بحث حول السيرة النبوية

بحث حول السيرة النبوية

تعريف بالسيرة النبوية

تُعرّف السيرة في اللُغة أنّها الهيئة أو الطريقة أو السُنَّة، وفي الاصطلاح هي الترجمة المأثورة لحياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، سواء كانت أقوالاً، أو أفعالاً، أو تقريراً، أو صفاتٍ خَلقيّة أو خُلقيّة، قبل البعثة أو بعدها، فتشمل حياته كُلها من ولادته حتى وفاته، وعند إطلاق لفظ السيرة النبويّة فإنّ المقصود منها سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- بجميع تفاصيلها في المرحلة المكيّة أو المدنيّة.[١]


ومن المؤلّفات في ذلك: السيرة النبويّة لابن إسحاق، والسيرة النبويّة لابن حزم، والسيرة النبويّة لابن عساكر، وغيرها، وتُسمّى بكُتب السيرة،[١] كما أنّ السيرة النبويّة تشمل حياة الصحابة الكرام الذين كانوا مع النبي -عليه الصلاة والسلام-، وجاهدوا معه، وتشمل أيضاً تاريخ انتشار الدين الإسلامي ودُخول الناس فيه.[٢]


يتلخّص مما سبق أنّ السيرة النبوية تعني حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ بأقواله وأفعاله وصفاته وتقريراته، منذ ولاته وحتى وفاته.


خصائص السيرة النبوية

إنّ للسيرة النبوية العديد من الخصائص، وهي كما يأتي:[٣]


ربانيّة المصدر

بمعنى أنّ صاحبها هو النبي -عليه الصلاة والسلام- المُرسل من الله -تعالى-، لقوله -سبحانه-: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً)،[٤] واختصّ النبيّ على غيره من الأنبياء بدعوته للنّاس كافة.[٥]


الثُبوت والصِحة

فقد ذكر القُرآن الكريم بعض جوانبها، كالإشارة إلى نشأته -صلى الله عليه وسلم-، ودعوته، وأخلاقه، وغزواته، كقوله -تعالى-: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)،[٦] وجاء الكثير منها في كُتب السُّنن والسِّير، ومما يُثبت صحّة جوانب السيرة الواردة في القُرآن قوله -تعالى-: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).[٧][٥]


الشُمول والكمال والمثالية

فقد وردت سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأدقّ تفاصيلها، وشملت جميع مراحل حياته من ولادته حتى وفاته، وقد ذُكرت بعض أحداثها باليوم والشهر والسنة، وكانت السيرة بعيدةً عن الأساطير والأوهام، حيث إن الرّسالة لم تُخرج النبيّ عن إنسانيته.[٥]


الوسطية واليُسر

فقد جاء الدين الإسلامي بالوسطيّة، لقوله -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)،[٨] وجاء بالتيسير على الناس، لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إنَّما بُعِثتم مُيَسِّرين ولم تُبْعَثوا مُعَسِّرين).[٩][٥]


الحفظ في الصدور والكتابة في السطور

حيث إنّ المُسلم يعرف كُل ما يتعلّق بنبيّه، فقد نقل الصحابة الكرام ومَن بعدهم سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بتفاصيلها، بما أعطاهم الله -تعالى- إيّاه من قوة الحفظ والذاكرة، بالإضافة إلى التدوين في السطور.[٣]


الوضوح في جميع المراحل وصدق الرسول

فإنّ حياة النبي -عليه الصلاة والسلام- واضحةٌ في جميع المراحل التي مرّت بها، وقد قال بعض الغربيّين: "إنّ محمداً -صلى الله عليه وسلم- هو الوحيد الذي وُلد على ضوء الشمس، لأنّ حياته كاملة سُجّلت بوضوحٍ ودقّة"، كما تظهر خاصية الدليل العملي على صدق الرسول من خلال الإنجازات التي مرّ بها في حياته، وقيادته الحكيمة، وانتشار دعوته.[٣]


يتلخّص مما سبق أنّ للسيرة النبوية عدّة خصائص؛ فقد حفظها الله تعالى من خلال حفظ الناس لها في الصدور، وكتابتها في الكتب والسطور، ومن خصائصها اليُسر والتوسّط، والوضوح والصدق، وهي ثابتة صحيحة، ومفصّلة كاملة.


