أبيات من شعر المتنبي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٠١ ، ١١ فبراير ٢٠١٩
أبيات من شعر المتنبي

الخيل والليل والبيداء تعرفني

واحرَّ قلـباه ممن قلبه شَبِم

ومَن بجسمي وحالي عنده سقـم

ما لي أكتِّم حبّاً قد برى جسدي

وتدَّعي حب سيف الدولة الأمم

إن كـان يجمعـنا حبٌّ لغرَّته

فليت أنَّا بقدْر الحـب نقتسـم

قد زرته وسيوف الهند مغْمَدة

وقد نظرت إليه والسيـوف دم

فكان أحسن خَلــــق الله كلهـم

وكان أحسن ما في الأحسن الشّيم

فوت العــدو الذي يمَّمته ظفر

في طَيِّه أسَف في طيِّه نِعَم

قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت

لك المهابــــــة مالا تصنع البُهَم

ألزمت نفسك شيــــئاً ليس يلزمها

أن لا يواريـهم أرْضٌ ولا علم

أكلما رُمْت جيشاً فانثنى هربا

تصرَّفت بك في آثاره الهمــم

عليك هــــزمهم في كل معتـرَك

وما عليــك بهم عار إذا انهزموا

أما ترى ظفَراً حلواً سوى ظَفَر

تصافحت فيه بيض الهند واللمَم

يا أعدل الناس إلّا في معاملتي

فيك الخصام وأنت الخصم والحكَم

أعيذها نظرات منك صادقـة

أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع أخي الدنيا بناظـــره

إذا استـــوت عنده الأنوار والظلم

سيعلـم الجمع ممن ضمّ مجلسنا

بأنني خير من تسعى به قــَدَم

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعـت كلماتي من به صمـَـم

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جرَّاها ويختصم

وجاهل مدَّه في جهله ضحكي

حتى أتتــــه يــد فرَّاســة و فم

إذا رأيـــت نيوب الليــث بارزة

فلا تظنـَّــن أن الليــث يبتســم

و مهجـة مهجتي من همّ صاحبها

أدركتـــه بجواد ظهره حــَـرَم

رجلاه في الركض رجل و اليدان يد

وفعلـــه ما تريد الكفُّ والقدم

ومرهفٍ سرت بين الجَحْفلَيـــن به

حتى ضربت و موج الموت يلتطم

الخيل والليل والبيــداء تعرفنــــي

والسيف والرمح والقرطاس و القلم

صحبـت في الفلوات الوحش منفرداً

حتى تعجــَّـب مني القُور و الأكـَـم

يــــا من يعزّ عليـــنا أن نفارقهـــم

وَجدانُنـا كل شيء بعدكم عــدَم

مــا كان أخلقــنا منكم بتكـــرِمة

لـو أن أمــركم من أمرنـا أمــم

إن كــان سَرَّكـم ما قال حاسدنا

فما لجـــرح إذا أرضاكـــم ألــم

و بينــنا لو رعيتم ذاك معرفــة

إنّ المعـارف في أهل النُّهـى ذمم

كم تطلبـــون لنا عيبـاً فيعجزكم

و يكره الله ما تأتون والكــرم

ما أبعد العيب و النقصان عن شرفي

أنا الثـــريَّا و ذانِ الشّيب و الهرَم

ليـت الغمام الذي عندي صواعقه

يزيلهـنَّ إلى من عنـده الدِّيـَـم

أرى النّوى يقتضينني كل مرحلة

لا تستقـلَّ بها الوخَّادة الرُّسـُم

لئن تركـْنَ ضُمَيراً عن ميامِننا

ليحدُثنَّ لمـن ودّعتهــم نـدمُ

إذا ترحَّلت عن قـوم و قد قـدروا

أن لا تفارقهم فالـرّاحلون هــم

شــرّ البلاد مكان لا صــديق بــه

وشرّ ما يكسب الإنسان ما يَصِم

و شـرّ ما قنَّصته راحتي قنَص

شُهْب البُزاة سواء فيه و الرَّخَم

بأي لفظ تقـول الشعــر زِعْنِفَة

تجـوز عندك لا عُــربٌ ولا عَجَم

هذا عـتابـك إلا أنـّه مِقـَةٌ

قـد ضُمِّـن الدرَّ إلا أنّه كلِم[١]


