تعريف شعب الإيمان

كتابة - آخر تحديث: ١٥:٥٧ ، ٤ أغسطس ٢٠٢٠
تعريف شعب الإيمان

تعريف شعب الإيمان

يُعرف الإيمان في اللغة؛ بأنه مطلق التصديق، ويعرّف اصطلاحاً؛ بالتصديق المخصوص بخمسة أركان، وهي التصديق بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره، وشره،[١] وأما الشُعب لغةً؛ فهي أجزاء الشيء الذي يتكون منها، وشعب الإيمان؛ هي أجزائه المكوّنة له،[٢] والإيمان كالشجرة الطيّبة المثمرة التي تُخرج ثمرها كل حين، وللإيمان شعب كثيرة أخبرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأنها بضعة وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة كما جاء في رواية الإمام البخاري، قال -عليه السلام-: (الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ).[٣][٤]


ولا سبيل لانطلاق شعب الإيمان من قلب المسلم إلّا بتمام الإيمان في قلبه، وسطوع نوره خالصاً من الرياء، وأن يكون المسلم على علم ومعرفة بشعب الإيمان، وحتى يصل المسلم إلى هذه المرتبة الرفيعة في الإيمان لابد له من مجاهدة نفسه، والإكثار من الطاعات؛ كالحرص على تلاوة الأذكار، وقراءة القرآن، ومدارسة العلم، والتوجّه إلى الله -تعالى- بشتّى أنواع العمل الصالح، وقد حاول عدد كثير من الناس إصلاح فروع الإيمان وأجزاءه، وتركوا أصل الإيمان، وأمّا الصالحون العالمون بالله -تعالى- فإنهم يشتغلون بإصلاح أصل الإيمان وتزكيته، ولا ينسون معالجة فروع الإيمان.[٤]


والإيمان متضمّنٌ لأعمال معيّنة لا بُدّ للمسلم من القيام بها، ونواهي لا بُدّ للمسلم من اجتنابها والابتعاد عنها، وفي مقدّمتها كبائر الذنوب والمعاصي، وقد تحتوي بعض شعب الإيمان على فروع متعدّدة، ومن ذلك حفظ المسلم للسانه؛ فإنّ فيه ما يزيد على عشرين فرعاً، وتحصين المسلم لفرجه عن الحرام يدخل فيه صيانته عن الزنا؛ فالإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والمنكرات، والأعمال الصالحة دليل على الإيمان في قلب العبد، كما أنّ الأعمال الباطلة دليل على الكفر أو الضلال، فالأعمال الصالحة الظاهرة، والإيمان الباطن بينهما ارتباط لا ينفك،[٤] وكل طاعة أمر من أوامر الله -تعالى- يفعلها المسلم متّبعاً فيها القرآن أو السنّة النبوية تُعدّ من شعب الإيمان، وكذلك ترك جميع المعاصي المنهي عنها من شعب الإيمان أيضاً.[٥]


عدد شعب الإيمان

يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- موضّحاً عدد شعب الإيمان: (الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً)،[٦] وقد اشتهر هذا الحديث عند العلماء باسم حديث الشعب، وقد أولاه أهل العلم عناية خاصة؛ فمن العلماء من خصّ هذا الحديث بكتاب مستقل، كالإمام البيهقي- رحمه الله- في كتابه المسمى بشعب الإيمان، وسبقه في ذلك الإمامان الحليمي، وابن حبان -عليهما رحمة الله-، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ العدد الوارد في الحديث لا يتعلّق بمفهوم خاص، وإنّما هو على سبيل التكثير، وقد وجد هذا في لغة العرب كثيراً، خصوصاً في الرقم سبعة ومضاعفاته، وقال بعض العلماء: إنّ العدد الوارد في الحديث مقصود لذاته، والمقصود أنّ عدد شعب الإيمان يبلغ بضع وسبعين، أو بضع وستين شعبة، وقد اعتنى عدد من العلماء بحصر هذه الشعب.[٧]


