وعد بلفور والقضية الفلسطينية

بواسطة: - آخر تحديث: ٢٣:٥٢ ، ٥ يناير ٢٠١٩
وعد بلفور والقضية الفلسطينية

التعريف بوعد بلفور

يرفض الإنسان بفطرته تعدّيه على ممتلكات غيره، والعاقل يرفض أن يستولي على حقوق الناس أو أن يستحلها له، فالشرائع تقرّ بأن للإنسان كرامته المصونة، وحقه المحفوظ الذي لا ينبغي لأحد مهما كان انتماؤه أو اعتقاده أو مكانته أن يتجنّى عليه، فالجريح لا ينسى جرحه الذي لا يزال ينزف، والمعتدي متغطرسٌ يستمد قوته ممّن يهادنه ويبرّر له فعلته، وإن طال الزمن، فالحق وإن سُلب واستبيح، فإنه يأبى أن يسقط بالتقادم.

عندما كان العالم منشغلاً بالحرب العالمية الأولى بين عامي 1914م-1918م، تكثَّفت مساعي اليهود حينها لإقامة وطن لهم على الأراضي الفلسطينية، وذلك مناقضٌ لاتفاقية سايكس بيكو، ولكن على الرغم من ذلك فقد تم تأييد الجهود اليهودية من قبل السلطات البريطانية وبعض الحلفاء، أملاً منهم لحشد الرأي العام اليهودي لصالحهم ضد القوى المركزية المعادية لهم في الحرب العالمية الأولى، ولكسب ولاء اليهود عند بقائهم على الأراضي الفلسطينية كيدٍ بريطانية يهودية تحمي قناة السويس، وتؤمّن طرق الإمداد اللوجستي للمستعمرات البريطانية في الهند آنذاك.[١]

سرعان ما تكشَّفت مساعي الزعماء اليهود في لندن أمثال حاييم وايزمان وناحوم سوكولوڤ، عندما قام وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور بإرسال رسالة تنص على هذا الوعد الذي سمّي باسمه، إلى الزعيم اليهودي البريطاني ليونيل والتر روتشيلد، وفي الثاني من نوفمبر عام 1917م أقرّو البيان البريطاني "إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين"، وصدرت الموافقة عليه من قبل حلفاء بريطانيا، وصادقت عليه عصبة الأمم، فبالرغم من اندلاع الحرب العالمية الثانية أخذت تتزايد الهجرات اليهودية إلى فلسطين بهدف اتخاذها موطناً لهم ظلماً وعدواناً، ففي عام 1948م حصلت النكبة بالتزامن مع الإعلان عن تأسيس الكيان الصهيوني، وقد تمّ تسميتها إسرائيل محتلةً بذلك الأراضي الفلسطينية بوسائل عدة، منها: التهجير القسري، والتطهير العرقي، ونهب الحقوق، واستباحة المقدسات.[٢]


نص وعد بلفور وتداعيات إنفاذه

نصّت الرسالة المسمّاة بوعد بلفور عام 1917م، على ما يأتي: "وزارة الخارجية، في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917، عزيزي اللورد روتشيلد، يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى". وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح. المخلص آرثر بلفور"، انتهى نص الرسالة.[٣]

أثارت هذه الوثيقة جدلاً واسع النطاق بالنظر لمآلاتها وأثرها المستمر لعقود، وقد أدرجت بنودها ضمن ميثاق الانتداب البريطاني لفلسطين، وذلك بعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية، ليكون غطاءً للاستعمار البريطاني الذي فُوضت فيه الدول الفائزة في الحرب العالمية الأولى لإدارة شؤون الدول النامية لحين استقرارها وإعلان استقلالها، حينها كانت نسبة اليهود في فلسطين لا يتجاوز 10% من نسبة سكان فلسطين، ومع الانتداب البريطاني وتسهيل هجرات اليهود وصلت نسبتهم إلى 27% من مجموع عدد سكان فلسطين، بتجاهل معلن لحقوق الأغلبية من سكان الدولة الأصليين.[٢]


دوافع وعد بلفور

حرصت بريطانيا على توطيد صلتها بالحركة الصهيونية منذ وقت مبكر، ولم تنحصر تلك العلاقة بحدودها الاقتصادية والتجارية، لا سيما إبرام وثيقة وعد بلفور التي استندت على عدد من الدوافع والمبررات، ومنها:[٤]

  • نهاية العالم تتحقّق بنزول المسيح في أرض فلسطين كما أشارت بعض التعاليم المسيحية المُعتقدة، بعد أن ينتقل اليهود فيها من اليهودية إلى المسيحية، لذلك عملت القوى الغربية بالدرجة الأولى على إنفاذ هذه المعتقدات الدينية الغربية المسيحية الخاصة بها، وليس حباً في اليهود.
  • محاباة اليهود لكسب تأييدهم، خاصة اليهود المؤثّرون في صنع القرار على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية.
  • التنافس على كسب الرأي العام والسكان الأصليين لتأييد النفوذ الخارجي في الأراضي الفلسطينية، فكان لفرنسا يد الفضل على المسيحيين الكاثوليك في فلسطين، وروسيا عملت على ذلك مع الأورثوذكس، ولم يكن لبريطانيا من فرصة إلا مع اليهود، فسهّلت هجرتهم ومنحتهم وعد بلفور لتؤمّن نفوذها في المنطقة من خلال اليهود، ولتمنع أي محاولة للاستيلاء على فلسطين لمحورية رمزيتها، وللأهمية البالغة لموقعها الاستراتيجي.
  • منع انخراط اليهود الروس في الحزب الشيوعي، وحشد تأييدهم لسيادة وإقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" دون إغفال القوة المالية العالمية التي تستحوذ عليها القوى اليهودية حول العالم.
  • تنفيذ طلب أول رئيس للكيان الصهيوني في بريطانيا وهو حاييم وايزمان، الذي باع براءة اختراعه في تسهيل تصنيع المتفجرات لبريطانيا، مقابل أن ينفذوا له طلباً واحداً، فكان طلبه أن تَعِده بريطانيا بتخصيص وطن قومي في فلسطين لليهود، فكُلّف آرثر جيمس بلفور بإعلان هذا الوعد.


