قصيدة شدو الطائر للشاعر علي الجارم

كتابة - آخر تحديث: ١٠:٠١ ، ٧ نوفمبر ٢٠١٨
قصيدة شدو الطائر للشاعر علي الجارم

علي الجارم

علي بن صالح بن عبد الفتاح الجارم هو أديب وكاتب وشاعر، وُلد في عام 1881 في مصر، وله ديوان في أربعة أجزاء، وله كتب أخرى منها فارس بني حمدان، وشاعر، وملك وغارة الرشيد، وفي هذا المقال سنقدم لكم قصائد جميلة للشاعر علي الجارم.


قصيدة شدو الطائر

طائرٌ يشدو على فننِ

جدَّد الذكرى لذي شجنِ

قام والأكوانُ صامتةٌ

ونسيمُ الصُّبْحِ في وَهَن

هاج في نفسي وقد هدأتْ

لوعةً لولاه لم تكن

هزَّه شوقٌ إلى سكنٍ

فبكى للأهل والسَّكَن

وَيْكَ لا تجزعْ لنازلةٍ

ما لطيرِ الجوِّ من وطن

قد يراكَ الصُّبحُ في حلبٍ

ويراكَ الليلُ في عدن

أنتَ في خضراءَ ضاحكةٍ

من بكاءِ العارضِ الهَتِن

أنتَ في شجراءَ وارفةٍ

تاركٌ غصناً إلى غصن

عابثٌ بالزَّهرِ مغتبطٌ

ناعمٌ في الحِلّ والظَّعَن

في ظلالٍ حولها نَهَرٌ

غيرُ مسنونٍ ولا أَسِن

في يديكَ الريحُ تُرسلها

كيفما تهوى بلا رسن

يا سليمانَ الزمانِ أفقْ

ليس للّذات من ثمن

وابعثِ الألحانَ مطربةً

يا حياةَ العينِ والأُذن

غَنِّ بالدنيا وزينتِها

ونظامِ الكونِ والسُّنَن

وبقيعانٍ هبطتَ بها

وبما شاهدتَ من مُدُن

وبأزهار الصباحِ وقد

نهضتْ من غفوة الوسن

وبقلب شفَّه وَلَهٌ

حافظٍ للعهد لم يَخُن

كلُّ شيءٍ في الدُّنا حَسَنٌ

أيُّ شيءٍ ليس بالحسن؟

خالقُ الأكوان كالئُها

واسعُ الإحسانِ والمنن

كان لي إلفٌ فأَبعدهُ

قدَرٌ عنّي وأبعدني

أنا مَدَّ الدهرِ أذكرهُ

وهو مَدَّ الدهرِ يذكرني

قد بنينا العشَّ من مُهجٍ

غُسِلتْ من حَوْبة الدَّرَن

من لَدُنْهُ الودُّ أَخلَصَهُ

والوفا والطهرُ من لَدُنِي

كانتِ الأطيارُ تحسدهُ

جنَّةَ المأوى وتحسدني

وظنَنَّا أنْ نعيش بهِ

عيشة المستعصمِ الأَمِن

فرمتْ كفُّ الزمان بهِ

فكأنَّ العُشَّ لم يكن

طار من حولي وخلّفني

للجوى والبثّ والحَزَن

ونأى عنّي وما برحتْ

نازعاتُ الشَّوق تطرقني

ومضى والوجدُ يسبقهُ

ودموعُ العين تسبقني

إن تزر يا طيرُ دوحتَهُ

بين زهر ناضرٍ وجَنِي

وشهدتَ التمسَ مُضطرباً

واثباً كالصافن الأَرِن

عبثت ريحُ الشمال بهِ

فطغى غيظاً على السُّفن

فانشُدِ الأطيارَ واحدَها

في الحُلَى والحُسن والجَدَن

وتريَّثْ في المقال لهُ

قد يكون الموتُ في اللسَن

صِفْ له يا طيرُ ما لقيتْ

مُهجتِي في الحبّ من غَبَن

صفْ له روحاً مُعذَّبةً

ضاق عن آلامها بدني

صف له عيناً مُقرَّحةً

لأبيِّ الدمعِ لم تَصُن

يا خليلي والهوى إِحَنٌ

لا رماكَ اللهُ بالإحَن

إن رأيتَ العينَ ناعسةً

فترقب يقظة الفِتَن

أو رأيتَ القَدَّ في هَيَفٍ

فاتّخذْ ما شئتَ من جُنَن

قد نعمنا بالهوى زمناً

وشقينا آخرَ الزمن


قصيدة أطلت على سحب الظلام ذكاء

أطلّت على سُحبِ الظلامِ ذُكاءُ

وفُجِّرَ من صخرِ التنُوفة مَاءُ

وخُبّرت الأوثانُ أنَّ زمانَها