مصادر السيرة النبوية

إنّ للسيرة النبويّة العديد من المصادر، وتنقسم إلى قسمين؛ الأول: المصادر الأصليّة؛ وهي: القُرآن الكريم، وكُتب الحديث النبويّ، وكُتب السيرة المُختصرة، وكُتب التواريخ العامة، وكُتب الشمائل والدلائل، أمّا القسم الثاني فهو المصادر التكميليّة: وهي كُتبٌ لا تختصّ بالسيرة، لكنّها تتناول موضوعاتٍ تُفيد في دراسة السيرة، مثل كُتب التراجم، والرِّجال، والأنساب، والفقه، ودواوين الأدب، وغير ذلك من الكُتب التي تذكر جُزءاً من سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-،[١٠] وفيما يأتي ذكر أهمّ مصادر السيرة النبوية:


القُرآن الكريم

يُعدّ المصدر الأوّل من مصادر السيرة؛ فهو كلام الله -تعالى- المُنزل على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويتضمّن بيان العقيدة الإسلاميّة، وآيات الأحكام المُهمّة في التشريعات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، كما أنّ فيه ذكرٌ لبعض المعارك والغزوات؛ كغزوة بدر، وأُحد، وغيرها، وفيه تصويرٌ دقيقٌ للصّراع بين المُسلمين وغيرهم في الحجاز، ويُمكن الاستعانة ببعض مصادر التفسير لبيان المعاني المقصودة من الآيات.[١١]


كُتُب الحديث

حيث إنها تُخصّص قسماً للمغازي والسّير؛ كصحيح البُخاريّ، كما أنّ كُتب الحديث تذكر بعض الشمائل أيضاً، وتكون موزّعةً في أبواب العبادات، والمُعاملات، والأخلاق، والآداب، والزُّهد، والرّقاق.[١١]


كُتُب الشمائل

هي الكُتب التي تهتمّ بذكر أخلاق النبي -عليه الصلاة والسلام-، وعاداته، وفضائله، وآدابه، وسُلوكه، وكُل شيءٍ يخصّه؛ كطعامه وشرابه، ولباسه، وأدواته، وسلاحه، ومن الكُتب المُستقلّة في هذا الموضوع؛ كتاب "صفة النبي -صلى الله عليه وسلم-" لأبي البُختري وهب بن وهب الأسدي، وكتاب "الشمائل المُحمديّة" لداود بن علي الأصبهاني، وغيرها.[١٢]


كُتب الدلائل النبويّة

هي التي تتحدّث عن المُعجزات والدلائل القاطعة لصدق وصحّة النبوّة، ويندرج تحت موضوع علم الدلائل أكثر عُلوم السيرة؛ كالشمائل، والمُعجزات المعنوية والمادية، والمغازي، وغير ذلك، وقد عدّ بعض العُلماء صفات النبي -عليه الصلاة والسلام- الخَلقية والخُلقية الظاهرة والباطنة وجميع شمائله هي باب الدلائل على نبوّته، وتنقسم الدلائل النبوية إلى: دلائل معنويّة: كالقُرآن الكريم، وأخلاقه -عليه الصلاة والسلام-، ودلائل حسيّة: كانشقاق القمر، ونبع الماء بين أصابعه، وغير ذلك من المُعجزات.[١٢]


ومن الكُتب المؤلفة في هذا الباب، كتاب "دلائل النبوة" لمُحمد بن يوسف الفريابي، وكتاب "أعلام النبوّة" للمأمون العباسيّ، أمّا الخصائص النبويّة، فتُقسم إلى: خصائص لا يُشاركُه فيها أحد، وخصائص يُشاركُه فيها بعض الأنبياء والرُسل، وقد ذكر الإمام الشافعي بعض هذه الخصائص في كتابيه: أحكام القُرآن، والنكاح.[١٢]


كُتب المغازي والسِّير

وتُعنى بغزواته وحُروبه -صلى الله عليه وسلم-، حيث كان أبناء الصحابة يسألون آباءهم عن الغزوات والشهداء، كما كان بعض الولاة يسألون العُلماء عنها عن طريق مجالس خاصّة كانت تُدار حول الغزوات، وكان العُلماء يعتمدون عليها في كتابة الحديث؛ لدقّتها وصحّتها، وكُتبت كُتب المغازي والسِّير في وقتٍ مُتأخّرٍ بعد أن كانت تُنقل بالمُشافهة.[١٢]


يتلخّص مما سبق أنّ للسيرة النبوية عدّة مصادر، فهناك العديد من الأحداث التي ذكرها الله في كتابه الكريم عن حياة نبيّه الكريم، بالإضافة إلى كتب الأحاديث التي عُنيت ببيان ذلك، وكتب الشمائل المحمدية، وكتب السّير والمغزي.


