اللهم انك عفو تحب العفو

اللهم انك عفو تحب العفو

مناسبة ورود الدعاء

ذكر العُلماء أنّ سبب ورود هذا الدُّعاء كان بسبب سؤال عائشة -رضي الله عنها- للنّبيّ محمد -عليه الصلاةُ والسلام- عن الدُّعاء الذي تدعو به إذا أدركت ليلة القدر، فقال أن تقول: "اللّهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"،[١] وفي رواية: "اعفُ عنّا".[٢]

ومن الروايات التي ذكرت ذلك هي قولها -رضي الله عنها-: (سألَتْهُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عائشةُ رضي الله عنها إنْ وافقتُها فبِمَ أدعو؟ قال: قولي: اللهمَّ إنك عفوٌ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني).[٣][٤]

وأورد هذا الحديث العديد من أهل الحديث، فأخرجه النسائي في السنن الكُبرى، والقضاعيّ في مُسند الشهاب، وغيرهم،[٥] وجاء عن الإمام الترمذي زيادة لفظ: كريم، أي: "اللّهم إنّك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي"، وقال عنه: حديثٌ حسنٌ صحيح.[٦]

شرح الدعاء

يتضمّن الحديث العديد من الألفاظ، ونذكر معناها فيما يأتي:

  • اللّهم

اتّفق العُلماء على أنّ معناها يا الله، ويكون استعمالُها عند الدُّعاء والطّلب، فمثلاً لا يُقال: اللّهم غفور رحيم، بل يُقال: اللّهم اغفر لي.[٧][٨]

  • إنّك عفوّ

يُعرف العفوّ بأنّه الذي يتجاوز عن سيّئات عباده، سواءً عفا عنهم بتركهم للواجبات أو بسبب ارتكابهم للمُحرّمات؛ لأنّ الذّنب يكون بأمرين؛ إمّا بترك واجب أو بفعل مُحرّم، ومعنى العفو أنّه تجاوز عنهم في الأمرين، ومعنى فاعف عنّي أي: تجاوز عنّي تقصيري في العبادة وارتكابي للمعاصي.[٩]

والله -تعالى- عفوٌ مع القُدرة، وقال العُلماء: إنّ من معاني العفو؛ أن يأخُذ الإنسان من الناس ما سَهُل منهم، وأن يترُك ما وراء ذلك من الغِلظة، وهي من الصفات الحميدة.[١٠]

والعفو: هو التجاوز عن الذُّنوب، وقيل: إنّها مأخوذةٌ من عفت الريح الأثر؛ إذا أزالته، بمعنى مَن يصفح ويغفر، وهو جزءٌ من الإحسان، فمن عفا عن الناس عفا الله -تعالى- عنه، ومدح الله -تعالى- العافين في كثيرٍ من الآيات، كقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).[١١][١٢]

والعفو هو اسمٌ من أسماء الله الحُسنى، وعفو الله -تعالى- شاملٌ لجميع ما يصدُرُ من عباده من الذُّنوب في حال جاءوا بما يُسبّب العفو عنهم؛ كالتّوبة والاستغفار، لِقولهِ -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ).[١٣]

والعفو من صيغ المُبالغة؛ فالله -تعالى- لا يزال بالعفو معروفاً، كما أنّ من معاني العفو: الذي لا يتتبّع خطايا عباده، ولا يستوفيها منهم، بل يغفرها ويُزيلها عنهم جميعُها إن تابوا واستغفروا، ولا يُطالبُهم بها يوم القيامة، والعفو أبلغ من المغفرة؛ لأنّ المغفرة تكون للسّتر، والعفو يكون للمحو والإزالة.[١٤]

  • الكريم

والكريم هو الذي يعفو، وهي من الصّفات الحسنة؛ لأنّ الكريم يعفو عمّن ظلمه أو أساء إليه،[١٥] كما أنّ الكريم اسم من أسماء الله -تعالى- الحُسنى؛ وهو من الأسماء الجامعة لِكُلّ ما يُحمدُ، فهو الذي يعفو، ويوفي إذا وعد، وإذا أعطى زاد، وهو كثير الخير، والذي يُعطي ولا ينفذُ عطاؤه.[١٦]

  • تحب العفو

وفيه إثبات المحبّة لله -تعالى-، وأنّه يُحبُّ العفو أكثر من العُقوبة، ورحمتهُ سبقت غضبه، وفيها جواز التّوسل بأسماء الله -تعالى- وصفاته.[٩]

  • فاعف عنا

طلب العفو فيه اعترافٌ من العبد بالتقصير الكثير تجاه خالقه -تعالى-، وأنّ الله -تعالى- أولى بالعفو الكثير،[١٧] وفيه سؤال الله -تعالى- ودُعاؤه بمغفرة جميع الذُّنوب،[١٨] ومن معانيها: تجاوز عنّي ولا تُعاقبني على تقصيري في طاعتك أو ارتكابي لما حرّمت.[٩]

