هل التطعيم يفطر الصائم

كتابة - آخر تحديث: ١٣:٤٠ ، ١٧ يناير ٢٠٢١
هل التطعيم يفطر الصائم

أثر التطعيم على الصيام

تجدر الإشارة في البداية إلى أنّ التّطعيم بمفهومه الطبي المعاصر لم يكن له وجود قديماً، وقد اجتهد أهل العلم في تكييف المسألة وتخريجها فقهياً بما يتوافق مع ما ذكره الفقهاء القدامى في باب المفطرات، ووجدوا أنّهم تناولوا بالبحث قديماً تأثير المداواة في لحم السّاق أو الفخذ على صحة الصوم؛ فاستفادوا من مذاهبهم وآرائهم، وخرّجوها بالاعتماد على الأصول الشرعية الثابتة في مسائل المفطرات في المسائل المعاصرة،[١] وفيما يأتي خلاصة ما ذهب إليه أهل العلم في حكم التّطعيم على الصيام:

  • المسألة الأولى: أجمع الفقهاء المعاصرون على أنّ الحُقن العلاجية العضلية والجلدية والوريدية، ومنها التّطعيم، لا تُفطّر، ولا يفسد بها صيام الصائم، وهذا ما قرّره اتّفاقاً مجمع الفقه الإسلامي في قراراته، واستندوا في ذلك إلى أدلة كثيرة، منها تخريج المسألة على ما أجمع عليه الشافعية والحنابلة أنّ المداواة بالساق أو الفخذ ليس مفسداً للصوم، وأنّ حقنة التّطعيم الوريدية أو الجلدية أو العضلية تدخل الجسم من غير المنافذ المعتادة، ولا يصدق عليها معنى الطعام أو الشراب، ولا هي في معناهما، فضلاً عن كونها لا تمدّ الجسم بطاقة تغنية عن الأكل أو الشّرب.[١][٢][٣]
  • المسألة الثانية: التطعيم الذي يعطى على شكل قطرات في الفم يفسد به الصيام، لأنّه دخل من منفذ معتاد؛ خلافاً لحُقن التطعيم المشار إليها في المسألة السابقة.[٤]
  • المسألة الثالثة: اعتمد مَجمع الفقه الإسلامي وعدد من المجامع الفقهية ودور الإفتاء وكثير من الفقهاء المعاصرين فتوى فساد الصوم باستعمال الحُقن المُغذّية على اعتبار أنّ الحُقن المُغذّية كالأَكْل والشُّرب؛ إذ البَدَن يكتفي ويستغني بها، ويسدّ حاجته، خلافاً للحُقَن العلاجية، التي لا يُستغنى بها عن الطعام والشراب، وذهب آخرون من الفقهاء إلى أنّ الحُقن المُغذّية ليست مُفسِدة للصيام، استناداً إلى أنّ الحُقن لا يصل منها شيءٌ إلى الجوف، وإن وصلت، فإنّ وصولها يكون من خلال مَسام الجِلْد فقط، وهي لا تُعدَّ جَوفاً، ولا تأخذ حُكمه، وردّ الفقهاء على هذه الأدلة بأنّ كلّ ما يتغذّى به الجسم يعدّ من المفطّرات، والحُقن المُغذّية يتحقّق بها تغذية الجسم؛ فتدخل في دائرة الأكل والشّرب بغضّ النّظر عن وصوله إلى الجوف من عدمه.[١][٥][٦]


تعريف التطعيم

يُعدّ التّطعيم (بالإنجليزية: Vaccination) من أكثر الطُّرق فعاليةً؛ للوقاية من الأمراض؛ حيث يساعد المطعوم، أو ما يُعرف باللقاح -الذي يتكوّن عادةً من نسخةٍ ميتةٍ أو ضعيفةٍ من الميكروب- جهاز المناعة في الجسم على التعرّف على مسبّبات الأمراض؛ مثل: الفيروسات، أو البكتيريا، ومكافحتها عند الإصابة بها في المستقبل، ممّا يحمي من الأمراض التي تسبّبها،[٧][٨] ومن الجدير بالذِّكر أيضاً أنّ طرق إعطاء المطعوم تختلف باختلاف نوعه، حيث يُعطى بعضها عن طريق الفم (بالإنجليزية: Oral administration)، بينما قد تُستخدم الحُقَن أو الإبر لإعطاء بعض المطاعيم عبر العضَل (بالإنجليزية: Intramuscular injection)، أو تحت الجِلْد (بالإنجليزية: Subcutaneous injection)، أو داخل طبقة الأدمة (بالإنجليزية: Intradermal injection).[٩]


ضابط المُفطرات المُفسدة للصيام

اتّفق العلماء على فساد الصيام بسبب الأَكْل، أو الشُّرب، أو الجِماع؛ استدلالاً بقَوْل الله -تعالى-: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)،[١٠] إلا أنّ العلماء تعدّدت مذاهبهم فيما يصل إلى الجوف من الطعام والشراب من غير المنافذ المُعتادة لهما، كالحُقَن، وما يصل إليها من غير الغِذاء، كالحَصى، وما يصل إلى الدماغ دون المعدة؛ ويرجع سبب اختلاف الأقوال فيما سبق إلى تفاوت الفهم عند الفقهاء بين اعتبار الصيام عبادة تُفهم مقاصدها بالعقل، أو أنّها عبادة غير معقولة؛ بمعنى أنّ المقصود منها هو الإمساك عمّا يرد الجوف، سواء كان مُغذّياً أو غير مغذّي، وفيما يأتي بيان ما ذهب إليه كلّ مذهبٍ من المذاهب الفقهيّة في ضابط المُفطرات:[١١]