تولى وراحَ الجهلُ والجهلاءُ

فما سجدت إلّا لذي العرشِ جبهة

ولم يَرتفعْ إلّا إليه دُعَاءُ

تبسم ثغرُ الصبحِ عن مولدِ الهُدى

فللأرضِ إشراق به وزُهاءُ

وعادت به الصحراءُ وهي جديبة

عليها من الدينِ الجديد رُوَاءُ

ونافست الأرضُ السماءَ بكوكبٍ

وضِيء المحّيا ما حَوَته سماءُ

له الحق والإيمانُ بالله هالة

وفي كلِّ أجواءِ العقولِ فَضاءُ

تألّق في الدنيا يُزيح ظلامَها

فزال عمى من حولهِ وعَماءُ

وردّ إلى العُرْب الحَياة وقد مضى

عليهم زمانٌ والأمامُ وراءُ

حجابٌ طوى الأحدَاثَ والناس دونهم

فأظهر ما تجلو العيون خَفاءُ

بنت أممٌ صرحَ الحضارة ِ حولهم

وأقنعهم إبلٌ لهم وحُداءُ

عُقولٌ من الأحجارِ هامت بمثلها

وكل بَكيمٍ للبكيمِ كِفاءُ

فكم كان للرومانِ والفرسِ صولة

وهم في بوادي أرضهم سُجناءُ

عِرَاكُ وأحقادٌ يشبّ أوارها

جحيماً وكِبرٌ أجْوَفٌ وغَباءُ

عجبتُ لأمرِ القومِ يحمونَ ناقة

وساداتهم من أجْلِها قُتلاءُ

بدا في دُجى الصحراء نورُ محمد

وجلجلَ في الصحراء منهُ نِداءُ

نبيُ به ازدانت أباطِحُ مكة

وعزَّ بهِ ثَوْرٌ وتاه حِرَاءُ

يُنادي جريء الأصغريْن بدعوة

أكبَّ لها الأصنامُ والزُعماءُ

دعاهم لربٍ واحدٍ جلَّ شأنه له

الأمرُ يولى الأمرَ كيف يَشاءُ

دعاهم إلى دينٍ من النورِ والهُدى

سَماحٌ ورفقٌ شاملٌ ووفَاءُ

دعاهم إلى نبِذ الفخارِ وأنهم

أمامَ إله العالمينَ سَواءُ

دعاهم إلى أن ينهضوا بِعُفاتهم

كِراماً فطاحَ الفقرُ والفقراءُ

دعاهم إلى أن يفتحوا القلبَ كي ترى

بصيرتُه ما يُبصر البُصراءُ

دعاهم إلى القرآنِ نوراً وحكمة

وفيه لأدواءِ الصدورِ شِفاءُ

دعاهم إلى أن يهزموا الشركَ طاغياً

تسيلُ نفوسٌ حوله ودِماءُ

دعاهم إلى أن يبتَنُوا الملكَ راسخاً

له العدلُ أسٌّ والطموحُ بناءُ

دعاهم إلى أن الفَتى صُنعْ نَفْسِهِ

وليس له من قومه شُفعاءُ

دعاهم إلى أن يملكوا الأرضَ عُنوة ً

مساميحَ لا كِبرٌ ولا خُيلاءُ


قصيدة صور الله فيك معنى الخلود

صوّرَ الله فيكِ معنى الخُلُودِ

فابلُغى ما أردتِه ثمَّ زيدِي

أنتِ يا مِصْرُ جَنة الله في الأرض

وعَيْنُ العُلاَ وَوَاوُ الوجود

أنتِ أمُّ المَجْدَيْنِ بَيْنَ طَرِيف

يتَحَدَّى الوَرَى وبَيْنَ تَلِيدِ

كم جديدٍ عليه نُبْلُ قديمٍ

وقديمٍ عليه حُسْنُ جديدِ

قد رآك الدهرُ العَتِيُّ فَتاة

وهو طِفلٌ يلهو بِطَوقِ الوليدِ

شابَ من حَوْلكِ الزمانُ ومَاَ زلتِ

كغُصْنِ الريحانَة الأُملودِ

أنتِ يا مِصرُ بَسمة في فم الحُس

نود معُ الْحَنانِ فوقَ الْخُدُودِ

أنتِ في القَفْرِ وَردَة حَوْلَهاَ الشوك

وفي الشوك عِزَّة ٌ لِلْوُرُودِ

يَلْثمُ البحرُ مِنْكِ طِيبَ ثغُورٍ

بَيْنَ عَذْبِ الَّلمَى وبَيْنَ بَرُودِ

يَابْنَة َ النيلِ أنتِ أحْلَى مِنَ الحب

وأزهَى من ضاحِكاتِ الوُعُودِ

نَثَرَ النيلُ فيك تِبراً وأوْهَى

لِينُهُ من قسَاوة الجُلمودِ

فَتَنَ الأَوَّلِينَ حَتى أشارُوا

نحو قدسِي مائهِ بالسجودِ