أحكام وشروط الطلاق

كتابة - آخر تحديث: ٠٧:٥١ ، ١٤ مايو ٢٠١٩
أحكام وشروط الطلاق

الطلاق

الطلاق لغةً: رفع القيد، أمَّا شرعاً: فهو رفع قيد النكاح إمَّا في الحال بطلقةٍ بائنة، أو في المآل بطلقةٍ رجعيةٍ بلفظٍ مخصوصٍ،[١] واتفق الفقهاء على أصل مشروعية الطلاق؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)،[٢] وأجمع المسلمون زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- على مشروعية الطلاق، ولكن اختلف الفقهاء في الحكم الأصلي للطلاق؛ فذهب الجمهور إلى أن الأصل في الطلاق الإباحة، وقد يخرج عن حكم الإباحة في أحوال، وذهب بعض العلماء إلى أن الأصل في الطلاق الحظر، وقد يخرج عن حكم الحظر في أحوالٍ معينة.[٣]


أحكام الطلاق

اتفق الفقهاء على أن الطلاق ينطبق عليه الأحكام التكليفية الخمسة، وهي: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والتحريم، وذلك بحسب الظروف التي وقع فيها الطلاق، وبيان ذلك على النحو الآتي:[٤]
  • الوجوب: يكون الطلاق واجباً في حق الزوج المولي، والإيلاء: هو حلف الزوج على عدم إتيان زوجته أكثر من أربعة أشهر، فإن مضت المدة ولم يأتي زوجته أُمر بالطلاق، فإن رفض طلّق القاضي عليه طلقةً واحدةً، أو ثلاثاً، أو فسخ بينهما.
  • الندب: يكون الطلاق مندوباً إذا فرّطت الزوجة في أداء حقوق الله -تعالى- عليها؛ كالصلاة والعفّة، أو لوقوع الشِّقاق بينهما، ويُسنّ للمرأة أن تخلع زوجها إن ترك حقاً لله تعالى.
  • الإباحة: يكون الطلاق مباحاً إذا دعت إليه الحاجة، كأن تكون الزوجة سيّئة الخُلق، أو لسوء عشرتها، أو لكون الزوج لا يُحبها.
  • الكراهة: يكون الطلاق مكروهاً إذا لم توجد حاجةٌ تدعو له؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ الطلاقُ).[٥]
  • التحريم: يكون الطلاق محرّماً إذا كان في مدّة حيض الزوجة، أو كان طلاق الزوج زوجته في فترة طُهرٍ جامعها فيه، وهو يُسمّى بالطلاق البدعيّ.


شروط الطلاق

اشترط الفقهاء لصحة الطلاق عدة شروطٍ تتوزّع على أطراف الطلاق الثلاثة، وتفصيل هذه الشروط على النحو الآتي:[٣]