كيفية معرفة شعب الإيمان

أظهر الإمام ابن حبان -رحمه الله تعالى- عناية وحرصاً شديدين بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شعب الإيمان، وأنّ عددها بضع وسبعون شعبة، وقال: إنّ البضع يطلق على الأعداد من ثلاثة إلى تسعة، وبناءً على ذلك يمكن أن يبلغ عدد شعب الإيمان تسع وسبعين شعبة، وعدد الطاعات التي ذكرها الله -تعالى -في القرآن وبيَّن أنّها من الإيمان لا تبلغ بضعاً وسبعين، وكذلك عدد الطاعات التي جعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإيمان لا تبلغ ذلك، ولكن بجمع الطاعات الواردة في القرآن الكريم مع الطاعات الواردة في السنّة النبويّة، وترك المكرّر منها يصل العدد إلى تسع وسبعين شعبة.[٨]


وقد وافق الإمام ابن حبان في هذا الرأي ما قرر الإمام البيهقي في كتابه شعب الإيمان، حيث عدّد شعب الإيمان في كتابه، وأوصلها إلى تسع وسبعين شعبة، ويقول الإمام ابن حبان -رحمه الله تعالى-: فعرفت أنّ مقصود النبي- -صلى الله عليه وسلم- في حديث شعب الإيمان، هو أنّ الإيمان يتكون من بضع وسبعين شعبة مما ورد في الكتاب العزيز والسنّة النبويّة، وقد بيَّن الإمام ابن حبان هذه المسألة في كتاب وصف الإيمان وشعبه،[٨] ولا يجب على المسلم معرفة هذه الشعب بعينها، ولا ينقص جهلها من الإيمان؛ فللإيمان أصول وفروع معروفة محقّقة، ولكن يجب الإيمان بعددها جملة كما ورد في الحديث، وأمّا تفصيل أصول الإيمان وتعيينها بعدد معيّن يحتاج إلى توقيف.[٩]


تعداد بعض شعب الإيمان

بيَّن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنّ أفضل شعب الإيمان، وأعلاها قدراً هو توحيد الله -تعالى- الواجب على كل إنسان -كما ذكر في الحديث السابق-، والتوحيد هو القاعدة الأساسيّة لشعب الإيمان؛ فصلاح شيء من شعب الإيمان متوقّف على صلاح التوحيد وتمامه، وأمّا أقلّ شعب الإيمان مرتبة؛ هي إماطة الأذى عن طريق المسلمين، ودفع ما يضرّهم، وينحصر بين أعلى مرتبة من شعب الإيمان وأدناها عدد من الشعب يستطيع المجتهد حصره وتحصيله بشدّة التتبع، ورجحان الظنّ.[١٠]


التوحيد

جعل النبي- صلى الله عليه وسلم- أعلى شعب الإيمان، وأرفعها مرتبة شهادة أن لا إله إلا الله، وهي شهادة التوحيد؛ فالتوحيد هو الاعتقاد بالعقل والقلب، والقول باللسان، والعمل بالجوارح والأركان؛ فاعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارج جميعها تندرج في نوع واحد من العمل المؤدّي إلى توحيد الله -تعالى-؛ فالتوحيد المنسوب إلى القلب هو نفس التوحيد المنسوب إلى اللسان أو الجوارح،[١١] ويشترط في شهادة التوحيد أن يقولها المسلم خالصة لله -تعالى-، صادقاً بها من قلبه، متيقّناً بها، ومطمئنّاً إليها، وليس المراد من شهادة التوحيد مجرّد التلفظ بها فقط، وإنّما العمل بما اقتضته من أوامر ونواهي، وأعمال الناس تتفاضل حسب درجة صدقهم ويقينهم بها؛ فأعلى الناس إخلاصاً وصدقاً لله -تعالى- ينال بعمله الدرجات العُلى، وكلمة التوحيد تشتمل على نفي جميع الآلهة الباطلة التي تُعبد من دون الله -تعالى-، ومن ذلك أيضاً إثبات العبودية لله -تعالى- وحده لا شريك له؛ فكلمة التوحيد هي الحد الفاصل بين الجحود والإسلام، وبين أصحاب الجنّة وأصحاب النار.[١٢]