آثار وعد بلفور

جاء في وعد بلفور ضمانٌ بعدم الإخلال بحقوق المجتمعات غير اليهودية في فلسطين، إلا أن الاستعمار البريطاني أرسى لليهود أدوات إنشاء حكمهم الذاتي، فكان ذلك على حساب السكان العرب الأصليين في فلسطين، بتجاهل متعمّد لمصائر الفلسطينيين، وحقهم الأبدي في الأرض والمقدسات، ممّا عزز في نص وعد بلفور استخدام مصطلح وطن قومي لليهود، وذلك جعل المعنى متاحاً للتأويل والتوسع، على عكس مصطلح (الدولة) المحدد والمتعارف عليه سياسياً وأكاديمياً، وليس غريباً أن يتم تنفيذ وعد بلفور على مرأى ومسمع العالم، ولا تزال فلسطين وشعبها يعانون من ويلات هذا الوعد الذي جلب الاحتلال وشرّع وجوده.[٢]

درّبت القوات البريطانية عدة مجموعات يهودية ليشكلوا نواة الجيش اليهودي قبل نقل قضية فلسطين للأمم المتحدة، وسمحت بريطانيا للأقلية اليهودية في فلسطين آنذاك تأسيس مؤسسات تدير شؤونهم لنيل حكمهم الذاتي، في حين منع الانتداب البريطاني الفلسطينيين من ذلك، وهم أصحاب الأرض والحق التاريخي والأبدي فيها، فمع الغطرسة اليهودية لاستباحة الأرض والمقدسات، شنت مجموعات يهودية مسلحة حملات التطهير العرقي، والتهجير القسري، والإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، ليهجّر أكثر من 750 ألف مواطن فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم ووطنهم، وذلك عام 1948م، وهو عام النكبة عام إعلان تأسيس ما يسمّى "دولة إسرائيل".[٢]


تاريخ التهويد والقضية الفلسطينية

لم يكن وعد بلفور بمثابة الخطوة الأولى لتهويد الأرض الفلسطينية، فالمساعي للتهويد كانت حاضرة منذ القرن الثامن عشر، حيث إنّ اليهود في أوروبا كانت لهم حاراتهم الخاصة، وقد كان الأوروبيون يحتقرونهم ويطردونهم على مر السنين، لأن اليهود مصدر للفتن والفساد في المجتمع بالرغم من محاولات إشراكهم في الحياة السياسية في أوروبا، لذلك بدأ التفكير بإبعاد اليهود عن أوروبا، ومنحهم دولة يهودية قومية مستقلة لهم، ويقال أن نابليون هو أول من نادى بإقامة دولة لليهود في فلسطين، وفي عام 1799م خاطب اليهود بقوله: "ورثة أرض إسرائيل الشرعيين"، مستغلاً تعاطفهم ليجندهم بعدها في جيشه، ويستفيد من قوتهم الاقتصادية في حملاته التوسعية.[٤]

ثبّت اليهود دعاويهم برواية أنّ المشروع الصهيوني إنما هو تنفيذ للتعاليم التوراتية، ففي عام 1882م ألّف وليام هشلر كتابه بعنوان (عودة اليهود إلى فلسطين حسب النبوءات)، وكتاب (دولة اليهود) للصحفي اليهودي تيودور هرتزل الذي أقام بدوره عام 1897م في سويسرا أول مؤتمر صهيوني، وقد أعلن المجتمعون فيه بأن "الصهيونية تطمح إلى تأسيس موطن للشعب اليهودي في فلسطين، يضمنه القانون الدولي"، وفي المقابل، في فلسطين عام 1911م تأسست أولى المنظمات السياسية لمقاومة الصهيونية، وتوالت القوى الشعبية لدحر المحتل ورفضه بشتى الوسائل والإمكانيات، وارتقت الأرواح فداءً للأرض والمقدسات، لاستعادة الحق المسلوب، الذي لا يسقط بالتقادم وإن طال عليه الزمان، فكما أن للقضية جذرها التاريخي العميق المظلم، فإن لها مستقبلها الواعد، وغدها المشرق بدحر المحتل ليعود لها السلام.[٤][٥]


المراجع

  1. "Balfour Declaration", britannica.com, Retrieved 2-12-2018. Edited.
  2. ^ أ ب ت ث Zena Tahhan (2-11-2018), "More than a century on: The Balfour Declaration explained "، aljazeera.com, Retrieved 2-12-2018. Edited.
  3. "وعد بلفور"، aljazeera.net، اطّلع عليه بتاريخ 2-12-2018. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت "وعد بلفور -الحقائق التاريخية "، prc.org.uk، اطّلع عليه بتاريخ 2-12-2018. بتصرّف.
  5. "كيف مهّد "وعد بلفور" الطريق لإقامة دولة إسرائيل قبل 100 عام؟"، mc-doualiya.com، 1-11-2017، اطّلع عليه بتاريخ 2-12-2018. بتصرّف.