قصيدة مكة لمحمد حسن فقي

كتابة - آخر تحديث: ١٠:٥٦ ، ٢٧ نوفمبر ٢٠١٨
قصيدة مكة لمحمد حسن فقي

محمد حسن

هو محمد حسن بن محمد حسين بن عثمان فقي شاعر وأديب من السعودية، ولد في مدينة مكة المكرمة عام 1914، وله العديد من القصائد الجميلة، وأول قصيدة نُشِرَت له بعنوان فلسفة الطيور ولقد نشرت في مجلة الحرمين، وفي هذا المقال سنقدم لكم قصيدة مكة لمحمد فقي.


قصيدة مكة

شَجانا مِنكِ يا مَكّة

ما يُشْجى المُحِبِّينا

فقد كُنْتِ لنا الدُّنيا

كما كنْتِ لنا الدِّينا

وكنْتِ المَرْبَعَ الشَّامخَ

يُرشِدُنَا ويَهدِينا

وكنتِ الدَّارةَ الشماءَ

تُكْرِمُنا وتُؤوِينا

وكنْتِ الرَّوضَةَ الغَنَّاء

تُلْهِمُنا وتُعْلِينَا

فما أَغْلاكِ يا مكَّةُ

أَنْجَبْتِ المَيامِينا

وما أَحْلاكِ يا مكَّةُ

ما أحلى القرابينا

نُقدمُها لِمجدِ الله

يُسْعِدُنا ويُدْنينا

أيا مَوْطِنَ مِيلادي

لقد شَرفتِ مِيلادي

كأَنِّي وأنا النُّطْفَةُ

كُوشِفْتُ بِأعيادي

وكانَ صِبايَ تغريداً

كأَنِّي البُلبُلُ الشَّادي

يَرى في الرَّوْضِ والغُدْرانِ

ما يَنْشُدُه الصَّادي

وما كانت سوى الأَّقْداسِ

أَوْدَعَها بِها الهادي

فَسُبْحانَ الذي كَرَّمَ

منها الطَّوْدَ والوادِي

فكانا سادةَ الأَرْضِ

بأغوارٍ وأَنجادِ

فَهَلِّلْ يا صِبايَ الغَضَّ

أَنْتَ سَلِيلَ أَمْجادِ

وكانَ شَبابيَ المَجْدُودُ

بين ظِلالِها يًنْمُو

ويَمْرَحُ بَيْنَ أَتْرابٍ

شمائِلُهم هي الغُنمُ

فَكلُّ سِماتِها شَمَمٌ

وكُلُّ لِداتِها شُمُّ

هي الأُمُّ التي احْتَضَنَتْ

فبُورِكتِ النَّدى الأُم

فَلَيْس لَنا بِها هَمٌّ

سِواها فهي الهَمُّ

يُزيدُ لها حياةَ المَجد

وهي المَجْدُ والكَرَمُ

سَقتها السُّحْبُ ما

يَخْضَرُّ منه القاعُ والأكَمُ

