أبو الأنبياء

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٤٨ ، ١٩ مايو ٢٠١٩
أبو الأنبياء

الأنبياء

يُعرّف النبي بأنّه إنسانٌ يصطفيه الله -تعالى- من البشر ليوحي إليه بشريعةٍ أو دينٍ سواءً كلّف بالتبليغ أم لم يُكلّف،[١] وتجدر الإشارة إلى أن الله -تعالى- بعث في كل أمةٍ من الأمم السابقة نبيّاً ليبلّغ شريعة من سبقه من الرسل، أو رسولاً يبلّغ قومه شريعة مستقلّة، مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّـهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغوتَ)،[٢] ولذلك فإن عدد الأنبياء -عليهم السلام- كثيرٌ جداً، وقد ذكر الله -تعالى- في القرآن الكريم قصص وأسماء خمسة وعشرين منهم، أما البقيّة فلم يرد ذكرهم.[٣]


أبو الأنبياء

أبو الأنبياء هو إبراهيم عليه السلام، حيث إن الله -تعالى- اصطفاه، وجعل في ذريّته الكتاب والنبوّة، وكل من بُعث من الأنبياء -عليهم السلام- من بعده كانوا من نسله، فقد رزقه الله -تعالى- بولدين وهما إسماعيل وإسحاق، وأكرمهما بالنبوّة، ورُزق إسحاق غلاماً اسمه يعقوب وكان نبيّاً أيضاً، وكان يلقّب بإسرائيل، ومن نسله جاء بنو إسرائيل وأنبيائهم، أما إسماعيل -عليه السلام- فهو جدّ العرب جميعاً، ومن نسله بُعث خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بيّن الله -تعالى- أبوّة إبراهيم -عليه السلام- للأنبياء في القرآن الكريم، حيث قال: (وَوَهَبنا لَهُ إِسحاقَ وَيَعقوبَ كُلًّا هَدَينا وَنوحًا هَدَينا مِن قَبلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوودَ وَسُلَيمانَ وَأَيّوبَ وَيوسُفَ وَموسى وَهارونَ وَكَذلِكَ نَجزِي المُحسِنينَ* وَزَكَرِيّا وَيَحيى وَعيسى وَإِلياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحينَ* وَإِسماعيلَ وَاليَسَعَ وَيونُسَ وَلوطًا وَكُلًّا فَضَّلنا عَلَى العالَمينَ).[٤][٥]


التعريف بإبراهيم عليه السلام

إبراهيم -عليه السلام- أحد أفضل الأنبياء عليهم السلام، فهو من أولي العزم من الرسل، وقد وُلد في منطقة كوثى التابعة لبابل، وهي أرض الكلدانيّين، واسم أبيه آزر، وقد كان والده يعمل نجّاراً ينحت الأصنام، ثم يبيعها ويعبدها هو وقومه، وتجدر الإشارة إلى أن الكلدانيّين كانوا أصحاب حضارةٍ ومدنيةٍ، حيث كانوا يعيشون في ظلّ نظامٍ ملكي، وكان ملكهم يُدعى بالنمرود بن كنعان، واشتُهر بأنه طاغيةٌ، ظالمٌ، غشومٌ، ادّعى الألوهيّة، وأمر الناس بعبادته، فأطاعوه وعبدوه مع أصنامهم، أما إبراهيم -عليه السلام- فقد رزقه الله -تعالى- عقلاً سليماً منذ صغره، مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَقَد آتَينا إِبراهيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وَكُنّا بِهِ عالِمينَ)،[٦] وكان صاحب رأيٍ سديدٍ، وعقلٍ راجحٍ، وفكرٍ صائبٍ، وحجةٍ قويةٍ، فلم يشارك قومه في شركهم وضلالهم، بل كان يناقشهم في أصنامهم متعجّباً من عبادتهم لها، وكان يوضّح لهم أنها حجارةٌ لا تسمع، ولا تُبصر، ولا تضرّ، ولا تنفع.[٧][٨]


ولمّا بلغ -عليه السلام- الأربعين من عمره وأصبح قادراً على مواجهة الباطل، بعثه الله -تعالى- بالرسالة وأمره بدعوة قومه إلى توحيد الله -تعالى- ونبذ الشرك، فأخذ إبراهيم -عليه السلام- يدعو إلى الله تعالى، وبدأ بأقرب الناس إليه وهو أبوه آزر، ثم قومه، ثم ملكهم النمرود، وكان يستخدم أساليب متنوّعة في الدعوة، إلى أن لجأ إلى وسيلةٍ تدلّ على ذكائه وفطنته، حيث كسر الأصنام جميعها إلا الصنم الكبير، ووضع المعول في رأسه، ولما سأله قومه أخبرهم بأن كبيرهم من حطّم الأصنام، فعلموا في أنفسهم أنها حجارةٌ لا تضرّ ولا تنفع، ولكنّهم حكموا على إبراهيم بالتحريق بالنار، فأخزاهم الله -تعالى- وجعل النار على إبراهيم برداً وسلاماً.[٧][٨]