فديناك من ربع وإن زدتنا كربا

فديناكَ من ربعٍ وإن زدتَنا كربا

فإنّكَ كنتَ الشرقَ للشمسِ والغربا

وكيف عرفنا رسمَ من لم يدَع لَنا

فُؤاداً لعرفانِ الرّسومِ ولا لُبّا

نزلنَا عن الأكوارِ نمشِي كرامةً

لمن بَان عنه أن نُلِمّ به ركبَا

نذُمُّ السّحابَ الغُرَّ في فعلها بِه

ونُعرِضُ عنها كُلّما طلعتْ عتبَا

ومن صَحِبَ الدّنيا طويلاً تقلّبت

على عَينه حتّى يرى صدقها كِذبَا

وكيفَ التذاذي بالأصائِل والضّحَى

إذا لم يعُد ذاك النّسيمُ الذي هَبّا

ذكرتُ بهِ وصلاً كأن لم أفُزْ بِه

وعيشاً كأنّي كنتُ أقطعه وثبا

وفتّانة العينينِ قتّالة الهوى

إذا نفحتْ شيخاً روائِحُها شبّا

لها بشرُ الدُّرّ الذي قُلّدَت بِه

ولم أرَ بدراً قبلَهَا قُلّدَ الشُّهبَا

فيا شوقُ ما أبقى ويا لي من النّوى

ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبى

لقد لعب البينُ المشِتُّ بها وبي

وزوّدني في السير ما زَوّدَ الضّبّا

ومن تكُنِ الأُسْدُ الضّواري جُدودَه

يكنْ ليله صُبحاً ومطعمُهُ غصبَا

ولستُ أُبالي بعد إدراكيَ العُلى

أكان تراثاً ما تناوَلتُ أم كَسبَا؟

فرُبّ غُلامٍ عَلّمَ المجدَ نفسهُ

كتعليمِ سيفِ الدّولة الطّعنَ والضربَا

إذا الدّولةُ استكفَتْ بهِ في مُلِمّةٍ

كفاها فكانَ السّيفَ والكَفّ والقَلْبَا

تُهابُ سُيُوفُ الهِنْدِ وَهْيَ حَدائِدٌ

فكَيْفَ إذا كانَتْ نِزارِيّةً عُرْبَا

وَيُرْهَبُ نَابُ اللّيثِ وَاللّيْثُ وَحدَهُ

فكَيْفَ إذا كانَ اللّيُوثُ لهُ صَحبَا

وَيُخشَى عُبابُ البَحْرِ وَهْوَ مكانَهُ

فكَيفَ بمَنْ يَغشَى البِلادَ إذا عَبّا

عَلِيمٌ بأسرارِ الدّيَانَاتِ وَاللُّغَى

لهُ خَطَرَاتٌ تَفضَحُ النّاسَ والكُتْبَا

فَبُورِكْتَ مِنْ غَيْثٍ كأنّ جُلودَنَا

به تُنْبِتُ الدّيباجَ وَالوَشْيَ وَالعَصْبَا

وَمن وَاهِبٍ جَزْلاً وَمن زاجرٍ هَلا

وَمن هاتِكٍ دِرْعاً وَمن ناثرٍ قُصْبَا

هَنيئاً لأهْلِ الثّغْرِ رَأيُكَ فيهِمِ

وَأنّكَ حزْبَ الله صرْتَ لهمْ حِزْبَا

وَأنّكَ رُعْتَ الدّهْرَ فيهَا وَرَيبَهُ

فإنْ شَكّ فليُحدِثْ بساحتِها خَطْبَا

فيَوْماً بخَيْلٍ تَطْرُدُ الرّومَ عنهُمُ

