قصيدة الشيخ إبراهيم علي بديوي

كتابة - آخر تحديث: ٠٥:٢٥ ، ٨ نوفمبر ٢٠١٨
قصيدة الشيخ إبراهيم علي بديوي

ابراهيم علي بديوي

الشيخ إبراهيم بن علي بن أحمد البديوي شاعر وعالم دين من مصر، وعُرف بالشعر الإيماني ولد عام 1903م، وظهرت موهبته منذ الصغر، ونُشر له ديوانان تحت اسم البديويات وغيرهم الكثير، وفي هذا المقال سنقدم قصائد جميلة للشيخ ابراهيم علي البديوي.


قصيدة وبك أستجير

بك أستجير ومن يجير سواكا


فأجر ضعيفاً يحتمي بحماكا


إني ضعيف أستعين على قِوى


ذنبي ومعصيتي ببعض قِواكا


أذنبت يا ربي وآذتني ذنوبٌ


ما لها من غافر إلاكا


دنياي غرَّتني وعفوك غرَّني


ما حيلتي في هذه أو ذاكا


يا مدرك الأبصار والأبصار لا


تدري له ولكنه إدراكا


إن لم تكن عيني تراك فإنني


في كل شيء أستبين عُلاكا


يا مُنبِت الأزهار عاطرةَ الشذا


هذا الشذا الفواحُ نفحُ شذاكا


رباه ها أنا ذا خلصت من الهوى


واستقبل القلب الخليُّ هواكا


وتركت أُنسي بالحياة ولهوها


ولقيتُ كلَّ الأنس في نجواكا


ونسيت حبي واعتزلت أحبتي


ونسيت نفسي خوفَ أنْ أنساكا


أنا كنتُ يا ربي أسير غشاوة


رانت على قلبي فضلَّ سناكا


واليوم يا ربي مسحتُ غشاوتي


وبدأت بالقلب البصير أراكا


يا غافر الذنب العظيم وقابلاً


للتوب قلباً تائباً ناجاكا


يا ربّ جئتك ثاوياً أبكي على


ما قدمته يداي لا أتباكى


أخشى من العْرض الرهيب عليك يا


ربّي وأخشى منك إذ ألقاكا


يا ربّ عدت إلى رحابك تائباً


مستسلماً مستمسكاً بعُراكا


مالي وما للأغنياء وأنت يا


ربّي الغنيُّ ولا يُحدُّ غناكا


مالي وما للأقوياء وأنت يا


ربّي عظيم الشأن ما أقواكا


إني أويتُ لكل مأوى في الحياة


فما رأيت أعزَّ مِن مأواكا


وتلمستْ نفسي السبيلَ إلى النجاة


فلم تجد منجى سوى منجاكا


وبحثت عن سر السعادة جاهداً


فوجدت هذا السرَّ في تقواكا


فليرضَ عني الناسُ أو فليسخطوا


أنا لم أعُد أسعى لغير رضاكا


أدعوك يا ربّي لتغفر حوبتي


وتعينني وتمدّني بهداكا


فاقبلْ دعائي واستجب لرجاوتي


ما خاب يوماً من دعا ورَجاكا


يا ربّ هذا العصر ألحد عندما


سخَّرتَ يا ربّي له دنياكا


ما كان يطلق للعلا صاروخَه


حتى أشاح بوجهه وقلاكا


أو ما درى الإنسان أن جميع ما


وصلت إليه يداه من نُعماكا


يا أيّها الإنسان مهلاً واتئد


واشكر لربك فضلَ ما أولاكا


أفإن هداك بعلمه لعجيبةٌ


تزورُّ عنه وينثني عِطفاكا


قل للطبيب تخطَّفته يد الردى


يا شافي الأمراض من أرداكا


قل للمريض نجا وعوفي بعدما


عجزتْ فنونُ الطب، من عافاكا


قل للصحيح يموت لا من علةٍ


مَن بالمنايا يا صحيح دهاكا


قل للجنين يعيش معزولاً بلا


راع ومرعى ما الذي يرعاكا


قل للوليد بكى وأجهش بالبكا


عند الولادة ما الذي أبكاكا


وإذا ترى الثعبان ينفث سمَّه


فاسأله من ذا بالسموم حشاكا


واسأله كيف تعيش يا ثعبانُ أو


تحيا وهذا السمُّ يملأ فاكا؟


واسأل بطونَ النحل كيف تقاطرت


شهداً وقل للشهد من حلاكا


بل سائل اللبنَ المصفى كان بين


دم وفرث من الذي صفاكا


وإذا رأيت الحيَّ يخرج من ثنايا


ميِّت فاسأله من أحياكا؟


قل للهواء تحسُّه الأيدي ويخفى


عن عيون الناس من أخفاكا؟


وإذا رأيت البدر يسري ناشراً


