تعبير بر الوالدين

تعبير بر الوالدين

المقدمة: رضا الله في رضا الوالدين

إنّ رضا الوالدين على أبنائهم يقود إلى رضا الله عز وجل، والله عز وجل يبارك ويرضى عن الابن البار بوالديه، كما يكون بره بوالديه سببًا في دخوله الجنة، ولا يقتصر البر على الأولاد دون البنات، أو البنات دون الأولاد، أو الصغار دون الكبار أو الكبار دون الصغار، وإنما يتوجب عليهم جميعًا أن يبروا بوالديهم على حد سواء، ويقدمون لهم الرعاية والخدمات اللازمة دون كلل أو ملل أو تأفف، كما أنّ للآباء حقًّا في أولادهم المتزوجين سواء بالمال أم المجهود أم الوقت، فلا يتحجج أحدهم في انشغاله بعمله أو زوجته وأبنائه.


العرض: كن خادم أمك وأبيك

يتوجب على الأبناء خدمة أبويهم، وتقديم الرعاية للوالد كما يقدمانها للوالدة حتى وإن كان الأولاد غير قادرين على الإنفاق على أنفسهم، وإنه ليتوجب على الأبناء المقتدرين مساعدة آبائهم، وفي حال كانوا غير مقتدرين فالله سيبارك لهم في أموالهم ويعطيهم من الخير الكثير، ونحن نرى اليوم العديد من الأبناء الذين يتخلون عن آبائهم ولا يصبرون عليهم ويدّعون الفقر والحاجة، وأنهم غير قادرين على إطعامهم أو شراء الدواء لهم ورعايتهم فيلقون بهم في مأوى العجزة أو يتخلون عنهم، وفي هذا ظلم كثير للأبوين ولأنفسهم.


كثيرًا ما يقوم الابن العازب بخدمة والديه ورعايتهم، وما إن يُقرّر الزواج ويجد العروس المناسبة حتى يشترط عليها رعاية أبويه والعيش معهما، وتوافق المرأة في بداية الأمر ولكنها ما تلبث أن تشعر بالملل والضيق، وعندها تطلب من زوجها ترك والديه أو العيش بعيدًا عنهما، وكثيرًا ما يستجيب الرجل طوعًا أو كراهية، ولكنه لا يعلم أنّه خسر الكثير مقابل متاع الدنيا، ومن المعلوم أنّ الزوجة الصالحة هي التي تُعين زوجها على برّ الوالدين وإنّ الله عز وجل سيبارك في صحتها وأبنائها ويرسل لها الكثير من الخير .


لا ينبغي أن يكتفي الأبناء بالإنفاق على والديهم وتوفير الطعام والشراب والدواء فقط، وإنما يتوجب عليهم أيضًا مساعدة أبويهم في شؤونهم وأعمالهم؛ مثل مساعدة الأم في الأعمال المنزلية والتخفيف من أعباء العمل، أو القيام بطهو الطعام بدلًا منها، كما يتوجب على الأبناء مساعده الوالد في عمله سواء أكان خارج المنزل أم داخله، وحمل الأغراض عنه ومساعدته والمشي معه إلى السوق لشراء الحاجيات، بالإضافة إلى مُرافقته إلى المسجد في حال كان ضريرًا أو عاجزًا عن المشي لمسافات طويلة.


كثيرًا ما يكون الأبناء والبنات منشغلين لدرجة أنهم لا يستطيعون القيام بالأعمال المنزلية أو تقديم الخدمات اليومية لوالديهم، ولكنهم يقومون بإحضار العديد من الأدوات الكهربائية المساعدة التي يمكن أن تُسهّل الأعمال اليومية على الأبوين وخاصة الأم، كما يُمكن تعاون الأبناء في ما بينهم وتوفير خادمه أو ربّة منزل أو ممرضة من أجل العناية بهم في وقت غياب الأبناء عن المنزل وتقديم الدواء لهم في مواعيده والقيام بالأعمال المنزلية ورعايتهم، وخوفًا من حدوث طارئ لا قدر الله في حال كان الوالدان كبارًا في السن.


في حال تعرض أحد الوالدين لوعكة صحية شديدة أو الإصابة بأحد الأمراض التي قد تُصبح دائمة مثل: أمراض السكري والضغط وانسداد الشرايين أو أمراض القلب، وفي هذه الحالة ينبغي إيلاء الأهمية الكبرى لهم ومرافقتهم إلى الطبيب أو المستشفى بشكل دوري، وتوفير الأدوية الملائمة والقيام بعمل نظام صحي غذائي خالٍ من المواد الضارة؛ فعلى سبيل المثال يحتاج مرضى السكري إلى حميات خاصة ونظام غذائي مُحدّد كي لا تتفاقم الحالة عند المريض.


كما أنه يتوجب على الأبناء توفير الأدوات الصحية المساعدة على تلك الأمراض مثل: أجهزة قياس الضغط وأجهزة قياس فحص السكري وجهاز قياس سرعة نبضات القلب كل بحسب قدرته وإمكانياته. يتوجب على الأبناء أيضًا إعانة والديهم على القيام بالعبادات مثل الوضوء والصلاة وقراءة القرآن وأداء الصدقات ودفع الزكاة، كما يتوجب عليهم توفير المال اللازم لإرسالهم في رحلة الحج أو العمرة، ويُمكن مرافقتهم في السفر بسبب تقدُّمهم في العمر وعدم قدرتهم على خدمة أنفسهم.


وفي حال كان أحد الأبوين متوفّيًا فينبغي التصدق عنه وقراءة القرآن والدعاء له في كل صلاة وفي كل وقتٍ وحين، وهذا أيضًا من أنواع البر بالوالدين، كما يجب ألّا ينسَ الأبناء زيارة أصدقاء والديهم والسؤال عنهم، وفي حال كانوا كبارًا في السن وعاجزين فلا بأس من تقديم بعض الخدمات لهم.


إنّ خدمة الرجل لوالديه لا تُعيبه ولا تُقلّل من قيمته، وإنما ترفع من قدره عند الله عز وجل وبين الناس، كما أنّ الابنة المتزوجة لوالديها الحق في رعايتها وزيارتها لهم حتى لو منعها زوجها عن برّ والديها، فإنه يتوجب عليها خدمتهم ورعايتهم بما يُرضي الله، كما يمكنها الوصول إلى طريقة لإقناع زوجها بذلك بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، وإنه ليتوجب على الأبناء المتزوجين عند زيارة والديهم عدم إثارة الفوضى وإزعاجهم وإنما التنبيه على الأبناء بأن يكونوا مسالمين وهادئين، والحرص على تنظيف المنزل قبل انتهائهم من زيارة والديهم.


الخاتمة: بر بوالديك ليبر بك أبناؤك

إن بِرّكَ بوالديك سيدفع أبناءَك لأن يكونوا بارّين بك، إذ سيقوم أبناؤك بتقليدك في خدمة والديكَ وسيرعون شؤونك كافة، كما أنّهم سيقدمون لك ما قدّمته لوالديك من برّ وإحسان واهتمام، ولكن الابن العاق لن يجد من أبنائه إلا عقوقًا وقسوة وقلة احترام وعدم اهتمام، فالخير لا يعود على أصحابه إلا بالخير، والشر لا يعود عليهم إلا بالشر، وكلّ ساقٍ سيُسقى بما سقى، وقد كثرت مؤخّرًا في بلاد المسلمين أماكن إيواء العجزة، وإنني لأسأل الله لي ولكم العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وأن يرزقكم أبناءً صالحين يتبعون شريعة الله عز وجل.

2953 مشاهدة
للأعلى للأسفل