أهمية السيرة النبوية

إنّ لدراسة السيرة النبويّة أهميةً كبيرةً، وفيما يأتي ذكر بعضها:

  • طريقٌ من طرق الفلاح في الدُّنيا والآخرة، ونيل رضا الله -تعالى-، والناس بحاجةٍ إلى معرفة تفاصيل حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ليهتدوا بهديه في حياتهم.[١٣]
  • بيان القيم العُليا والفضائل في حياة النبي -عليه الصلاة والسلام-، كما أنّ معرفة السيرة طريقٌ للاقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، لقول الله -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)،[١٤] حيث تتضمن السيرة عباداته، وجهاده، وجميع حياته.[١٥]
  • بيان صدق النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأنّه المثل الأعلى لكلّ شأنٍ من شؤون الحياة، لقوله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)،[١٦] وسيرته هي الزّاد الذي يُفهم من خلاله القُرآن الكريم والمقصود من آياته.[١٧]
  • بيان عِظم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وصحابته الذين حملوا همّ الدعوة معه، وكيفية انتشار الإسلام في الأرض، بالإضافة إلى أنّ دراسة السيرة واتّباعها والعمل بما جاء فيها عبادة.[١٨]
  • بيان طُرق التربية والتعليم من خلال مواقف النبي -عليه الصلاة والسلام- في حياته، فقد كان مُعلماً ومُربياً فاضلاً.[١٩]


يتلخّص مما سبق أنّ للسيرة النبوية أهمية كبيرة جداً، فبها يتعرف الناس على حياة نبيّهم، ويقتدوا به، فقد تضمّنت السيرة تفاصيل حياته وما حثّ عليه وما أمر به، بالإضافة إلى أنّها تبيّن للناس فضل النبيّ وعظم شخصيته وأخلاقه؛ حتى يسيروا على نهجه.


المراجع

  1. ^ أ ب محمد بن محمد العواجي، أهمية دراسة السيرة النبوية والعناية بها في حياة المسلمين، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، صفحة 6-7. بتصرّف.
  2. منير محمد الغضبان (1992)، فقه السيرة النبوية (الطبعة الثانية)، مكة المكرمة: جامعة أم القرى، صفحة 13. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت سعد المرصفي (2009)، الجامع الصحيح للسيرة النبوية (الطبعة الأولى)، الكويت: مكتبة ابن كثير، صفحة 82-104، جزء 1. بتصرّف.
  4. سورة الأعراف، آية: 158.
  5. ^ أ ب ت ث محمد بن محمد العواجي، أهمية دراسة السيرة النبوية والعناية بها في حياة المسلمين، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، صفحة 7-10. بتصرّف.
  6. سورة الضحى، آية: 6-8.
  7. سورة فصلت، آية: 42.
  8. سورة البقرة، آية: 143.
  9. رواه الألباني، في صحيح أبي داود، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم: 380، صحيح.
  10. ضيف الله بن يحي الزهراني، مصادر السيرة النبوية، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، صفحة 3. بتصرّف.
  11. ^ أ ب أكرم ضياء العمري (1994)، السِّيرةُ النَّبَويَّةُ الصَّحيْحَةُ مُحَاوَلَةٌ لِتَطبِيْقِ قَوَاعِدِ المُحَدِّثيْنَ فِيْ نَقْدِ روَايَاتِ السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ (الطبعة السادسة)، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، صفحة 47-50، جزء 1. بتصرّف.
  12. ^ أ ب ت ث محمد أنور بن محمد علي البكري، مصادر تلقي السيرة النبوية، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، صفحة 32-45. بتصرّف.
  13. عبد الرحمن بن صالح المحمود، دروس للشيخ عبد الرحمن صالح المحمود، صفحة 3، جزء 25. بتصرّف.
  14. سورة الحشر، آية: 7.
  15. محمد أنور بن محمد علي البكري، مصادر تلقي السيرة النبوية، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، صفحة 9-11. بتصرّف.
  16. سورة الأحزاب، آية: 21.
  17. محمد بن مصطفى بن عبد السلام الدبيسي (2010)، السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية، القاهرة: جامعة عين شمس، صفحة 1-2، جزء 1. بتصرّف.
  18. منير محمد الغضبان (1992)، فقه السيرة النبوية (الطبعة الثانية)، مكة المكرمة: جامعة أم القرى، صفحة 14-15. بتصرّف.
  19. مركز قطر للتعريف بالإسلام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التعريف بالإسلام، صفحة 175. بتصرّف.
734 مشاهدة
للأعلى للأسفل