وَيَوْماً بجُودٍ تطرُدُ الفقرَ وَالجَدْبَا

سَراياكَ تَتْرَى والدُّمُسْتُقُ هارِبٌ

وَأصْحابُهُ قَتْلَى وَأمْوالُهُ نُهْبَى

أتَى مَرْعَشاً يَستَقرِبُ البُعدَ مُقبِلاً

وَأدبَرَ إذ أقبَلْتَ يَستَبعِدُ القُرْبَا

كَذا يَترُكُ الأعداءَ مَن يَكرَهُ القَنَا

وَيَقْفُلُ مَنْ كانَتْ غَنيمَتُهُ رُعبَا

وَهَلْ رَدّ عَنهُ باللُّقَانِ وُقُوفُهُ

صُدُورَ العَوالي وَالمُطَهَّمَةَ القُبَّا

مَضَى بَعدَما التَفّ الرّماحانِ ساعَةً

كما يَتَلَقّى الهُدْبُ في الرّقدةِ الهُدبَا

وَلَكِنّهُ وَلّى وَللطّعْنِ سَوْرَةٌ

إذا ذَكَرَتْها نَفْسُهُ لَمسَ الجَنْبا

وَخَلّى العَذارَى والبَطاريقَ والقُرَى

وَشُعثَ النّصارَى والقَرابينَ وَالصُّلبَا

أرَى كُلَّنَا يَبْغي الحَيَاةَ لنَفْسِهِ

حَريصاً عَلَيها مُسْتَهاماً بها صَبّا

فحُبُّ الجَبَانِ النّفْسَ أوْرَدَهُ البَقَا

وَحُبُّ الشّجاعِ الحرْبَ أوْرَدهُ الحرْبَا

وَيخْتَلِفُ الرّزْقانِ والفِعْلُ وَاحِدٌ

إلى أنْ تَرَى إحسانَ هذا لِذا ذَنْبَا

فأضْحَتْ كأنّ السّورَ من فوْقِ بدئِهِ

إلى الأرْضِ قد شَقَّ الكواكبَ والتُّربَا

تَصُدّ الرّياحُ الهُوجُ عَنْهَا مَخافَةً

وَتَفْزَعُ فيها الطّيرُ أن تَلقُطَ الحَبّا

وَتَرْدي الجِيادُ الجُرْدُ فوْق جبالها

وَقد نَدَفَ الصِّنّبرُ في طُرْقها العُطْبَا

كَفَى عَجَباً أنْ يَعجَبَ النّاسُ أنّهُ

بَنى مَرْعَشاً؛ تَبّاً لآرائِهِمْ تَبّا

وَما الفَرْقُ ما بَينَ الأنامِ وَبَيْنَهُ

إذا حَذِرَ المحذورَ وَاستصْعبَ الصّعبَا

لأمْرٍ أعَدّتْهُ الخِلافَةُ للعِدَى

وَسَمّتْهُ دونَ العالَمِ الصّارِمَ العَضْبَا

وَلم تَفْتَرِقْ عَنْهُ الأسِنّةُ رَحْمَةً

وَلم تَترُكِ الشّأمَ الأعادي لهُ حُبّا

وَلَكِنْ نَفاها عَنْهُ غَيرَ كَريمَةٍ

كَريمُ الثّنَا ما سُبّ قَطّ وَلا سَبّا

وَجَيْشٌ يُثَنّي كُلّ طَوْدٍ كَأنّهُ

خرِيقُ رِياحٍ وَاجَهَتْ غُصُناً رَطْبَا

كأنّ نُجُومَ اللّيْلِ خافَتْ مُغَارَهُ

فمَدّتْ عَلَيْها مِنْ عَجاجتِهِ حُجْبا

فمن كانَ يُرْضِي اللّؤمَ والكفرَ مُلكُهُ

فهذا الذي يُرْضِي المكارِمَ وَالرّبّا[٢]