فما أَكْرَمَ ما أَشدَتْهُ

ما يَسْمو به القلم

ألّا يا مَكةُ العَصماء

يا حب الملايين

وذات المَجْدِ في الدُّنيا

وذات المجْدِ في الدِّينِ

لقد أَنْجَبتِ من أَنْجَبْتِ

من غُرِّ المَيامِين

فَكانُوا النُّورَ لِلْعالَمِ

في كُلِّ الميَادينِ

وكانوا الخُلُق السَّاِميَ

يَعْلُوا بالمَساكين

فَيَرفَعهم إلى الذروَةِ

تَصْبو لِلمضامِين

فما يَعْنُونَ بالأَشْكالِ

تَسخَرُ بالمجانِين

كُفينا بِكِ يا مَكَّةُ

مِن شَرِّ الشَّياطِينِ

يا حَنِيني لِمًكَّتي رَغْمَ بُعْدي

عن ثراها الزَّكِي عن أَبنائِه

أنا مِن ذلك الثَّرى قد تكَوَّنْتُ

وفي ظِلّهِ وظِلِّ سَمائِه

كيف لا أَسْتَعِرُّ مِن حُبِّه الهادِي

ولا أَسْتَطيلُ مِن إطرائِهْ

هُولِي خَيْرُ ما أَسْتَحِلُّ من الحُبِّ

وما أَسْتَطيبُ من آلائِه

ذِكْرياتي مُنْذْ الصِّبا عَنْه حَتَّى

شِبْت كانَتُ لِلقلبِ خيْرَ غّذائِهْ

ليتَني ما ارتَحَلْتُ ولا غَابَ

عَنِ العَيْنِ سَرْمَدِيُّ سَنائِه

تِلكَ كانَتْ مَرَابعُ العِزِّ

والصَّبْوة في ناسه وفي أندائِه

أَتمَنَّى البَطْحاءَ تِلْكَ لِمَثْوَايَ

ندِيّاً في صُبْحِه ومَسائِه

بين أَهْلي وَبَيْن صَحْبي فما

أَطْيَبَ هذا الرُّقادَ في بَطْحائِهْ

رَبِّ إنَّ اللِّقاءَ أَمْسى قَريباً

فأَرِحْنِي بِمَنِّه وعطائِه

إنَّ رُوحي مِن الآثامِ تَلَظىَّ

فهو يَخْشى مِن جُرْمِهِ واجتِرائِه

فَعَساهُ يَلقى بِعَفوِكَ عَنْه

ما يُرِيحُ الأَثيمَ مِن بُرَحائِه

كانَ إيمانُهُ قَوِيّاً نَقِيّاً لم

يُعَكِّرْ جُنُوحُهُ مِن صَفائِهْ

أنتَ تَدْرِي به وتَعْرَفُ نَجْواهُ

فَخَفِّفْ عنه شَدِيدَ بَلائِهْ

أَيُهذا الإيمانُ يا بَلْسَمِي الشَّافي

شَفَيْتَ السَّقيمَ مِن أَدوائِة.


