ديوان البحتري

كتابة - آخر تحديث: ٠٨:١٧ ، ٢٢ نوفمبر ٢٠١٥

البحتري من أشهر شعراء العرب، ترك لمسة واضحة ومؤثرة في الشعر، فقد برع بالمدح والوصف، وتميز شعره بجمالية اللفظ ولطافته وخياله المبدع، ووجود موسيقى ساحرة في أشعاره.


ديوان البحتري

رحلت عنك رحيل المرء عن وطنه

رحلت عنك رحيل المرء عن وطنه ورحلة السكن المشتاق عن سكنه
وما تباعدت، إلا أن مستتراً من الزمان نأته الدار عن جننه
أنس لو اني بنصف العمر من أمم أشريه، ما خلتني أغليت في ثمنه
فإن تكلفت صبراً عنك أو منيت نفسي به فهو صبر الطرف عن وسنه
وما تعرضت من شينوخ عارفةً، إلا تعرض عثنون على ذقنه
فاسلم، أبا صالح، للمجد تعمره بأريحية محمود النثا حسنه


أبا الحسين دعاء من فتى علقت

أبا الحسين دعاء من فتى علقت يداه منك بحبل غير مجدود
إني بدولتك الغراء في شرف أعلو بذكرك فخراً غير مردود
يجلني لك أقوام لما عرفوا من خدمة قدمت إجلال تمجيد
وأنت أولى وأحرى أن تتمم ما قد كان من نعم عندي بتجديد
فأنت أكرم منسوب إلى كرم وأنت أجود مرتاح إلى الجود
وأنت طود الحجى في الناس، قد علموا وأنت فجر الدجى في الأزمن السود


أبلغ أبا صالح إما مررت به

أبلغ أبا صالح، إما مررت به، رسالةً من قتيل الماء والراح
ألآن أقصرت إقصاراً ملكت به مقادتي، وأطعت الله واللاحي
أشكو إليك، وما الشكوى بمجدية، خطبين قد طولا حزني وإبراحي
من نوبة واختلال بت بينهما، فلا يكن لك إمسائي وإصباحي
بني قشير! ألا سقياً لمضطهد؛ بني قشير ألا سقياً لملتاح
عندي لكم نعمة، بالأمس، واحدة، لا خير في غرة من غير أوضاح


أبكاء في الدار بعد الدار

أبكاءً في الدار، بعد الدار، وسلواً بزينب عن نوار
لا هناك الشغل الجديد بحزوى، عن رسوم برامتين قفار
ماظنت الأهواء قبلك تمحى من صدور العشاق نحو الديار
نظرة ردت الهوى الشرق غرباً، وأمالت نهج الدموع الجواري
رب عيش لنا برامة رطب، وليال فيها طوال قصار
قبل أن يقبل المشيب، وتبدو هفوات الشباب في إدبار
كل عذر من كل ذنب، ولكن أعوز العذر من بياض العذار
كان حلواً هذا الهوى، فأداه عاد مراً والسكر قبل الخمار
وإذا ما تنكرت لي بلاد، وخليل، فإنني بالخيار
وخدان القلاص حولاً، إذا قا بلن حولاً من أنجم الأسحار
يترقرقن كالسراب وقد خضن غماراً من السراب الجاري
كالقسي المعطفات، بل الأسهم مبريةً، بل الأوتار
قد مللناك يا غلام، فغاد بسلام، أو رائح أو سار
سرقات مني خصوصاً، فإلاً من عدو، أو صاحب، أو جار
أنا من ياسر، ويسر، وسعد، لست من عامر، ولا عمار
لا أريد النظير يخرجه الشتم إلى الإحتجاج، والإفتخار
وإذا رعته بناحية السو ط، على الذنب، راعني بالفرار
ما بأرض العراق، يا قوم، حر يفتديني من خدمة الأحرار
هل جواد بأبيض من بني الأصفر ضخم الجدود، محض النجار
لم ترع قومه السرايا، ولم يغزهم غير جحفل جرار
أو خميس كأنما طرقوا منه بليل أو صبحوا بنهار
في زهاه أبو سعيد على آ ثار خيل قد صبحته بثار
فحوته الرماح أغيد، مجدو لاً، قصير الزنار، وافي الإزار
يتلظى كأنه الصنوف السبي في عسكر شهاب النار
فوق ضعف الصغار، إن وكل الأمر إليه، ودون كيد الكبار
رشأ، تخبر القراطق منه، عن كنار يضيء تحت الكنار
لك من ثغره وخديه ما شئت من الأقحوان والجلنار
أعجمي، إلا عجالة لفظ؛ عربي تفتح النوار
وكأن الذكاء يبعث منه، في سواد الأمور، شعلة نار
يا أبا جعفر، وما أنت بالمد عو، إلا لكل أمر كبار
شمس شمس، وبدر آل حميد يوم عد الشموس والأقمار
وفتى طيء، وشيخ بني الصا مت، أهل الأحساب، والأخطار
لك من حاتم، وأوس، وزيد، إرث أكرومة، وإرث فخار
سمح بين برمة أعشار تتكفا وجفنة أكسار
وسيوف مطبوعة للمنايا، واقعات مواقع الأقدار
تلك أفعالهم على قدم الدهر، وكانوا جداولاً من بحار
أملي فيكم، وحقي عليكم، ورواحي إليكم، وابتكاري
واضطرابي في الناس، حتى إذا عد ت إلى حاجة، فأنتم قصاري
ولعمري للجود للناس للنا س سواه بالثوب والدينار
وعزيز إلا لديك بهذا الفخ أخذ الغلمان بالأشعار