أنواره فاسأله من أسراكا؟


وإذا رأيت النخل مشقوقَ النوى


فاسأله من يا نخل شقَّ نواكا؟


وإذا رأيتَ النارَ شبّ لهيبُها


فاسأل لهيبَ النار من أوراكا؟


وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً


قممَ السحاب فسلْه من أرساكا؟


وإذا ترى صخراً تفجَّر بالمياه


فسله من بالماء شقَّ صفاكا؟


وإذا رأيتَ النهر بالعذب الزلال


جرى فسله من الذي أجراكا؟


وإذا رأيت البحر بالملح الأُجاج


طغى فسله من الذي أطغاكا؟


وإذا رأيت الليلَ يغشى داجياً


فاسأله من يا ليل حاك دُجاكا؟


وإذا رأيت الصبحَ يسفر ضاحيا


فاسأله من يا صبح صاغ ضُحاكا


هذي العجائبُ طالما أخذَتْ بها


عيناك وانفتحت بها أذناكا


والله في كل العجائب مبدِع


إن لم تكن لتراه فهو يراكا


يا أيها الإنسان مهلاً مالذي


بالله جل جلاله أغراكا؟


فاسجد لمولاك القدير فإنما


لا بدَّ يوماً تنتهي دنياكا


وتكون في يوم القيامة ماثلاً


تجزى بما قد قدمتْه يداكا


قصيدة مولد الهدى

طافت بأسماع الزمانِ بشائرُهْ


فهفا له قلبُ الزمانِ وخاطرُه


وتَعلّقتْ عينُ الحياةِ بدار


آمنةٍ تُناجي ليلَها وتُساهره


فإذا مهادٌ أشرقتْ جَنَباتُه


وزكتْ بأعطار السماءِ ستائره


وإذا وليدٌ لفلفتْ أمجادُه


أعطافَه، وتَحوّطتْه مَفاخره


وإذا ملائكُ حولَه يَستبشرونَ


به وجبريلُ الأمين يُسامره


وإذا بعرسٍ في السموات العُلى


زُهْرُ الكواكبِ حُوره وجآذره


وإذا بوجه الأرض مَزهوٌّ ومُستَعْلٍ


على وجه السماء يفاخره


وإذا بنار الفُرْسِ تخمد فجأةً


ولسانُها المشبوب يسكن ثائره


وإذا بذُعرٍ يأخذ الإيوانَ فاهتَزتْ


به شُرُفاتُه ومَقاصره


وإذا بحيرةُ ساوةٍ رِيعتْ فَغَاضَ


مَعينُها، وتَشرّبتْه مَغاوره


وإذا بليل الجاهليّةِ يختفي


وتذوب في النّور السنيِّ دياجره


وإذا بماضي الناس يستر وجهَه


خجلاً ليحتلَّ الصدارةَ حاضره


وإذا ببعثٍ دافقٍ ينساب في


بادي الوجودِ فتستقيه حواضره


وإذا لسانُ الدهرِ يسأل حائراً


هذا السنا الأخّاذُ أين مَنائره؟


وإذا مُجيبٌ في السماء: محمّدٌ


هو وحدَه وحيُ السنا ومَصادره


للهُ أكبرُ يا محمّدُ: أنتَ أَجفانُ


الهدى، وفؤادُه، ومشاعره


والعدلُ أنتَ رسولُه، بل أنتَ مَشْرِقُه


ومنكَ شُموسُه وزواهره


والمجدُ أنتَ، فمنكَ أولُ بَدئه


وإليكَ يرجع يا محمّدُ آخره


وإذا تَضوّعَ في الورى حَسَبٌ وطابَ


فمنكَ وحدَكَ طيبُه ومَجامره


أمّا البيانُ فأنتَ ناظمُ عِقدِهِ


وإليكَ يُنسب دُرُّه وجواهره


لكَ من جوامعه، ومن آياتهِ


ما أعوزتْ أشباهُه ونظائره


ولكَ البدائعُ تفتن الفصحى ويَحسُدُ


فنَّها السحرُ البديع وساحره


يكفيكَ أن الجِذعَ حنَّ حنينُهُ


لما استبان إليه أنكَ هاجره


وكفاكَ أنكَ لم تقلْ: إلّا هَزَتَ


الدهر، واهتزّتْ إليكَ منابره


قصيدة ليس الاستشهاد موتاً

لا تُراعوا من دماء الشهداء


لا يُنال المجدُ إلّا بالدماء


واستعدّوا بضحايا جُدُد


يتساقون المنايا سُعداء


ليس تبني أمّةٌ مجداً إذا


لم يكن فوق ضحاياها البناء


يا بني الوادي المفدّى أنتمو


مَعقِدُ الآمالِ، عنوانُ الرجاء


فاستعدّوا لتُجيبوا داعياً


عن قريبٍ سوف يدعو للفداء


واطلبوا العيشَ كريماً، فإذا


وجبَ الموتُ: فمُوتوا كرماء