دعوة إبراهيم للنمرود

بعد أن نجا إبراهيم -عليه السلام- من النار، قرّر الذهاب إلى النمرود الذي ادّعى الألوهية، ودعوته إلى التوحيد، ولمّا ذهب إليه ودعاه، لم يكتفي النمرود برفض الدعوة، بل أخذ يجادل في الدفاع عن ادّعائه للألوهية، فسأل إبراهيم: "من ربك"؟ فقال إبراهيم: "ربي الذي يحيي ويميت"، فقال النمرود: "أنا أحيي وأميت"، وكان قصد إبراهيم -عليه السلام- أن الله -تعالى- المتحكّم بأرواح الخلق التي يحيون بها، ويموتون بسلبها، بينما كان قصد النمرود أنه يمكن أن يأتي برجلين حكم عليهما بالقتل، فيأمر بتنفيذ القتل بالأول، فيكون بذلك قد أماته، ويعفو عن الثاني، فيحييه.[٩]


وعلى الرغم من قدرة إبراهيم -عليه السلام- على بيان اختلاف المقصود في الإماته والإحياء، إلا إنه ترفّع عن الجدال، وطلب من النمرود طلباً آخر له علاقة بالإيجاد والعدم، والإحياء والإماتة، حيث قال: (فَإِنَّ اللَّـهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)،[١٠] فبُهت النمرود، وعجز عن الإجابة، لأنه لا يستطيع ادّعاء التحكّم بحركة الشمس، وباء بغضبٍ من الله تعالى، مصداقاً لقوله عز وجل: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).[١٠][٩]


صفات إبراهيم عليه السلام

وصف الله -تعالى- إبراهيم -عليه السلام- بأنه كان أمّةً، حيث قال: (إِنَّ إِبراهيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّـهِ حَنيفًا وَلَم يَكُ مِنَ المُشرِكينَ)،[١١] والمقصود بالأمّة هو الإمام الذي يُقتدى به، وبيّن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن الأمّة هو الذي يعلّم الناس الخير، بينما ذهب ابن عمر -رضي الله عنه- إلى أن الأمّة الذي يعلّم الناس الدين، وفي الحقيقة أن إبراهيم -عليه السلام- تميّز بصفاتٍ أهّلته لنيل هذه الصفة، وفيما يأتي بيان بعض صفاته:[١٢]

  • اليقين والاطمئنان في عبادة الله تعالى: حيث إن إبراهيم -عليه السلام- عاش في سبيل الله، وضحّى بكل شيءٍ من أجل دعوته، وقلبه ممتلئٌ باليقين والطمأنينة، وثمّة الكثير من الآيات التي تدلّ على ذلك، كما في قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).[١٣]
  • توحيد الله -تعالى- واجتناب الشرك: كان إبراهيم -عليه السلام- موحّداً لله تعالى، أي إنه يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله -تعالى- هو ربّ كل شيءٍ ومليكه، وهو الوحيد المستحقّ للعبادة، وقد وردت الكثير من الآيات التي تدلّ على ذلك، ومنها قوله عز وجل: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).[١٤]


الحكمة من إرسال الرسل

اقتضت حكمة الله -تعالى- بإرسال الأنبياء ليوضّحوا للناس الطريق الموصل إلى الله تعالى، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب الشرك، وبيان أحوالهم يوم القيامة، وإقامة الحجّة عليهم، مصداقاً لقول الله تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)،[١٥] ومن صفات الأنبياء -عليهم السلام- أنهم من البشر، ولكن الله -تعالى- اصطفاهم وأيّدهم بالمعجزات، وعلى الرغم من أن دعوة الأنبياء واحدة، إلا إنهم مختلفون في الشرائع.[٣]


المراجع

  1. "تعريف و معنى النبي في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 1-5-2019. بتصرّف.
  2. سورة النحل، آية: 36.
  3. ^ أ ب "مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 3-5-2019. بتصرّف.
  4. سورة الأنعام، آية: 84-86.
  5. "إبراهيم عليه السلام"، www.islamqa.info،2001-3-15، اطّلع عليه بتاريخ 3-5-2019. بتصرّف.
  6. سورة الأنبياء، آية: 51.
  7. ^ أ ب "حكمة إبراهيم الخليل -عليه السلام-"، www.almunajjid.com، اطّلع عليه بتاريخ 3-5-2019. بتصرّف.
  8. ^ أ ب أحمد أحمد غلوش (1423هـ-2002م)، دعوة الرسل عليهم السلام (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 107-108. بتصرّف.
  9. ^ أ ب أحمد أحمد غلوش (1423هـ-2002م )، دعوة الرسل عليهم السلام (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 122-123. بتصرّف.
  10. ^ أ ب سورة البقرة، آية: 258.
  11. سورة النحل، آية: 120.
  12. حسام العيسوي إبراهيم (23-1-2013)، "الصفات التي اتصف بها إبراهيم الخليل عليه السلام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 3-5-2019. بتصرّف.
  13. سورة البقرة، آية: 260.
  14. سورة آل عمران، آية: 67.
  15. سورة النساء، آية: 165.