الحمد لله على ما أرى

الحمد لله على ما أرى من قدر الله الذي يجري
ما كان ذا العالم من عالمي يوماً، ولا ذا الدهر من دهري
يعترض الحرمان في مطلبي، ويحكم الخزاز في شعري


ظلم الدهر فيكم وأساء

ظلم الدهر فيكم، وأساء، فعزاءً، بني حميد، عزاء
أنفس ما تكاد تفقد فقداً، وصدور ما تبرح البرحاء
أصبح السيف داءكم، وهو الدا ء الذي لا يزال يعيي الدواء
وانتحي القتل فيكم، فبكينا بدماء الدموع تلك الدماء
يا أبا القاسم المقسم في النجدة، الجود والندى أجزاء
والهزبر الذي، إذا دارت الحر ب به صرف الردى كيف شاء
الأسى واجب على الحر، إما نيةً حرةً، وإما رياء
وسفاه أن يجزع المرء مما كان حتماً على العباد، قضاء
ولماذا تتبع النفس شيئاً، جعل الله الفردوس منه بواء
أتبكي من لا ينازل بالسيف مشيحاً، ولا يهز اللواء
والفتى من رأى القبور لما طا ف به من بناته، أكفاء
لسن من زينة الحياة كعد الله منها الأموال والأبناء
قد ولدن الأعداء قدماً، وورثن التلاد الأقاصي البعداء
لم يئد كثرهن قيس تميم، عيلةً بل حميةً وإباء
وتغشى مهلهل الذل فيهن وقد أعطي الأديم حباء
وشقيق بن فاتك، حذر العا ر عليهن، فارق الدهناء
وعلى غيرهن أحزن يعقو ب، وقد جاءه بنوه عشاء
وشعيب من أجلهن رأى الوحدة ضعفاً، فاستأجر الأنبياء
واستزل الشيطان آدم في الجنة لما أغرى به حواء
وتلفت إلى القبائل، فانظر أمهات ينسبن أم آباء
ولعمري ما العجز عندي، إلا أن تبيت الرجال تبكي النساء


ألا تعجبون كما أعجب

ألا تعجبون كما أعجب حبيبي يسيء ولا بعتب
وأبغي رضاه على جوره فيأبى علي ويستصعب
عتبت فديتك يا مذنب فجئتك أبكي وأستعتب
تحملت عنك وفيك الذنو ب وأيقنت أني أنا المذنب
أذلفاء إن كان يرضيكم غذابي فدونكم عذبوا
ألا رب طالبة وصلنا أبينا عليها الذي تطلب
أردنا رضاكم بإسخاطها وبخلك من جودها


شوق له بين الأضالع هاجس

شوق له بين الأضالع هاجس وتذكر للصدر منه وساوس
ولربما نجى الفتى من همه وخد القلاص، وليلهن الدامس
ما أنصفت بغداد، حين توحشت لنزيلها، وهي المحل الآنس
لم يرع لي حق القرابة طيء فيها، ولا حق الصداقة فارس
أعلي! من يأملك بعد مودة ضيعتها مني، فإني آيس
أوعدتني يوم الخميس، وقد مضى من بعد موعدك الخميس الخامس
قل للأمير، فإنه القمر الذي ضحكت به الأيام، وهي عوابس
قدمت قدامي رجالاً، كلهم متخلف عن غايتي، متقاعس
وأذلتني، حتى لقد أشمت بي من كان يحسد منهم، وينافس
وأنا الذي أوضحت، غير مدافع، نهج القوافي، وهي رسم دارس
وشهرت في شرق البلاد وغربها، فكأنني في كل ناد جالس
هذي القوافي قد زففت صباحها، تهدى إليك، كأنهن عرائس
ولك السلامة والسلام، فإنني غاد، وهن على علاك حبائس