إماطة الأذى عن الطريق

إماطة الأشياء المؤذية عن المسلمين، وإبعادها عن طرقهم هي إحدى الأمور التي ندبت إليها الشريعة الإسلامية، وحثّت المسلمين عليها، وقد عدَّها النبي -صلى الله عليه وسلم- من جملة شعب الإيمان، وقد بيَّن أنّ إبعاد الأذى عن طريق المسلمين سبب لدخول الجنّة، ونهى -عليه الصلاة والسلام- عن إيذاء المسلم لغيره من المسلمين، وأمر المسلم بإزالة الأذى عن أخيه المسلم؛ لأنّ كل منهما مرآة للآخر،[١٣] وإزالة الأذى من الأعمال الصالحة التي تقرّب المسلم إلى الله -تعالى-، وهي سبب لنيل مغفرته سبحانه؛ فعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي بطَرِيقٍ وجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ علَى الطَّرِيقِ فأخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ له فَغَفَرَ له)،[١٤] ويدخل في إماطة الأذى رفع حجر عن طريق المسلمين، أو معاونة أهل المنطقة في تنظيف المكان، أو إغلاق الحفر التي تؤدي إلى إلحاق الضرر بالناس أو بمركباتهم، وأقل شيء من ذلك أن يحرص المسلم على عدم إلقاء شيء في طريق الناس.[١٥]


الحياء

الحياء صفة كريمة تحثّ المسلم على اجتناب الرذائل، وتدعوه إلى كلّ فعل أو قول محمود، والقلب هو منبع الحياء ومنشأه، وقد عدَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- من شعب الإيمان وخصاله، ويروى أنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان أشدّ حياءً من المرأة العذراء في بيتها، والحياء محمود في كل الأمور؛ لأنّه يدعو إلى كلّ خير، ولحسن عاقبته في الدنيا والآخرة، ولا يدخل في الحياء الممدوح شرعاً ما يكون من الخجل والضعف، الذي يصدّ صاحبه عن طلب العلم، أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يجعله ساكتاً عن إيضاح الحقّ وبيانه.[١٦][١٧]


المراجع

  1. مركز قطر للتعريف بالإسلام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التعريف بالإسلام، صفحة 109. بتصرّف.
  2. "تعريف و معنى شعبة في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-7-2020. بتصرّف.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 35 ، صحيح.
  4. ^ أ ب ت سعيد حوى (1992)، الأساس في السنة وفقهها- العقائد الإسلامية (الطبعة الثانية)، مصر: دار السلام، صفحة 187-188، جزء 1. بتصرّف.
  5. عبدالله الجربوع (2003)، الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، صفحة 252، جزء 1. بتصرّف.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 35، صحيح.
  7. عبدالرزاق البدر (2003)، تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (الطبعة الأولى)، الكويت: غراس، صفحة 303. بتصرّف.
  8. ^ أ ب عبدالعزيز الراجحي، شرح صحيح ابن حبان، صفحة 4، جزء 10. بتصرّف.
  9. القاضي عياض (1998)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (الطبعة الأولى)، مصر: دار الوفاء، صفحة 272، جزء 1. بتصرّف.
  10. النووي (1392)، شرح النووي على مسلم (الطبعة الثانية)، بيروت: دار إحياء التراث العربي، صفحة 4، جزء 2. بتصرّف.
  11. الحليمي (1979)، المنهاج في شعب الإيمان (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الفكر، صفحة 183، جزء 1. بتصرّف.
  12. عبدالمحسن الزامل (21-10-2010)، "شرح حديث شعب الإيمان"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-7-2020. بتصرّف.
  13. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1983)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: ذات السلاسل، صفحة 356، جزء 2. بتصرّف.
  14. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 652، صحيح.
  15. "إحياء سُنَّة إماطة الأذى عن الطريق "، ar.islamway.net، 20-1-2015، اطّلع عليه بتاريخ 19-7-2020. بتصرّف.
  16. خالد البليهد، "شعب الإيمان"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-7-2020. بتصرّف.
  17. عبدالمحسن العباد، شرح سنن أبي داود ، صفحة 31، جزء 255. بتصرّف.