الدعوة والداعي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥١ ، ١ فبراير ٢٠١٥
الدعوة والداعي

الدّاعي الأوّل إلى الإسلام

يعدّ رسولنا الكريم محمّد صلّى الله عليه وسلّم الدّاعي الأوّل إلى الله تعالى وإلى دين الإسلام، والدّليل على ذلك هو قول الله تعالى: "يا أيّها النبيّ إنّا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا" (الأحزاب)


وقد كرّر القرآن الكريم الخطاب إلى الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلم؛ حيث يأمره بالدّعوة إلى الله، والاستمرار عليها، وعدم التحوّل عنها، ومن هذه الآيات الكريمة:

  • قوله تعالى: (وأدع إلى ربّك إنّك لعلى هدى مستقيم) (الحج، 67).
  • قوله تعالى: (وادع إلى ربّك ولا تكونّن من المشركين) (القصص، 87).
  • قوله تعالى: "قل إنّما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو وإليه مآب) (الرعد، 36).


وقد استمرّ صلّى الله عليه وسلم بالدّعوة إلى ربّه تبارك وتعالى حتّى أتاه اليقين من ربّه، وصار إلى جواره الكريم راضياً مرضيّاً، فجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء.


دعوة الرّسل إلى الله

ولم تقتصر الدّعوة إلى الله على رسولنا الكريم محمّد صلّى الله عليه وسلم فقط بل كانت وظيفةً لجميع الرّسل؛ حيث دعا الرّسل الناس إلى الإيمان بالله وإفراده بالعبادة على النحو الذي شرعه لهم.


ومما سبق يتبيّن لنا بأنّ جميع رسل الله تعالى دعوا إلى عبادته وحده، والتبرّؤ من عبادة ما سواه، قال تعالى: "ولقد بعثنا في كلّ أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل، 36). فرسل الله هم الدعاة إلى الله، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها إلى الناس([1])


أدلّة قرآنيّة على دعوة الرّسل للإيمان بالله

  • قال تعالى عن نوح عليه السلام: "لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الأعراف، 59).
  • قال تعالى عن هود عليه السلام: "وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الأعراف، 65).
  • قال تعالى عن صالح: "وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الأعراف، 73).
  • قال تعالى عن شعيب عليه السلام: "وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الأعراف، 85).


دور الأمّة الإسلاميّة في الدّعوة إلى الله

يعدّ المكلّف بالدعوة إلى الله هو كلّ مسلم ومسلمة؛ لأنّ الأمة الإسلاميّة تتكوّن منهم، فكلّ بالغٍ عاقل من الأمّة الإسلاميّة مكلّف بهذا الواجب، ذكراً كان أو أنثى.


وتعدّ الأمّة الإسلاميّة شريكةً لرسولها الكريم في وظيفة الدّعوة إلى الله تعالى، وهذا أمرٌ شرّف الله به عباده، وهذا التّشريف والتّكريم لا يُستفاد فقط من الخطابات الإلهيّة لرسوله بالدّعوة إليه كما ذكرنا، وإنّما هو صريح أيضاً وذكرته آيات كثيرة في القرآن الكريم، قال تعالى:"كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (آل عمران، 110). فهذه الآية الكريمة أفادت معنيين:

  • خيريّة الأمّة الإسلاميّة في الدّعوة.
  • قيام الأمّة الإسلاميّة بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هو سبب كونها أخير الأمم.


ويزيد الأمر وضوحاً قول ربّنا جلّ جلاله:"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين" (يوسف، 108). فالمؤمنون يتّبعون رسول الله على بصيرة أي: علم ويقين. ومعنى ذلك أنّه من اللوازم الضروريّة لإيمان المسلم أن يدعو إلى الله؛ فإذا تخلّف عن الدّعوة دلّ تخلّفه هذا على وجود نقصٍ أو خلل في إيمانه يجب تداركه بالقيام بهذا الواجب، واجب الدعوة إلى الله.


قال الإمام ابن كثير في تفسيره هذه الآية: "يقول الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر النّاس أنّ هذه سبيله، أي طريقته ومسلكه وسنّته، وهي الدّعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي"


وفي قول الرّسول صلّى الله عليه وسلم ويخاطب من حضر عرفات في حجّة الوداع دليل على دور الأمّة الإسلاميّة في الدعوة؛ حيث قال: (ألا فليبلّغ الشاهد منكم الغائب) ([3]). ويدخل في معنى الشّاهد كلّ مسلم علم من أمر الإسلام شيئاً.


الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر

وهي وظيفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ورسل الله جميعاً، وأوّل ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدعوة إلى الله وحده، والبراءة من الشرك بأنواعه.


وذكر القرآن أنّه من صفات المؤمنين الدّعوة إلى الله، بخلاف المنافقين الّذين يصدّون عن سبيل الله ويدعون إلى غيره. والدليل على ذلك:

  • قال تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف) (التوبة، 67).
  • قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون وينهون عن المنكر) (التوبة، 71).
  • قال تعالى عن رسوله: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) (الأعراف، 157).


طرق الدعوة إلى الله

  • الدّعوة إلى الله بشكلٍ فرديّ
  • الدّعوة إلى الله بشكلٍ جماعيّ

والدّليل على ذلك:

  • قول الله تبارك وتعالى: "ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (سورة آل عمران، 104) ([4]).

قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمّة متعدّية بهذا الشأن وإن كان واجباً على كلّ فرد من الأمّة.

  • كما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) ([5]).
  • وقوله تعالى:"وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" (المائدة، 2).


هل الدعوة إلى الله مقتصرة على رجال الدين؟

الجواب بالطّبع يكون لا، فلا يختصّ العلماء أو كما يسمّيهم البعض رجال الدين بأصل هذا الواجب؛ لأنّ الدّعوة واجب على الجميع، ودور العلماء المختصّين بأمور الدّين يكون بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه نظراً لسعة علمهم به ومعرفتهم بجزئيّاته.


ويكون الجواب أيضاً بقول الإمام ابن كثير: "أن تكون فرقة من هذه الأمّة متصدّية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كلّ فرد من الأمّة بحسبه". إذ جعل الوجوب على كلّ فرد، مع لزوم وجود فرقة متصدّية لشأن الدّعوة إلى الخير، وعلى هذا فالدّعوة إلى الخير وأعلاها الدعوة إلى الله واجبة على كلّ مسلم بقدر استطاعته؛ لأنّ هذه الدّعوة من صفات المؤمنين،


وأمر الحديث الشّريف كلّ مسلم ومسلة بإزالة المنكر حسب استطاعته، والشأن في المسلم المبادرة إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر دون انتظار غيره فقد لا يقوم به الغير فيقع في الإثم.


لماذا كُلّف المسلم بالدّعوة إلى الله تعالى؟

لم يكتفِ الإسلام بأن يكون المسلم صالحاً ومهتدياً في نفسه فقط، بل أمره بأن يكون مصلحاً وهادياً لغيره أيضاً ويعود ذلك لعدّة أسباب سنفصّل كلّ سببٍ منها على حدة.


إكمال رسالة محمد عليه السلام

أرسل الله تعالى رسوله محمّداً صلّى الله عليه وسلم إلى النّاس جميعاً: (قل يا أيّها الناس إنّي رسول الله إليكم جميعاً) (الأعراف، 158). وتعدّ رسالته عليه الصلاة والسلام باقيًة إلى يوم الدّين، ومقصدها هداية الخلق أجمعين ليفوزوا بالسّعادة في الدارين، ولهذا كانت رسالته رحمةً للعالمين. قال تعالى: "وما أرسلناك إلّا رحمةً للعالمين" (الأنبياء، 107).


وقد بلّغ عليه الصلاة والسلام رسالة ربّه ومضى إلى جواره الكريم راضياً مرضيّاً، فكان لا بدّ للمسلمين من النّهوض من بعده وتبليغ دعوة الإسلام إلى أهل الأرض ليهدوهم بها ويخرجوهم من الظّلمات إلى النور. قال تعالى:"ألر كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد" (إبراهيم، 1)؛ فهم شهداء الله على خلقه ومبلّغوا رسالته إليهم بعد نبيّهم: (وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرّسول عليكم شهيداً) (البقرة، 143).

فإنّ قيام المسلم بالدّعوة إلى الله يؤدّي أعظم نفع وعون لعباده؛ لأنّه يمدّ إليهم يداً كريمة تنقذهم ممّا هم فيه من رجس الشرك والوثنية، ويضعهم على صراط الله المستقيم؛ فيؤدّون حقّ ربّهم عليهم، ويحقّقون الغاية الّتي خلقوا من أجلها. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات، 56)


إزالة تأثير الكفر على معاني الإسلام

إنّ بقاء الشرك والكفر في الأرض يؤثّر عاجلاً أو آجلاً على معاني الإسلام القائمة في أيّ جانب من جوانب الأرض، وبهذا يمنع الإسلام المسلم من البقاء في ديار الكفر، ويأمره بالقول إلى ديار الإسلام لئلّا يفتتن في دينه، أو يحرّض قلبه، أو يسلب إيمانه، قال تعالى: (إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنّم وساءت مصيراً) (النساء، 97). وقال أهل التّفسير في هذه الآية: إنّها نزلت في كلّ من أقام بين ديار المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكّناً من إقامة الدّين فيها.


دفع الهلاك والعذاب عن المسلمين

قال تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أنّ الله شديد العقاب) (الأنفال: 25).


الدّعوة إلى الله بقدر حال الدّاعي وقدرته

تبيّن ممّا سبق أنّ الدعوة إلى الله واجبة على كلّ مسلم، وهذا الواجب يتحدّد بقدر حال الدّاعي وقدرته؛ لأنّ القدرة هي مناط الوجوب وقدره، فمن لا يقدر لا يجب عليه، ومن يقدر فالوجوب عليه بقدر قدرته، ويدخل في مفهوم القدرة: العلم والسلطان؛ فيجب على العالم ما لم يجب على الجاهل، ويجب على ذي السلطان ما لم يجب على الجاهل، ويجب على ذي السلطان ما لا يجب على غيره من آحاد المسلمين.


ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى خصّ بالإنذار والوعيد أهل العلم، فقال تعالى: (إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدي من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلّا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التوّاب الرحيم) (البقرة، 159-160).