قصيدة الطائر الحزين

عُدْت بلا حِسَّ ولا خاطِرِ

كأنًّني عُشٌ بلا طائِرِ

عُشٌّ كَثيبٌ نالَ منه الِبلَى

يَفِيضُ بالبؤسِ على الناظِر

وآه على ماضٍ قطفتُ المُنَى

ريَّانَةً مِن رَوضِهِ النَّاضِرِ

وَلَّى فلم يَبْقَ سوى مُهْجَةٍ

غابِرُها يَبكِي على الحاضِرِ

يَبكي عليه ثم يَرْضى

البِلى كلاهما من أَلَمٍ صاهِرِ

ولا يَضيقانِ بَلاُوائِهِ

ولا يًثُورانِ على الواتِِرِ

فرُبَّما كانت بِطَيَّاتهِ

نُعْمى تُعيدُ الرِّبْحَ للخاسِرِ

مُضاعَفاً يَنْسى بآلائِهِ

ما كانَ من ناهٍ ومن آمِر

ورُبَّ حَظِّ عاثِرٍ يَنْتَهي

بِرَبِّهِ لِلأَمَلِ الزَّاهِرِ

خواطِرٌ هذي جَلاها الأَسى

بعد الدُّجى الحالِكِ للشّاَعِرِ

لكنَّهُ صابَرَ حتى اسْتَوَتْ

وضَّاءَةَ الباطِنِ والظَّاهِرِ

حقائِقاً عادَ بِها ناعِماً

باللاَّبِنِ المُغْدِقِ والتَّامِرِ

يا ذاتَ أَمْسى يا جَلاَل الهوى

يا ذاتَ حُبِّي الوامقِ الطاَّهِرِ

يا رّبَّةَ السِّحْر الذي قادني

إلى الذُّرى ذاتِ السَّنا الباهِرِ

ثُمَّ إلى الدّركِ إلى شِقوَةٍ

أوَّلُها يَعْثُرُ بِالآخِر

كيف طَوى ذاك الجمالَ الرَّدى

وانقلَبَ السحرُ عَلى السَّاحِرِ

عاد به المَهْجُورُ في جَنّةٍ

ولَيْسَ بالباكي ولا السَّاخِرِ

وليس بالتَّاعِسِ من جَورِهِ

وليس بالآسِي على الجائِرِ

وأَنْتِ ما عُدْتِ سوى لِلأسَى

بعد الخَنى بعد الضُّحى العابِرِ

ما أَروَعَ القِصَّة هذي الَّتي

تَروِي عن المَهْجُورِ والهَاجِرِ


قصيدة اعترافات

يهدِّدني الماضي بِأَشباحِ أغوالِ

فأشقى بِسيَّاف وأشقى بِنَبال

وانظُر للماضِيَ فأطوِي على القذى

ضُلوعي وأَخْزى من غُدُوِّي وآصالي

مَضَتْ كلُّها بالمُخزياتِ وخَلَّفَتْ

على غَيْرِ ما أَهوى غَرِيقاً بأَوْحالِ

لقد كنْتُ أَيَّامَ الشَّبابِ مُغامِراً

أَتِيهُ بأقوالٍ سُكارى وأَفعالِ

وما زِلْتُ حتَّى اليَوْم أُصْغي لِصَبْوَتي

وإِن كنْتُ لا أَلْقى لَدَيْها سوى الآل

ولو جَرَفَتْني لِلْحَضيض لما ارْعَوَت

ولو كبَّلَتْني مِن قَذاها بِأَغلالِ

فحّتَّى متى أنْساقُ للإثْمِ خَلْفها

ولِلْعارِ يُشْفيني لَدى الصَّحْبِ والألِ

أَبِيتُ بِهَمٍّ في لَيالِيَّ مُعْضِلٍ

وأَصْحُو على خِزْيٍ يُجَلِّلُ سِربالي

ويَحْسَبُني صَحْبي النَّقِيَّ من الخنى

فَأَبْكي بِسِرِّي مِن حَقارَة أَعمالي

أَأَبْدُو أنا المِفْضال في أَعْيُنِ الورى

وما كنْتُ يَوْماً في الخَفاءِ بِمِفضالِ

يعَفُّ السَّراةُ النَّابِهُونَ وَأنْطَوِي

على نَفسِ مَوْتُورٍ مِن الطُّهْرِ مُغْتالٍ

ويُسْدُونَ آياتٍ من الخَيْرِ والنَّدى

إلى النَّاسِ تَطْوِي كُلَّ ضِيقٍ وإقْلالِ

وأُسْدِي وما أُغْضِي إِليْهِمْ جَوارِحاً

تخدش مِن شَوْكٍ عَتِيٍّ ومن ضالِ

تباركتَ رَبِّي إنَّني مَتَطَلِّعٌ

إلى مَجْدِكَ، السَّامي إلى عَطْفِكَ الغالي

لعلِّي أنالُ الصَّفْحَ منك واسْتوِي

على الدرب لا المُسْتَرِيبِ ولا القالي

أسِيرُ به مُسْتَيْقِناً غَيْرَ صادِفٍ

عن الرُّشْدِ في حِلِّي الأمين وتَرْحالي

وقال أُصَيْحابي وقد شَفَّني السُّرى

إِلى غايةٍ شمَّاءَ في الأُفُقِ العالي

إلى غايةٍ لم تَحْلُ يوماُ لخاطري

ولم يَسْتَطِبها لا ضَميري ولا بالي

ولم يَستَطِيبُوها كَمِثلي فَعَطعَطُوا

عَلَيَّ وقالوا هل تَهيمُ بأَطلالِ

وكُنْتَ وكُنَّا من الفَرادِيسِ نَجْتَني

بها الزَّهَرَ المِعْطارَ والثّمَرَ الحالي