتعالى- علق النصر بالصبر والتقوى، قال الله -تعالى-: (بَلى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ).[١٦]


  • أخبر الله -سبحانه وتعالى- أن ملائكته تسلم على الصابرين في الجنة بصبرهم، قال الله -تعالى-:(جَنّاتُ عَدنٍ يَدخُلونَها وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِم وَأَزواجِهِم وَذُرِّيّاتِهِم وَالمَلائِكَةُ يَدخُلونَ عَلَيهِم مِن كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ).[١٧]


فضائل الصبر في السنة النبوية

وردت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم العديد من الأحاديث في فضل الصبر وأهميته، ومن تلك الأحاديث ما يأتي:


  • الصبر دليل على قوة الإيمان، فعن صهيب بن سنان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له).[١٨]


  • الصبر باب لتكفير السيئات، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ).[١٩]


  • الصبر يزيد المسلم قربًا من الله- تعالى-، فعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: (سُئِلَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- : أَيُّ الناسِ أَشَدُّ بلاءً؟! قال: الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى الرجلُ على حَسَبِ دِينِهِ؛ فإن كان في دينِهِ صُلْبًا اشتَدَّ بلاؤُهُ، وإن كان في دينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عليه، فما يَزالُ كذلك، حتى يَمْشِيَ على الأرضِ ما له من ذنبٍ).[٢٠]


فضائل الصبر في آثار سلف الأمة وعلمائها

نقل عن سلف الأمة وعلمائها جملة من الآثار التي تبين منزلة الصبر وفضله، وفيما يأتي أهم هذه الآثار:


  • عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "وجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا الصَّبْرَ".[٢١]


  • عن إبراهيم التيمي -رحمه الله- قال: "ما من عبد وهب الله له صبرًا على الأذى، وصبرًا على البلاء، وصبرًا على المصائب، إلا وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله".[٢٢]


  • عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- قال: "بني الإسلام على أربع دعائم، على اليقين، والصبر، والجهاد، والعدل".[٢٣]


وبناء على ذلك؛ نستنتج أن الصبر يعود على صاحبه بالعديد من الثمرات المتعلقة بالدنيا والآخرة، لذا فقد وردت النصوص العديدة التي تحث عليه في القرآن والسنة وأقوال السلف.


ما يعين على الصبر

هناك جملة من الأمور التي تعين المؤمن على الصبر، وتخفف عنه البلاء، وهي على النحو الآتي:[٢٤]


  • اليقين بحسن الجزاء عند الله: إذا علم العبد ما أعده الله -تعالى- له من الأجر والثواب في الدنيا والآخرة، فإنه لاشك يتصبّر ويرضى بما قدّره الله له.


  • اليقين بالفرج: إذا أيقن العبد بأن فرج الله قريب، وفرجه آت لا محالة لأنه سبحانه وتعالى وعد بهذا، هان عليه ألمه، قال -تعالى-: (سَيَجْعَلُ اللَّـهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا).[٢٥]


  • التأسّي بأهل الصبر والعزائم: إذا تأمل العبد في سير الصابرين من الأنبياء والصالحين، وما ذاقوه من صنوف البلاء فإن ذلك يعينه على الصبر، ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي.


  • الإيمان بقدر الله وقضائه: إذا علم الإنسان أن قدر الله نافذ لا محالة؛ سواء أرضي، أو لم يرض، وأن صبره على البلاء يوجب له الأجر والمثوبة من الله -تعالى- فإن ذلك كله يعينه على الصبر.


  • استصغار المصيبة: إن الإنسان إذا أصابته مصيبه، فليتذكر موت النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فهي أعظم مصيبة حدثت للأمة، وما سواها هين.


وبناء على ذلك، نستنتج أن هناك جملة من الأمور تعين النفس على التحلي بخلق الصبر، ويجدر بالمسلم الأخذ بها ليعين نفسه على الصبر والتصبر.


المراجع

  1. ^ أ ب ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، صفحة 329.
  2. سورة البقرة، آية:45
  3. ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، صفحة 155.
  4. سورة آل عمران، آية:200
  5. سعيد القحطاني، مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 191.
  6. مجموعة من المؤلفين، مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 135.
  7. سورة طه، آية:132
  8. سورة النازعات، آية:40-41
  9. سورة البقرة، آية:155
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:5653، حديث صحيح.
  11. عبدالملك بن قاسم، اصبر واحتسب، صفحة 18.
  12. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 171.
  13. عبدالعزيز السلمان، موارد الظمآن لدروس الزمان، صفحة 376.
  14. رواه الألباني، في سنن أبي داود، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:3109، حديث صحيح.
  15. سورة القصص، آية:54
  16. سورة آل عمران، آية:125
  17. سورة الرعد، آية:23-24
  18. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن صهيب بن سنان، الصفحة أو الرقم:2999، حديث صحيح.
  19. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:5641، حديث صحيح.
  20. رواه الألباني، في تخريج مشكاة المصابيح، عن سعد بن أبي وقاص، الصفحة أو الرقم:1506، إسناده حسن.
  21. أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، صفحة 50.
  22. أحمد الطيار، حياة السلف بين القول والعمل، صفحة 271.
  23. أبو طالب المكي، قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، صفحة 325.
  24. سعيد القحطاني، مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 250.
  25. سورة الطلاق، آية:7
754 مشاهدة
للأعلى للأسفل