بعينك لوعة القلب الرهين

بعينك لوعة القلب الرهين وفرط تتابع الدمع الهتون
وقد أصغيت للواشين، حتى ركنت إليهم بعض الركون
ولو جازيت صباً عن هواه لكان العدل الا تهجريني
نظرت، وكم نظرت فأقصدتني فجاءات البدور على الغصون
وربة نظرة أقلعت عنها بسكر في التصابي، أو جنون
فيا لله ما تلقى القلوب الهوائم من جنايات العيون
وقد يئس العواذل من فؤاد لجوج في غوايته، حرون
فمن يذهل أحبته، فإني كفيت من الصبابة ما يليني
ولي بين القصور إلى قويق أليف أصطفيه، ويصطفيني
يعارض ذكره في كل وقت، ويطرق طيفه في كل حين
لقد حمل الخلافة مستقل بها، وبحقه فيها المبين
يسوس الدين والدنيا برأي، رضًى لله في دنيا ودين
تناول جوده أقصى الأماني، وصدق فعله حسن الظنون
فما بالدهر من بهج وحسن، وما بالعيش من خفض ولين
ولم تخلق يد المعتز إلا لحوز الحمد بالخطر الثمين
تروع المال ضحكته، إذا ما غدا متهللاً، طلق الجبين
أمين الله، والمعطى تراث الأمين، وصاحب البلد الأمين
تتابعت الفتوح وهن شتى الأماكن في العدى، شتى الفنون
فما تنفك بشرى عن تردي عدو خاضع لك، مستكين
فرار الكوكبي، وخيل موسى، تثير عجاجة الحرب الزبون
وفي أرض الديالم هام قتلى، نظام السهل منها والحزون
وقد صدمت عظيم الروم عظمى من الأحداث قاطعة الوتين
بنعمى الله عندك غير شك، وريحك أقصدته يد المنون
نصرت على الأعادي بالأعادي، غداة الروم تحت رحًى طحون
يقتل بعضها بعضاً بضرب مبين للسواعد، والشؤون
إذ الأبدان ثم بلا رؤوس تهاوى، والسيوف بلا جفون
فدمت ودام عبد الله بدر الدجى في ضوئه، وحيا الدجون
تطيف به الموالي، حين يبدو، إطافتها بمعقلها الحصين
ترى الأبصار تغضي عن مهيب وقور في مهابته، ركين
جواد، غلست نعماه فينا، ولم يظهر بها مطل الضنين
ظننت به التي سرت صديقي، فكان الظن قدام اليقين
وكنت إليه في وعد شفيعي، فصرت عليه في نجح ضميني
وما ولي المكارم مثل خرق أغر، يرى المواعد كالديون
وصلت بيونس بن بغاء حبلي، فرحت أمت بالسبب المتين
فقد بوأتني أعلى محل شريف في المكان بك المكين
وما أخشى تعذر ما أعاني من الحاجات، إذ أمسى معيني
وإن يدي، وقد أسندت أمري إليه اليوم، في يدك اليمين


سل الحلبي عن حلب

سل الحلبي عن حلب، وعن تركانه حلبا
أرى التطفيل كلفه نزول الكرخ، مغتربا
ألست مخبري عن حز م رأيك أيةً ذهبا
نسيت المروزي ويو منا معه الذي اقتضبا
وقد ذبح الدجاج لنا، فأمسى ديكه عزبا
هلم نكافه عما ابـتغى فينا، وما احتسبا
بشعرك إنه ضمد من الحق الذي وجبا
ألم يوسعك من غرف تخال جفانها جوبا
وقد شمرت عن جد، كأنك مشعر غضبا
إذا امعنت في لون، رأينا النار والحطبا
وإن لجلجت عن غصص، دعونا الويل والحربا
وخفنا أن يكون المو ت قد فاجاك، أو كربا
وشربك من نبيذ التمر تنقل بعده الرطبا
محاسن لو ترى بالشا م كبر أهلها عجبا
أترقد عن ثلاثتك التي أهملتها لعبا
وفيها ما ترد به الظماء، وتذهب السغبا
خساراً منك لا عقلاً أتيت به، ولا أدبا


