كيفية حسن الظن بالله

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:١٩ ، ١٩ مارس ٢٠١٧
كيفية حسن الظن بالله

حسن الظن بالله

كتب الله سبحانه وتعالى الموت على جميع خلقه، ولم يستثن من ذلك أحداً، فإن الموت حقٌ على كل الناس، وهو جزءٌ من عقيدة المسلم وإيمانه، حيث إنّه يعلم يقيناً أنّه ميتٌ لا شك، وأنه سينتقل من الدنيا إلى الآخرة، ولذلك فإن المؤمن يدرك أنه سيلقى الله سبحانه وتعالى عاجلاً أو آجلاً، وأن الله سيحاسبه على ما كان منه من أعمال وأقوال في الدنيا، وأنه لن ينجو من عذاب الله وعقابه إلا بالعمل الصالح والإيمان المُطلق بالله وحده، وأن لا يشرك به أحداً من خلقه، وإنّ ممّا يُجازي الله عليه عباده المُؤمنين عليه ويُكفاؤهم عليه إحسان الظن بالله والتوكّل عليه في كل أحوالهم، إذ طلب الله من عباده طاعته وعبادته وتوحيده، وفسح لهم المجال لاستدراك ما وقعوا به من معاصي وآثام، فإذا ما استغفروا الله على تلك الذنوب وأدّوا ما فُرِضَ عليهم من الطاعات فإن الله سيغفر لهم لا محالة، وسيُثيبهم على الطاعة، وإن أحسن العبد الظن بالله فإن الله سيُصدِق ظنّه ويُنجّيه من العذاب، قال المصطفى في الحديث الذي يرويه عن ربه: (قال اللهُ جلَّ وعلا: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي؛ إنْ ظنَّ خيرًا، وإنْ ظنَّ شرًّا).[١]


معنى حُسن الظنّ بالله

الظنّ في اللغة يعني الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويُستعمَل لفظ الظن والشكّ في اليقين على حدٍ سواء.[٢] ويُقصد بحُسن الظن بالله


في الاصطلاح هي أن يعلم المُبتَلى أنّ الذي ابتلاه هو الله -سبحانه وتعالى- الحكيم الرحيم، وأنّ الله -عزَّ وجلَّ- لم يُرسِل إليه البلاء ليُهلكه به، أو ليُعذّبه به، أو ليُؤذيه، أو ليضرّه، وإنّما أُرسِل البلاء إليه كما أَرسله إلى غيره من الخلق؛ ليمتحنهم ويمتحنه، ويعلم مدى إيمانه وصبره ورضاه على ما أصابه من الابتلاء، وكي يسمع دعاءه في جوف الله إن كان من أهل الدعاء، وتضرّعه ورجاءه لله بأن يكشف عنه ما أصابه من البلاء، وليرى هل سيصبر على ما أصابه؟ أم أنّه سيكفر بالله ولا يتجاوز ذلك الاختبار إلا فاشلاً؟ وليرى الله عبده المُبتَلى مُتذلِّلاً له يرجوه ولا يرجو سواه، ويدعوه ولا يدعو سواه.[٣]


كيفيّة حُسن الظن بالله

حسن الظن بالله ليس بالأمر السهل، وليس كذلك بالأمر الصعب، إنما ينبغي على المسلم أن يقوم ببعض الأمور حتى يصل إلى القدرة على إحسان الظن بالله، ومن الأمور التي ينبغي على المسلم فعلها لأجل ذلك ما يأتي:[٤]

  • فَهم معاني أسماء الله الحسنى وإدراك صفاته، والإلمام بكل ما يُحيط بتلك الأسماء والصفات، والاطّلاع التام على مِقدار حكمة الله سبحانه وتعالى، وقدرته في خلق الخلق وإيجادهم، وحكمته في العطاء والمنع، وحكمته فيما يُصيب العبد من مصائب وابتلاءات وهموم، وحكمته في كلّ ما يمرّ بالعبد من خيرٍ وشر، وأنّ الله هو وحده المُتصرّف بذلك والقادر عليه.
  • اجتناب المنكرات والآثام والمعاصي، والتوبة على ما اقترف من ذنوب وخطايا، فأنّ المُسلم إذا عصى الله ثم استغفره فإنّه يُدرك جيداً أنّ الله سيغفر له ما كان منه؛ لندمه على ما أذنب، وتوبته الصادقة، وعزمه ألا يعود إليه، فيكون قد وصل إلى إحسان الظن بالله.
  • الإقبال إلى الله بحسن العمل، والسعي لإدراك أعلى المنازل في الجنة، والثقة بأن الله سيدخله في جنّته ويُنجيه من عذابه إذا ما هو قام بما أمره بالقيام به وامتنع عما حرمه ونهاه عنه، وألا يطلب الأجر والثزاب على ما يفعل إلا من الله وحده، وأن يعتقد يقيناً أن الله -سبحانه وتعالى- سيثيبه على ذلك إن التزم به، وأنه سيغفر له إن استغفره وتاب إليه.
  • أن يدرك المسلم أن خزائن السماوات والأرض بيد الله وحده، وأنّه هو الوحيد المُتصرّف فيها بالخلق والإيجاد والإعطاء، وأنّه وحده يُعطي عباده دون أن ينقص ذلك شيئاً من ملكه، وأنّه لا يمنع عن أحدٍ من عباده الرزق أو الخير لبخلٍ أو لحاجته لما منع، وأنّ الله لا ينتفع بطاعة الطائعين ولا يتضرّر بمعصية العاصين.
  • أن يصبر على ما يصيبه من البلاء والمحن، ويحتسب في ذلك الأجر من الله سبحانه وتعالى، حيث قال الرسول عليه الصّلاة والسّلام: (عجباً لأمرِ المؤمنِ إن أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ؛ إن أصابته سراءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له) .[٥]