  • الحنفيّة: قالوا إنّ كلّ ما وَصَل الجوف، أو الدِّماغ عبر المنافذّ الأصليّة؛ كالأنف، أو الأُذن، أو الدُّبر؛ يعدّ مُفطراً.
  • المالكيّة: قالوا إنّ كلّ ما وَصَل المَعِدة من منفذٍ عالٍ عنها؛ كالحَلْق، أو الأنف، أو العين، أو الأُذن، وإن كان ممّا لا يُتغذّى به؛ يعدّ مُفطراً، أمّا إن وصل المعدة من منفذٍ أدنى منها؛ كالدُّبر؛ فلا يعدّ مُفطراً، إلّا إن كان مائعاً.
  • الشافعيّة: قالوا إنّ كلّ ما وصل الجوف من منفذٍ مفتوحٍ؛ كالأنف، أو الأُذن؛ يعدّ مُفطراً، مع الإشارة إلى أنّ الجوف يشمل: البَطْن، والأمعاء، والمَثَانة، والدّماغ، والحَلْق.
  • الحنابلة: إنّ كلّ ما دخل الجوف، أو أي جزءٍ مجوّفٍ؛ كالدِّماغ، أو الحَلْق، يعدّ مُفطراً، سواءً وصل عن طريق الأنف، أو العين، أو الأُذن، أو الدُّبر.


ويُمكن ضبط ما يُفسد الصيام من الأَكْل والشُّرب، وما لا يُفسده باعتبار المُفطر ما كان مُفطراً عادةً، ووصل إلى الجوف يقيناً، ومن ثمّ استقرّ في المعدة؛ الأمر الذي يعني نَقض الحِكمة من مشروعيّة الصيام،[١٢] كما يُشترَط فيما وصل إلى الجوف أن يكون ممّا يُمكن الاحتراز منه، فإن لم يكن كذلك، كالغبار، فإنّه لا يُفطر باتّفاق العلماء، كما اتّفق العلماء على فساد الصيام بما وصل إلى الجوف؛ سواء كان مُغذِّياً، أم لا، على أن يكون الصائم ذاكراً صَوْمه؛ فلا يُؤاخَذ الناسي في رمضان عند جمهور العلماء، إلّا عند المالكيّة الذين قالوا بالقضاء، واشترط الحنفيّة، والمالكيّة استقرار المادّة في الجوف، وذلك بخِلاف الشافعيّة، والحنابلة الذين اشترطوا اختيار الصائم تناوُلَ المُفطر، وهو قول زُفَر من الحنفيّة، بخِلاف الحنفيّة والمالكية الذين قالوا بفساد الصيام بسبب الإكراه.[١٣]


المراجع

  1. ^ أ ب ت عبدالرزاق الكندي (2014)، المفطرات الطبية المعاصرة دراسة فقهية طبية مقارنة (الطبعة الأولى)، السعودية: الحقيقة الكونية، صفحة 270-287. بتصرّف.
  2. " التطعيم ضد الأمراض وأثره على الصيام"، www.islamonline.net، اطّلع عليه بتاريخ 8-5-2020. بتصرّف.
  3. خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة rGoI3FEzuG
  4. د. وليد بن خالد الجراد (2018م)، النوازل في أحكام الصيام المعاصرة بين الأصالة والمعاصرة (الطبعة الأولى)، بيروت: دار المقتبس، صفحة 143-144. بتصرّف.
  5. أحمد خليل (1435)، مفطرات الصيام المعاصرة (الطبعة الخامسة)، السعودية: دار ابن الجوزي، صفحة 35-37. بتصرّف.
  6. المفتي الدكتور نوح علي سلمان، "مفسدات الصوم"، www.aliftaa.jo، اطّلع عليه بتاريخ 17-1-2020. بتصرّف.
  7. "Vaccines", who.int, Retrieved 29-6-2020. Edited.
  8. "What is the definition of vaccine?", webmd.com, Retrieved 29-6-2020. Edited.
  9. "ROUTE OF ADMINISTRATION", /vaccine-safety-training.org, Retrieved 29-6-2020. Edited.
  10. سورة البقرة، آية: 187.
  11. عبدالرؤوف محمد الكمالي (2018م)، المفطرات المعاصرة (العدد الثامن)، مصر: جامعة الأزهر، صفحة 329-338، جزء 1. بتصرّف.
  12. أشجان محمد يوسف (2009م)، أحكام معاصرة في الصيام من ناحية طبية، فلسطين: جامعة النجاح الوطنية-كلية الدراسات العليا، صفحة 45. بتصرّف.
  13. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1404-1427 هـ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 30-32، جزء 28. بتصرّف.
144 مشاهدة