أقصرا ليس شأني الإقصار

أقصرا ليس شأني الإقصار وأقلا لن يغني الإكثار
وبنفسي مستغرب الحسن، فيه حيد عن محبه، وازورار
فاتر الناظرين ينتسب الورد إلى وجنتيه، والجلنار
مذنب يكثر التجني فمنه الذنب ظلماً، ومني الاعتذار
هجرتنا عن غير جرم نوار، ولديها الحاجات والأوطار
وأقامت بجو بطياس، حتى كثر الليل دونها والنهار
إن جرى بيننا وبينك هجر و تناءت منا ومنك الديار
فالغليل الذي علمت مقيم، والدموع التي عهدت غزار
يا خليلي نمتما عن مبيت بته آنفاً، ونومي مطار
لسوار من الغمام تزجيها جنوب كما تزجى العشار
مثقلات، تحن في زجل الرعد بشجو، كما تحن الظؤار
بات برق يشب في حجرتيها، بعد وهن كما تشب النار
فاسقياني، فقد تشوفت الراح، وطاب الصبوح والابتكار
كان عند الصيام للهو وتر، طلبته الكؤوس والأوتار
بارك الله للخليفة في الملك الذي حازه له المقدار
رتبة من خلافة الله قد طا لت بها رقبة له، وانتظار
طلبته فقراً إليه، وما كان به، ساعةً، إليها افتقار
أعوزت دونه القناعة حتى حشمت في طلابه الأسفار
وهي موقوفة إلى أن يوافي غائب ما وفى به الحضار
علم الله سيرة المهتدي بالله، فاختاره لما يختار
لم تخالج فيه الشكوك، ولا كا ن لوحش القلوب عنه نفار
أخذ الأولياء، إذ بايعوه بيدي مخبت، عليه الوقار
وتجلى للناظرين أبي، فيه عن جانب القبيح ازورار
وأرتنا السجاد سيما طويل الليل، في وجهه لها آثار
ولديه تحت السكينة والإخبات سطو على العدى واقتدار
وقضاء إلى الخصوم وشيك، لا يروى فيها، ولا يستشار
راغب حين ينطق الوفد عن عون برأي، أو حجة تستعار
مستقل، ولو تحمل ما حمل رضوى لانبت حبل مغار
أيما خطة تعود بضر، فهو للمسلمين منها جار
زاد في بهجة الخلافة نوراً، فهو شمس للناس، وهي نهار
وأجار الدنيا من الخوف والحيف، فهل يشكر المجير المجار
ألتقي النقي، والفاضل المفضل فينا، والمرتضى المختار
ولدته الشموس من ولد العباس عم النبي والأقمار
صفوة الله، والخيار من الناس جميعاً، وأنت منها الخيار
أللباب اللباب ينميك منها لذرى المجد، والنضار النضار
فبكم قدمت قصياً قريش، وبها قدمت قريشاً نزار
زين الدار مشهد منك كانت قبل ترضاه من أبيك الدار
وأنارت لما ركبت إليها، والموالي الحماة، والأنصار
في جبال ماج الحديد عليهن ضحًى، مثل ما تموج البحار
وغدا الناس ينظرون، وفيهم فرح أن رأوك واستبشار
طلعة تملأ القلوب، ووجه خشعت دون ضوئه الأبصار
ذكروا الهدي من أبيك، وقالوا: هي تلك السيما، وذاك النجار
وعليهم سكينة لك، إلا مد أيد يوما بها ويشار
بهتوا حيرةً وصمتاً، فلو قيل أحيروا مقالةً ما أحاروا
وقليل إن أكبروك لك الهيبة ممن رآك، والإكبار
كلهم عالم بأنك فيهم نعمة، ساعدت بها الأقدار
فوقت نفسك النفوس من السو ء، وزيدت في عمرك الأعمار


حرمت النجح حرمانا مبينا

حرمت النجح حرماناً مبينا ودافع ظالمي حيناً فحينا
وأصبح قد تعرض دون حقي أخس قضاتكم حسباً ودينا
سيرضى بالبنات إذا رآه حصيف كان يطلب البنينا
أرى مائتي تعذر مبتغاها وكان الحق أن أعطى مئينا
وعظم بليتي ألا أرى لي على مكروه دافعها معينا
أبا حسن وثم عفاف نفس وآباء خصيم الخائينا
متى تهب التفضل عن سماح إذا لم تقسم الإنصاف فينا
294 مشاهدة