عبدالله بن مسعود

كتابة - آخر تحديث: ١٣:٠١ ، ٤ فبراير ٢٠١٥
عبدالله بن مسعود

إسلام ابن مسعود

عبد الله بن مسعود صحابي جليل، من أوائل المسلمين، سادس الإسلام، كان ممن هاجر إلى الحبشة مرتين، ومن الذين شهدوا غزوة بدر، كما شهد المعارك والغزوات مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تخلف عن غزوة معه ولا تخاذل عنه في أي مشهد أو وقعة.


عُرف بأمانته قبل إسلامه، وهو يرعى الغنم لابن أبي معيط، وأسلم عبد الله بن مسعود عندما رأى معجزة من معجزات النبي، لمّا مسح على ضرع شاة جذعة صغيرة، فامتلأ الضرع باللبن فاحتلبها النبي صلى الله عليه وسلم، فشرب منها النبي وأبو بكر وابن مسعود، ثم سمع القرآن فانشرح له قلبه، علّمه الله من فوق سبع سماوات، فكان أفقه الصحابة وأقرأهم للقرآن وأحفظهم، مسح النبي على رأسه وقال له "إنك غلام معلّم"، وطلب العلم والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم كما طلب علم القرآن، وعمل لذلك فكان له ما أراد فغدا عالماً وفقيهاً ومُقرئاً.


صفات ابن مسعود

رَقِيق البِنْيَة، نَحِيل الساقين، قامته قصيره، لم يكتسي بكثير من اللحم، طيب الرائحة نظيف الملبس، لكنه بالإيمان القوي، واليقين الراسخ تكاملت في نفسه التقوى فكان الأقرب إلى الله تعالى، فاستحق أن يكون الأكرم، ضحك الصحابة ذات مرة من دقة ساقيْهِ وحُمُوشَةِ قدميه، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم أنّهما عند الله أثقل في الميزان من جبل أُحد.


قربه من الرسول

بلغ الفضل والمنزلة بقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله لنعليه وسواكه ووسادته، لازمه في المحل والسفر، فكان واحداً من أهل النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الصحب الكرام، فرفع له النبي الحجاب، يدخل على النبي بدون استئذان، وسمح له أن يسمع سره في بيته، فلُقب بصاحب السواد، لِما كان يكتم من سرِّ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا سبيل للشيطان عليه، فرفع الله قدره وأعلى شأنه، وكان أقرب الصحابة هدياً وسمتاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال عنه ذلك الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-، وأوصانا النبي أن نقتدي بأبي بكر وعمر، ونهتدي بهديِ عمار بن ياسر، ونتمسك بعهد ابن مسعود رضي الله عنهم جميعاً.


علم ابن مسعود

تلقى القرآن من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغت سبعون سورة كما يروي عن نفسه، بلغ بهنّ المكانة والمنزلة في القراءة والإقراء، وكان من أعلم وأبرع الصحابة في الحديث والقرآن، فاختصه الرسول صلى الله عليه وسلم بأحد الأربعة المقرئين من الصحابة، مع أُبَيْ بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل، لِما يقرأ القرآن غضاً ليناً كما أُنزل، طلب منه النبي أن يسمع منه القرآن فامتنع بداية لأنّ القرآن عليه نَزل، فقرأ بعد أن أصرّ النبي عليه حتى أبكاه.


كان أعلم الصحابة بالقرآن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وما أُنزلت سورة إلا ويعلم في أي مكان نزلت، وما نزلت آية إلا ويعلم فيمن أُنزلت، ومع ذلك تواضع لعلمه، وبحث عمن هو أعلم بذلك منه فلم يجد، فاحترمه الصحابة وأكرموه لواسع علمه وفقهه، فدافع عمر بن الخطاب عنه مرة وضرب رجلاً لأنه يرد على ابن مسعود مقالته، ولا يستمع لعلمه، فكان توقير للعلم والعلماء من عمر.


كان حسن الصوت نديَّاً بالقرآن، يُسمع له دويٌ كدوي النحل في صلاته وقيامه بالليل، رجلٌ أَسيْفٌ بَكاءٌ من خشية الله، له خطين أسودين على وجنتيه من كثرة بكائه وخشيته، ومع ذلك كان يشعر أنه أكثر الناس ذنباً، ولو كان لها رائحة ما بقي له جليس من الناس.