أرق على أرق ومثلي يأرق

أرقٌ عَلى أرَقٍ ومثلي يأرقُ

وجوًى يزيدُ وعَبرَةٌ تترَقرَقُ

جُهدُ الصّبابةِ أن تكونَ كما أُرَى

عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وقَلبٌ يخفِقُ

مَا لاحَ بَرْقٌ أوْ تَرَنّمَ طائِرٌ

إلاّ انْثَنَيْتُ وَلي فُؤادٌ شَيّقُ

جَرّبْتُ مِنْ نَارِ الهَوَى ما تَنطَفي

نَارُ الغَضَا وَتَكِلُّ عَمّا يُحْرِقُ

وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ

فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ

وَعَذَرْتُهُمْ وعَرَفْتُ ذَنْبي أنّني

عَيّرْتُهُمْ فَلَقيتُ فيهِ ما لَقُوا

أبَني أبِينَا نَحْنُ أهْلُ مَنَازِلٍ

أبَداً غُرابُ البَينِ فيها يَنْعَقُ

نَبْكي على الدّنْيا وَمَا مِنْ مَعْشَرٍ

جَمَعَتْهُمُ الدّنْيا فَلَمْ يَتَفَرّقُوا

أينَ الأكاسِرَةُ الجَبابِرَةُ الأُلى

كَنَزُوا الكُنُوزَ فَما بَقينَ وَلا بَقوا

من كلّ مَن ضاقَ الفَضاءُ بجيْشِهِ

حتى ثَوَى فَحَواهُ لَحدٌ ضَيّقُ

خُرْسٌ إذا نُودوا كأنْ لم يَعْلَمُوا

أنّ الكَلامَ لَهُمْ حَلالٌ مُطلَقُ

فَالمَوْتُ آتٍ وَالنُّفُوسُ نَفائِسٌ

وَالمُسْتَعِزُّ بِمَا لَدَيْهِ الأحْمَقُ

وَالمَرْءُ يأمُلُ وَالحَيَاةُ شَهِيّةٌ

وَالشّيْبُ أوْقَرُ وَالشّبيبَةُ أنْزَقُ

وَلَقَدْ بَكَيْتُ على الشَّبابِ وَلمّتي

مُسْوَدّةٌ وَلِمَاءِ وَجْهي رَوْنَقُ

حَذَراً عَلَيْهِ قَبلَ يَوْمِ فِراقِهِ

حتى لَكِدْتُ بمَاءِ جَفني أشرَقُ

أمّا بَنُو أوْسِ بنِ مَعْنِ بنِ الرّضَى

فأعزُّ مَنْ تُحْدَى إليهِ الأيْنُقُ

كَبّرْتُ حَوْلَ دِيارِهِمْ لمّا بَدَتْ

منها الشُّموسُ وَليسَ فيها المَشرِقُ

وعَجِبتُ من أرْضٍ سَحابُ أكفّهمْ

من فَوْقِها وَصُخورِها لا تُورِقُ

وَتَفُوحُ من طِيبِ الثّنَاءِ رَوَائِحٌ

لَهُمُ بكُلّ مكانَةٍ تُسْتَنشَقُ

مِسْكِيّةُ النّفَحاتِ إلاّ أنّهَا

وَحْشِيّةٌ بِسِواهُمُ لا تَعْبَقُ

أمُريدَ مِثْلِ مُحَمّدٍ في عَصْرِنَا

لا تَبْلُنَا بِطِلابِ ما لا يُلْحَقُ

لم يَخْلُقِ الرّحْمنُ مثلَ مُحَمّدٍ

أحَداً وَظَنّي أنّهُ لا يَخْلُقُ

يا ذا الذي يَهَبُ الكَثيرَ وَعِنْدَهُ

أنّي عَلَيْهِ بأخْذِهِ أتَصَدّقُ

أمْطِرْ عَليّ سَحَابَ جُودِكَ ثَرّةً

وَانظُرْ إليّ برَحْمَةٍ لا أغْرَقُ

كَذَبَ ابنُ فاعِلَةٍ يَقُولُ بجَهْلِهِ

ماتَ الكِرامُ وَأنْتَ حَيٌّ تُرْزَقُ[٣]


المراجع

  1. "الخيل والليل والبيداءُ تعرفني"، aldiwan، اطّلع عليه بتاريخ 5-2-2019.
  2. "فديناك من ربع وإن زدتنا كربا"، adab، اطّلع عليه بتاريخ 5-2-2019.
  3. أحمد بن حسين الجعفي المتنبي أبو الطيب، ديوان المتنبي، صفحة 28.