حُسن الظن بالله في القرآن والسنة

جاء ذكر حسن الظن بالله في القرآن الكريم والسُنّة النبويّة في الكثير من المواضع، وذلك يدلُّ على أهميّتها ومكانته، وأهميّة أن يتوجّه العبد بالدعاء والرجاء إلى الله وعده، ويعتقد أنه هو وحده المُتصرّف بالأمور، وأنه القادر على دفع البلاء عن عباده، وهو القادر على قضاء حوائجهم ومسائلهم على تعدُّدها، وممّا جاء في حسن وسوء الظن بالله في القرآن الكريم والسنّة النبويّة ما يأتي:


في القرآن الكريم

جاء ذكر حسن الظن في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها، على سبيل التمثيل لا الحصر، ما يأتي:[٦]

  • قال تعالى في سورة الحاقة: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ*إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ*فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ*فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ*قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ*كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)؛[٧] ومعنى قوله تعالى (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) أنّ العبد المؤمن إذا حمل كتابه بيمينه يقول: لقد اعتقدت يقيناً أن الله سيُحاسبني فأعددت لهذا اليوم بحسن الظن والعمل، فأنجاه الله من عذاب جهنم وأدخله الجنة.
  • قول الله عزَّ وجلّ: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ)؛[٨] وفي هذه الآية إشارة إلى عقوبة من يسيء الظن بالله -سبحانه وتعالى- ولا يثق بقدرته عزّ وجلّ، وأن هؤلاء سيُعاقبهم الله يوم القيامة لا محالة، وأن من يُسيء الظنّ بالله إنما هو في الحقيقة يَتّهم الله في حكمه وحكمته وقدرته على الخلق ومُحاسبته لهم.
  • قول الله عزَّ وجلّ: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)؛[٩] فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يَنهى عباده أن يظنون به غير الحق، وأن من يكون ذلك حاله فإنه مُتّصف بإحدى صفات الجاهليّة.
  • قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)؛[١٠] فقد وصف الله سبحانه وتعالى الذين يُحسنون الظن به أنهم خاشعين في صلاتهم، وأنهم الأقدر على الصبر على ما يُصيبهم من المصائب، وهم الأقدر على القيام بالصلاة وما يُرافقها من خشوع وصبرٍ عليه وتحملٍ له.


في السنّة النبويّة

جاء في السنة النبوية العديد من الأحاديث التي تُشير إلى فضل حُسن الظن بالله والتوكّل عليه، والاستعانة به في وقت البلاء والمصائب، ومن تلك الأحاديث ما يأتي:

  • قال رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- في الحديث الذي يرويه عن ربه: (قال اللهُ جلَّ وعلا: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي إنْ ظنَّ خيرًا وإنْ ظنَّ شرًّا)،[١] فالله سبحانه وتعالى قد أوكل أمر العبد في هذا الحديث إلى نفسه ودرجة حسن ظنه بالله أو سوء ظنه به، فإن ظن به خيراً كان له ذلك، وإن ظن غير ذلك فهو كما يظن.
  • قال رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام-: (حسنُ الظنِّ مِن حسنِ العبادةِ)،[١١] هذا الحديث يُشير إلى أنّ حسن الظن القائم على ما يكون في قلب المؤمن إنما هو جزءٌ من العبادة التي يُؤجر عليها المسلم ويثاب على فعلها.
  • قال رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام-: (إنَّ اللهَ يقولُ: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني)[١٢]
  • عن جابر بن عبدالله قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قبل موتِه بثلاثةِ أيامٍ، يقول: (لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسنُ الظنَّ باللهِ عزَّ وجلَّ)،[١٣] فقد نبَّه المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- في الحديث أنه لا ينبغي لمؤمن أن يموت إلا وهو يحسن الظن بالله، ممّا يُشير إلى أهميّة الأمر وضرورته.


المراجع

  1. ^ أ ب رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن واثلة بن الأسقع، الصفحة أو الرقم: 641، صحيح.
  2. الجرجاني (1983)، التعريفات (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 144.
  3. الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مجلة البحوث الإسلامية - مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، صفحة 174، جزء 75.
  4. "سبيل الوصول إلى حسن الظن بالله تعالى"، إسلام ويب، 23-1-2010، اطّلع عليه بتاريخ 11-2-2017. بتصرّف.
  5. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن صهيب بن سنان، الصفحة أو الرقم: 2999، صحيح.
  6. "لفظ (الظن) في القرآن الكريم"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 28-2-2017. بتصرّف.
  7. سورة الحاقة، آية: 19-24.
  8. سورة الفتح، آية: 6.
  9. سورة آل عمران، آية: 154.
  10. سورة البقرة، آية: 45-46.
  11. رواه البوصيري، في إتحاف الخيرة المهرة، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2/412، إسناده حسن.
  12. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2675، صحيح.
  13. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم: 2877، صحيح.