تحليل رواية كتاب الضحك والنسيان

تحليل رواية كتاب الضحك والنسيان

التحليل الموضوعي لكتاب الضحك والنسيان

كتاب الضحك والنسيان من الروايات ذائعة الصيت للكاتب والروائي الفرنسيّ من أصل تشيكي "ميلان كونديرا"، صدرت الرواية في فرنسا عام 1979م باللغة التشيكية، ونقلها للعربية المترجم المغربي محمد التهامي العماري، وهو ناقد أدبيّ ومُترجم حاصل على دكتوراه الدولة في النقد المسرحيّ، وتقع الرواية في سبعة فصول كلّ فصل منها مجزّأ إلى عددٍ من المقاطع القصيرة، ويعمد كونديرا إلى تجزيء النص لعدد من الأسباب منها تنشيط ذهن القارئ في ملاحقة الأحداث المتدفقة والتي ليست بالضرورة مُتعاقبة.[١]

الرواية هي متتالية حكائية من النثرالتركيبيّ تستعرض شخوصًا مختلفين في كل فصل، وسرعان ما يلحظ القارئ أنّ موضوعات الاغتراب والموت والنبش عن الماضي تلقي بظلالها على حيواتهم وتشدّهم إلى مصير مجهول، وتشترك كلّ الشخصيات بتقاطعاتها مع جملة الأحداث السياسيّة والتاريخيّة التي عصفت بالتشيك بدءًا من الحرب العالمية الأولى ثم اجتياح الجيوش الألمانية لبوهيميا عام 1939م.[١]

ثم دخول الدبّابات الروسية عام 1945م وإطاحتها بربيع براغ ومحاولات دمقرطة سياسات الدولة آنذاك، انتهاءً إلى عام 1969م؛ حيث تسلّم الحزب الشيوعي التشيكي الموالي لروسيا مقاليد الأمور، وحكمَ البلاد حكمًا شموليًا لاحق التشيكين المعارضين وأطبق على حيواتهم بين فكي الموت والمنفى.[٢]


التحليل الأسلوبي لكتاب الضحك والنسيان

إنّ رواية كتاب الضحك والنسيان لا تتّبع النمط التقليديّ المُتعارف عليه للرواية من تسلسُل الأحداث وترابطها، كما لا يسهل قصرها على تصنيفٍ بعينه من قبيل الأدب السياسي أو الفلسفي أو الساخر، وكل جزء يصلح أن يكون بنية روائيّة مُستقلّة، وقد آثر ميلان أن يصنعَ تراكيب كولاجية متجاورة تُجسّد اللحظات الفارقة والمؤسسة لمعاناة شخوصه ويجمعها في تنويع لحنيّ مُتعدّد الأصوات ينطوي على تيمات مشتركة[٣]

وتمزج الرواية بين الأسلوب المقالي الساخر والسرد الروائي والتحليل الفلسفي والسيرة الذاتية والحقائق التاريخية والشطحات الفنتازية أمّا الأحداث التي تبدو ظاهريًا مُتباينة ومنفصلة على طول الفصول، فهي مُتّصلة في عمقها ببطانة واحدة تعرض موضوعات الاغتراب والحنين والنبش عن الماضي، كأنّهم الأبطال المجردين للرواية؛ إذ يتناوبون على أقنعة من أزمنة وأمكنة مختلفة.[٤]

وتمزج الرواية بين المجال الخاص والعام؛ إذ نرى كل الشخوص كانت تحت وطأة الأحداث السياسة التي وضعتها وجهًا لوجه مع المعضلات الوجودية، والرواية لا تستند على حقائق مطلقة كما لا تسعى إلى إقرار أي شيء، بل تضع القارئ في مواجهة الأسئلة الوجودية ذاتها التي يواجهها شخوص الرواية.[٤]


الاستعارة والصور الفنية لكتاب الضحك والنسيان

في الفصل الأول المُعَنون بـ "الرسائل الضائعة"، نجد هذه الصورة الفنية "أنف زدينا يخيّم على حياته" وهي استعارة تصريحية حذف فيها المشبه به، وهو السحابة الضخمة التي تصبغ حياة ميريك بألوان الحيرة، فهو يُجهد نفسه لمحو آثارها من مُخيّلته.[٥]