شجاعة ابن مسعود

جسمه الضعيف وساقيه الدقيقتين لم يكونا بالقدر الكافي من الضعف حتى يمتنع عن الجهر بالقرآن في بطحاء مكة، متحدياً مجموع الكفر والشرك قبل الهجرة، فكان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله بفاتحة سورة الرحمن، حتى اجتمعوا فانهالوا عليه ضرباً فأبرحوه، محتسباً لله ومتوعداً بمثلها في الغداة، وكان له السبق في الإجهاز على رأس الكفر والشرك أبي جهل في غزوة بدر، فمات أبو جهل تحت قدمي ابن مسعود -رضي الله عنه-، فكان رجلاً مقداماً في الحق شجاعاً على الباطل رغم ما فيه من حال.


ابن مسعود سفيراً

بعثه الفاروق عمر معلماً ومربياً وفقيهاً إلى الكوفة وقاضياً، ليُحدث الحديث ويُقرأ القرآن، فعلّم وأثَّر واقتدى بهديِّ النبي في الصلاة والعبادة والعلم والقرآن، أخد عنه قراءة القرآن أبي عبد الرحمن السلمي ومن ثم عاصم ثم حفص وهي القراءة المشهورة في بلاد المسلمين، وأوصى الوصايا النافعة التي ظلّت خالدة للتاريخ يقتدي بها المسلمون.


حكمة ابن مسعود

رجلاً عظيما واعظاً ذو حكمة ورأي سديد، لم يكن يرى العلم بمن هو أكثر رواية للحديث والعلم، ولكن كان يراه بمن هو أخشى وأتقى، يرى الإنسان بأنه ضيف في الدنيا وماله أمانة عنده، فالضيف إلى رحيل والأمانة إلى أصحابها، الليل والنهار عنده ممر، والأعمال إلى الله هي المفر والمزرع، فلكل ما زرع فإن كان خيراً فهو خير، وإن شر فهو ما كان، المتقون عنده أسياد، والفقهاء عنده هم القادة، وفي مجالستهم يكون الإيمان، فأكثر ما كان يكره ابن مسعود الرجل التافه الفارغ، ليس له عمل في الدنيا ولا عمل للآخرة، ويرى في الصلاة قرع لباب الملك، ومن أكثر قرع الباب كاد أن يفُتح له.


يرى في الرجل سجن لسانه أفضل وأكمل له، وإن كان أحدٌ مقتدي فليقتدي بالأموات فإنّ الأحياء أصحاب أهواء وفتنة، وأن يجعل الرجل في السماء كنزه، حتى لا ينخر فيه السوس وليرتفع عن السُراق، والكنز هنا الأعمال الخالصة الخالية من الرياء والشهرة التي تبطل الأعمال.


أمنياته رضي الله عنه

عبد الله ابن مسعود لم يكن يطمع في دنيا ولا مغنم ولا في منصب ولا رفعة، فمن أمنياته -رضي الله عنه- في غزوة تبوك لما دَفن النبي ذو البجادين وترضى عنه، تمنى أن يكون مكانه ليحظَ بدعاء النبي والرضا عنه وعليه، فهذه تلكم أمنيات العظماء، فأقصى ما تمنى هو طلبه من النبي مرافقته في الجنة، مع أنّ النبيّ بشّره بأنه مستجاب الدعوة، ولو طلب ملك الدنيا لأتاه صاغراً.


ابن مسعود لم يكن صاحب مال ولا جاه، فمنحه الإسلام التقوى لما دخل الإيمان قلبه، واستغنى بالله لمّا جمع كسرى وقيصر الكنوز، فكانت إرادته وعزيمته القوية التي ساهمت في تغيير مجرى التاريخ، ولمّا ترك ما يَفنى في الآخرة وتقرب من الرسول استحق أن يذكره التاريخ ويصبح رمزاً من رموز الدنيا وأن لا يدركه أحدٌ من الأعلام.


وفاة ابن مسعود

وفي عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان، مرض ابن مسعود وعاده الصحابة والتابعين وعلى رأسهم عثمان، وهو على فراش الموت ما شكى من المرض إلا ذنوبه، وما اشتهى لحظتها إلا رحمة ربه، فتوفِّيَ ابن مسعود -رضي الله عنه- في طيبة رسول الله، صلّى عليه الزبير وفي البقيع دفن، جاوز من عمره ستين سنة، بعد أن قضى عمراً مباركاً ساهم فيه بالعلم الغزير والفقه الواضح والقراءة الغضة، تتغنى بسيرته الأجيال إلى يوم الدين، وتقتدي أثره بالقرآن، كما بنى للدين صرحاً متيناً يعجز عن هدمه أحدٌ ولو اجتمعت كل الأباطيل، فرحمه الله رحمة واسعة ورضي الله عنه وأرضاه.