فضل هذا الدعاء وثمرته

إن لِدُعاء "اللّهم إنك عفوٌ تُحب العفو فاعف عني" الكثير من الفضل والثمرات، ومنها ما يأتي:[١٩]

  • استحباب طلب العفو من الله -تعالى- في جميع الأوقات، وخاصةً في ليلة القدر.[٢٠]
  • نيل الإنسان أهمُّ مطالبه؛ التّخلُص من ذُنوبه وطهارته منها،[٢١] وبالعفو ينال الإنسان الثواب والشرف الكبير؛ لِما في ذلك من اتّباع لما أمر الله -تعالى- به عباده من العفو والمُسارعة إلى الخير.[٢٢]
  • القُرب من الله -تعالى-، والإكثار من دُعائه بالعفو والمغفرة، حيثُ إن عفوه يشمل جميع خلقه وجميع الذُنوب إلا الإشراك به، لِقولهِ -تعالى-: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً).[٢٣][٢٤]

المراجع

  1. مناهج جامعة المدينة العالمية، أصول الدعوة، ماليزيا: جامعة المدينة العالمية، صفحة 407، جزء 1. بتصرّف.
  2. أحمد بن الحسين الخراساني، أبو بكر البيهقي (2009)، الدعوات الكبير (الطبعة الأولى)، الكويت: غراس للنشر والتوزيع، صفحة 154، جزء 2. بتصرّف.
  3. رواه ابن القيم، في أعلام الموقعين، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 4/249، صحيح.
  4. صهيب عبد الجبار (2013)، المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة، صفحة 346، جزء 13. بتصرّف.
  5. أحمد بن محمد بن حنبل (2001)، مسند الإمام أحمد بن حنبل (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 315-316، جزء 42. بتصرّف.
  6. مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير (1970)، جامع الأصول في أحاديث الرسول (الطبعة الأولى)،: مكتبة دار البيان، صفحة 324، جزء 4. بتصرّف.
  7. شحاتة محمد صقر، دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ، البحيرة: دَارُ الفُرْقَان للتُرَاث، صفحة 121، جزء 1. بتصرّف.
  8. شحاتة محمد صقر، الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فضلها ومعناها وكيفيتها ومواضعها والتحذير من تركها، مصر: مكتبة دار العلوم، صفحة 35، جزء 1. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ت محمد بن صالح العثيمين (2006)، فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (الطبعة الأولى)، السعودية: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، صفحة 309، جزء 3. بتصرّف.
  10. محمد بن صالح بن محمد العثيمين (1426 هـ)، شرح رياض الصالحين، الرياض: دار الوطن للنشر، صفحة 223-224، جزء 5. بتصرّف.
  11. سورة التغابن، آية: 14.
  12. حسين بن محمد المهدي (2009)، صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، اليمن: وزارة الثقافة -دار الكتاب، صفحة 585، جزء 1. بتصرّف.
  13. سورة الشورى، آية: 25.
  14. حسين بن محمد المهدي (2009)، صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، اليمن: وزارة الثقافة -دار الكتاب، صفحة 593-595، جزء 1. بتصرّف.
  15. حسين بن محمد المهدي (2009)، صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، اليمن: وزارة الثقافة -دار الكتاب، صفحة 589، جزء 1. بتصرّف.
  16. عدد من المختصين بإشراف الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي، نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم (الطبعة الرابعة)، جدة: دار الوسيلة للنشر والتوزيع، صفحة 3215، جزء 8. بتصرّف.
  17. أبو الحسن نور الدين الهروي (2002)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الفكر، صفحة 1442، جزء 4. بتصرّف.
  18. عبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي (1356)، فيض القدير شرح الجامع الصغير (الطبعة الأولى)، مصر: المكتبة التجارية الكبرى، صفحة 142، جزء 2. بتصرّف.
  19. حسين بن محمد المهدي (2009)، صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، اليمن: وزارة الثقافة -دار الكتاب، صفحة 618-619، جزء 1. بتصرّف.
  20. ابن الملقن (2008)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (الطبعة الأولى)، دمشق: دار النوادر، صفحة 600، جزء 13. بتصرّف.
  21. فيصل بن عبد العزيز الحريملي (2002)، تطريز رياض الصالحين (الطبعة الأولى)، الرياض: دار العاصمة للنشر والتوزيع، صفحة 675، جزء 1. بتصرّف.
  22. حسين بن محمد المهدي (2009)، صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، اليمن: وزارة الثقافة -دار الكتاب، صفحة 592-593، جزء 1. بتصرّف.
  23. سورة النساء، آية: 48.
  24. حسين بن محمد المهدي (2009)، صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، اليمن: وزارة الثقافة -دار الكتاب، صفحة 595، جزء 1. بتصرّف.
1292 مشاهدة
Top Down