كما مسحت شعبة الدعايا صورة كليمانتس من أرشيف الصور التي جمعته غوتوالد الزعيم الشيوعي حين أهداه قبعته في ليلة باردة أثناء خطبته من شرفة أحد القصور الباروكية في براغ، وهنا يُشبّه كونديرا محاولات ميريك للفكاك من زدينا بما فعلته شعبة الدعايا بآثار كليمانتس عقب إعدامه.[٥]

في الفصل الرابع المعنون بـ"الرسائل المفقودة" نرى هذه الصورة "وخشيت أن تحمل معها زوجها مدى الحياة مثل حقيبة يد" وهو تشبيه مجمل حذف منه وجه الشبه وهو الملازمة فبعد أن أحرقت تامينا رفات زوجها آثرت أن تذروها في الريح على أن تحتفظ بها.[٦]

أمّا في الفصل الثاني المُعَنون بـ "ماما"، نرى المزيد من الصور البلاغية منها: "فأمسكها كلّ واحد من ذراع واضطرا لحملها، وإلا كانت الريح جرفتها" وهي استعارة تمثيلية شبّهت بها ضآلة جسم أم كاريل وتقلُّب أحوالها بالريشة التي خفّ وزنها فتحملها الريح وتلقيها أينما شاءت.[٦]

وهناك صورة بديعة أخرى في الفصل ذاته وهي: "ماما وعالمها الذي يُشبه إجاصة حطت عليها دبابة روسية أشبه بدعسوقة"، وشبّه عالم الأم بالإجاصة كناية عن انسحابها إلى ذاتها بعيدًا عن مشاغل الحرب، وشبّه الدبابة الروسية بالدعسوقة كناية عن صغر هول هذه الأحداث مقارنة بما يعتمر في رأس أم كاريل.[٦]


الحوار والسرد في كتاب الضحك والنسيان

إنّ النّسق الروائيّ لكتاب الضحك والنسيان يميل إلى تغليب الحوار الداخلي لشخوص الرواية، وهو حوار ذو طابع فلسفيّ مُتعالٍ يكشف عن مكنونات النفس البشرية إزاء المعضلات الوجودية، كما يتبنّى لغة موسيقيّة بعيدة عن التعقيد اللغويّ، لكنها غنيّة بمرموزاتها وحمولتها الدلالية، كما يُهيمن الراوي العليم على مجرى السّرد كاشفًا ومضات العوالم الداخلية لشخوصه وانطبعاتهم عن حيواتهم المستلبة المطبوعة بالاغتراب وحلم العودة إلى الأصل.[٧]


شخصيات كتاب الضحك والنسيان

أشرنا سابقًا إلى أنّ شخوص كتاب الضحك والنسيان لا تجمعها عقدة روائيّة أو الحبكة ذاتها، إذ إنّ كلّ فصل يصلح أن يكون مشروعًا روائيًا منفصلًا، غير أنّ هذه الشخصيات تتوحّد في مُعاناتها الوجودية إثر الاضطرابات السياسيّة المُتوالية التي عصفت بالبلاد.[٦]