  • شروطٌ تتعلق بالمطلِّق: يُشترط في المطلّق حتى يقع طلاقه على زوجته صحيحاً عدة شروط، وهي كالآتي:
    • الزوجية: كون المطلّق زوجاً، والزوج هو من بينه وبين المطلقة عقد زواجٍ صحيح.
    • البلوغ: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق الصبيّ الصغير لا يقع، سواء كان مميزاً أو غير مميز، مراهقاً أو غير مراهق، وخالف الحنابلة في الصبيّ الذي يعقل الطلاق؛ فقالوا: إن طلاقه واقعٌ على أكثر الروايات عن الإمام أحمد، وأمَّا الصبيّ الذي لا يعقل فلا خلاف في أنه لا طلاق له.
    • العقل: ذهب الفقهاء إلى عدم صحة طلاق المجنون والمعتوه؛ لأن المجنون فاقدٌ للأهلية، والمعتوه ناقص الأهلية، وألحق بهما الفقهاء النائم والمغمى عليه؛ فعن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب- رضي الله عنهما، عن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: (رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عَن المَجنونِ المَغلوبِ على عَقْلِهِ حتى يَبْرَأَ، و عن النائِمِ حتى يَستيقِظَ، و عنِ الصبِيِّ حتى يَحْتَلِمَ).[٦]
    • القصد والاختيار: والمراد بالقصد: هو قصد اللفظ الموجب للطلاق من غير إجبارٍ عليه، واتفق الفقهاء على صحة طلاق الهازل؛ لأن الطلاق ذو خطرٍ كبيرٍ لتعلّقه بضررٍ يلحق بالمرأة، والهازل قاصدٌ للفظ الطلاق الذي ربط الله -تعالى- به وقوع الطلاق، واختلف الفقهاء في صحة طلاق المخطئ، والمكره، والغضبان، والسفيه، والمريض، واختلافهم على النحو الآتي:
      • المخطئ: المخطئ في الطلاق؛ هو من لم يقصد التلفّظ بالطلاق أصلاً، وإنما قصد لفظاً آخر، فسبق لسانه إلى الطلاق من غير قصد، وذهب جمهور العلماء إلى عدم وقوع طلاق المخطئ قضاءً وديانةً إذا ثبت بقرائن الأحوال، أمَّا إن لم يثبت خطؤه وقع الطلاق قضاءً لا ديانةً، وذهب الحنفية إلى أن طلاق المخطئ يقع قضاءاً، سواء ثبت خطؤه أم لم يثبت، ولكنه لا يقع ديانةً.
      • المكره: الإكراه؛ هو حمل الزوج على طلاق زوجته باستخدام أداة مرهبة، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق المكره بغير حقٍ لا يقع إذا كان الإكراه شديداً، كأن يكون الإكراه بالقتل أو القطع أو الضرب المُبرِح، وذهب الحنفية إلى وقوع طلاق المكره بغير حقٍّ مطلقاً، أمَّا إذا كان الإكراه على الطلاق بحقٍّ فإن الطلاق يقع بالإجماع.
      • الغضبان: ويُعرّف الغضب بأنه حالة من الاضطراب العصبيّ، وعدم التوازن الفكري، تصيب الإنسان إذا عدا عليه أحدٌ بالكلام أو الفعل أو غيره، فإذا وصل الغضب إلى درجة الدهشة لم يقع الطلاق، والمدهوش: هو من غلب عليه الخلل في أقواله وأفعاله بشكلٍ خارجٍ عن عادته بسبب غضبٍ اعتراه.
      • السفيه: والسَّفه؛ هو خفةٌ في العقل تدعو إلى التصرف بالمال على غير وفق العقل والشرع، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق السفيه يقع، وقال عطاء بعدم وقوع طلاق السفيه.
      • المريض: اتفق الفقهاء على صحة طلاق المريض، سواء كان المرض مؤدّياً للموت، أو كان مرضاً عادياً، ولا أثر له في القِوى العقلية، فإن أثّر المرض في القِوى العقلية كان حكمه حكم المجنون أو المعتوه.
  • شروطٌ تتعلق بالمُطلَّقة: يُشترط في المرأة المطلقة حتى يقع عليها الطلاق عدة شروط، وهي كالآتي:
    • قيام الزوجية حقيقةً أو حكماً: وذلك بأن تكون المطلقة زوجةً للمطلِّق، أو معتدةً منه بطلاقٍ رجعيّ.
    • تعيين المُطلَّقة: ذهب الفقهاء إلى اشتراط تعيين المرأة المُطلَّقة، وطرق التعيين ثلاثة، وهي: الإشارة، والوصف، والنيَّة.
  • شروط تتعلق بصيغة الطلاق: وصيغة الطلاق: هي اللفظ الذي يُعبّر به عن الطلاق، وتنوب الكتابة والإشارة عن اللفظ في أحوال، ولكل من اللفظ، والإشارة، والكتابة شروطٌ لابد من توافرها حتى يقع الطلاق، وهذه الشروط على النحو الآتي:
    • شروط اللفظ: يُشترط في اللفظ المستعمل في الطلاق شروط وهي:
      • اليقين أو الظن بوقوع لفظ الطلاق، وفهم معناه.
      • نية إيقاع الطلاق باللفظ، إذا كان لفظ الطلاق من الألفاظ الكنائية، ولم يكن لفظاً صريحاً، وذهب المالكية إلى إيقاع الطلاق في بعض الألفاظ الكنائية الظاهرة، ووافقهم الحنابلة على ذلك.
    • شروط الكتابة: اشترط الفقهاء لوقوع الطلاق بالكتابة شرطين، وهما على النحو الآتي:
      • ذهب إلى الجمهور إلى أن الكتابة المعتبرة هي الكتابة المستبينة الظاهرة التي يبقى لها أثر تثبت به، كالكتابة على الورق أو الأرض، أمَّا الكتابة غير المستبينة فإن الطلاق لايقع بها، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد أن الطلاق يقع بالكتابة ولو لم تكن مستبينة.
      • كون الكتابة مرسومة؛ وهي الكتابة المعتادة التي تكون مصدرةً ومعنونة، مثل ما يُكتب إلى الغائب، فذهب الحنفية إلى أن الكتابة إذا كانت مستبينة ومرسومة فإن الطلاق يقع بها، سواءٌ نوى أو لم ينوي، وأمَّا إن كانت الكتابة غير مستبينة فإن الطلاق لا يقع بها وإن نوى، وأمَّا إن كانت مستبينة غير مرسومة، فإن نوى وقع الطلاق، وإن لم ينوي لم يقع الطلاق، وقيل: يقع الطلاق مطلقاً، وقال المالكية: إذا كتب الطلاق مجمعاً عليه، وناوياً له، أو كتبه ولم يكن له نيَّة وقع، وقال الشافعية: إن كتب ناطقٌ طلاقاً ولم ينوي فإنه لا يقع، وإن نوى الطلاق فالأظهر وقوعه، وقال الحنابلة: إن كتب صريح طلاق امرأته بما يتبيّن وقع وإن لم ينوي الطلاق، وإن كتب الطلاق بشيءٍ لا يتبيّن لم يقع الطلاق.
    • شروط الإشارة: ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم صحة الطلاق بالإشارة من القادر على الكلام، وقال المالكية: يقع الطلاق بالإشارة من القادر على الكلام، كالأخرس إن كانت إشارته مفهمة، وإن لم تكن مفهمة لم يقع الطلاق بها عند الأكثر، وفي قولٍ لبعض المالكية أن الطلاق يقع بها مع النية.