  • ميريك: من شخصيات الفصل الأول، يُحاول استرداد رسائله القديمة من عشيقته السابقة التي مضى على علاقته بها خمسة وعشرون عامًا.
  • زدينا: من شخصيات الفصل الأول، وهي عشيقة ميريك القديمة التي حافظت على ولائها للحزب الشيوعي.
  • ماركيتا: من شخصيات الفصل الثاني، تجمعها وزوجها علاقة مريبة بإيفا.
  • كاريل: من شخصيات الفصل الثاني، يُحاول التخلص من سطوة أمه إلى أنه يشفق لحالها في نهاية المطاف بعد تقدمها في العمر.
  • إيفا: من شخصيات الفصل الثاني، وهي امرأة متمردة لا تعترف إلا بالشهوة والصداقة ولا تقيم وزنًا للمواضعات الاجتماعية.
  • غابرييل وميشيل: وهما من شخصيات الفصل الثالث واللتان تحاولان فهم رمزية مسرحية وحيد القرن لأوجين يونيسكو.
  • السيدة رافاييل: من شخصيات الفصل الثالث، وهي معلمة غابرييل وميشيل والتي تُدرّبهما على المسرحية.
  • تامينا: من شخصيات الفصل الرابع، تُحاول جاهدة استعادة مذكراتها من بيت حماتها.
  • هيجو: من شخصيات الفصل الرابع، تلجأ له تامينا في مساعدتها لاسترداد مذكراتها.
  • كريستينا: من شخصيات الفصل الخامس، تعيش في قرية صغيرة مع زوجها الجزار وابنها، تُقيم علاقات غير شرعية مع رجال آخرين.
  • يان وإدفيج: وهما من شخصيات الفصل السابع، يان يبلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا وتجمعه علاقة غرامية بالشابة إدفيج.


آراء النقاد حول كتاب الضحك والنسيان

تتنوّع آراء النقاد حيال كتاب الضحك والنسيان، فبعضهم يراها تطويرًا لشكل الرواية المُعتاد، والبعض الآخر لا يُصنّفها ضمن فنّ الرواية.[٦]

  • تستوقف قارئ الآثار الإبداعية للتشيكي ميلان كونديرا: خاصيّة أساسية تتمثل في التقاطع بين كتابتين؛ كتابة الرواية وكتابة نقدها، قد يرى إلى هذا التقاطع في ضوء الاعتبار الذي يقر بأنّ الإبداع يعتمد في تشكله على فعل التخييل، إنّ الرواية لدى كونديرا بحث فكريّ وفلسفيّ وفنيّ.[٦]
  • لا يعمل كونديرا على تطوير الثيمات التي طرحها في هذا العمل من خلال بنية العمل الروائي: فيكتفي بالاستطراد والإسهاب عبر تأملات فكرية، أو مقالات، ووقائع تاريخية تسهم في خلخلة البنية الروائية للعمل، وتُقدّم للقارئ شخصيات سطحية في تفكيرها وسلوكها مفتقدة للعمق النفسي والثراء الروحي، وخصوبة التجربة، يُمكن نسيانها بسهولة بعد مرور وقت على قراءة هذا الكتاب.[٨]
  • لا يُغيب الجنس أو استعمال المشاهد الحافلة بالجنس عن هذا الكتاب: فهو لا يترك أيّ نوع دون أن يحشره في متن العمل بأجزائه السبعة.[٨]


الخلاصة

إنّ الرواية لا تتبع النمط التقليديّ المُتعارف عليه في الروايات من تسلسل الأحداث وترابطها، وتقع في فصول سبعة يحوي كل فصل حبكة مختلفة ظاهريًا عن الفصول الأخرى، لكن تتوحّد الشخصيّات في معضلاتها الوجودية ومُعاناتها إزاء التقلبات السياسية في التشيك.

المراجع

  1. ^ أ ب "The Book of Laughter and Forgetting by Milan Kundera (1978)", astrofella, Retrieved 7/9/2021. Edited.
  2. "the book of laughter and forgetting summry", shmoop, Retrieved 7/9/2021. Edited.
  3. "Philip Roth interviews Milan Kundera (30/11/1980)", kundera, Retrieved 7/9/2021.
  4. ^ أ ب "The Book of Laughter and Forgetting", The Book of Laughter and Forgetting, Retrieved 9/9/2021. Edited.
  5. ^ أ ب ميلان كونديرا، كتاب الضحك والنسيان، صفحة 30.
  6. ^ أ ب ت ث ج ح Milan Kundera (1979), The Book of Laughter and Forgetting, Page 40.
  7. فهد حسين (2008)، أمام القنديل حوارات في الكتابة الروائية، صفحة 101. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "رؤية في كتاب "الضحك والنسيان""، انكتاب، اطّلع عليه بتاريخ 7/9/2021.
8 مشاهدة
للأعلى للأسفل