أركان الطلاق

اختلف الفقهاء في أركان الطلاق على عدة أقوال، واختلافهم على النحو الآتي:

  • الحنفية: ذهب الفقهاء من الحنفية إلى أن للطلاق ركنٌ واحدٌ؛ وهو اللفظ الذي جُعل دلالةً على معنى الطلاق، أو ما يقوم مقام اللفظ.[٧]
  • المالكية: ذهب المالكية إلى أن للطلاق أربعة أركان، وهي: الزوج أو نائبه من وكيلٍ أو حاكمٍ، وقصد النطق بلفظ الطلاق، ومحل الطلاق، ولفظ الطلاق، سواء كان لفظاً صريحاً أو كنايةً.[٨]
  • الشافعية: ذهب الشافعية إلى أن للطلاق خمسة أركان، وهي: المُطلِّق وهو الزوج أو وكيله، وصيغة الطلاق، وقصد لفظ الطلاق، ومحلّ الطلاق، والولاية.[٩]


المراجع

  1. ابن عابدين (1992)، رد المحتار على الدر المختار (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الفكر، صفحة 226، جزء 3. بتصرّف.
  2. سورة الطلاق، آية: 1.
  3. ^ أ ب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1993)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 8-25، جزء 29. بتصرّف.
  4. منصور البهوتي، الروض المربع شرح زاد المستقنع، بيروت: دار المؤيد- مؤسسة الرسالة، صفحة 559-591. بتصرّف.
  5. رواه ابن الملقن، في خلاصة البدر المنير، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 2/218، إسناده صحيح.
  6. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 3512، صحيح.
  7. أبو بكر الكاساني (1986)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 98، جزء 3. بتصرّف.
  8. محمد الدسوقي، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، دمشق: دار الفكر، صفحة 365، جزء 2. بتصرّف.
  9. محمد الشربيني (1994)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 455، جزء 4. بتصرّف.