للذكر مثل حظ الانثيين

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٠ ، ٥ يونيو ٢٠١٨
للذكر مثل حظ الانثيين

العدل في الإسلام

أمر الله -تعالى- بالعدل، وحرص على تحقيقه في شرائع الإسلام، والناظر في القرآن الكريم يجد فيه آيات عديدة تحثّ على العدل وتدعو إليه، منها قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)،[١] وفي سنّة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أمثلة كثيرة وواضحة على اهتمامه بقيمة العدل؛[٢] ففي قصة المرأة المخزومية التي سرقت على عهد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- مثالٌ جليٌّ على ذلك، فقد حاول أسامة بن زيد -رضي الله عنه- أن يشفع لها عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما كان منه إلّا أن غضب وخرج يخطب بالناس معلّماً إيّاهم درساً عظيماً في أهمية العدل بقوله: (إنما أَهلَك الذين قبلَكم، أنهم كانوا إذا سرَق فيهمُ الشريفُ ترَكوه، وإذا سرَق فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليه الحَدَّ، وأيمُ اللهِ لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرقَتْ لقطَعتُ يدَها).[٣][٢]

أراد الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- في هذه الحادثة وفي غيرها ممّا يشابهها تأكيد مبدأ العدل، وترسيخه في الإسلام، حتى لا يحيد المسلمون عنه أبداً، ويبقوا متمسّكين فيه دائماً، مؤمنين ألّا فرق بين إنسان وآخر بحسب جنسه، أو لونه، أوعرقه، أو غير ذلك، فكلّ الناس سواسية، وبذلك يتحقّق العدل، ويرتقي المجتمع المسلم، ويصل إلى الرخاء والنمو والازدهار، وينتشر دين الإسلام حتى يكون قائداً للعالم أجمع، فيتحقّق بذلك مراد الله -تعالى- من إعمار الأرض ونشر التوحيد فيها،[٢] ومع كل هذا الحرص وهذه الأهمية التي أولاها الإسلام للعدل إلّا أنّ من الناس من يتهمونه بأنّه دين يميّز بين الذكر والأنثى في الإرث، فيفضّل الذكر على الأنثى ويجعلها تساوي نصف إنسان لا إنساناً كاملاً، ويستشهدون لذلك بقول الله -تعالى- في آيات الميراث: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)،[٤] وفيما يأتي بيان مقصود الآية الكريمة ووجه العدل الإلهي فيها.[٥]


للذكر مثل حظ الأنثيين

كان العرب يحرمون الأبناء الميراث، ويجعلونه كاملاً للمقاتلين المحاربين الذي يغزون الأعداء، كما كانوا يرثون النساء غصباً، كأن يأتي الوارث كالابن مثلاً، فيلقي شيئاً من ثيابه على زوجة أبيه الذي يرثه ويقول: (ورثتها كما ورثت ماله)، فيكون بهذه الكلمات أحقّ بها من نفسها، ويحقّ له أن يمنعها من الزواج حتى تفتدي نفسها منه بمالها، أو يزوّجها ويأخذ مهرها لنفسه، أو يبقيها عنده إلى أن تموت فيرث بذلك جميع مالها، فجاء الإسلام يحرّم ذلك كلّه ويمنعه، ويعطي المرأة حقّها في الأمور جميعها بما فيها الميراث، وكذلك كان الحال عند غير العرب قبل الإسلام أيضاً، فالمرأة عند الصينيين واليابانيين في ذلك الزمان لا يحقّ لها الميراث، ولا يحقّ لها تملّك المال من الأساس، وعند اليهود لا يحقّ للمرأة أن ترث إن كان لها إخوة من الذكور، وأمّا النصارى فقد كانوا أيضاً يمنعونها من تملّك المال.[٥]

ولأنّ الإسلام حريص على العدل الصحيح القائم بين الناس على أساس الحقوق والواجبات، فقد أمر بأن يكون نصيب المرأة من الإرث يساوي نصف نصيب الرجل، قال الله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)،[٤] لأنّ الرجل في الإسلام مكلّف بالإنفاق على المرأة، وكلّ الواجبات المالية مطلوبة منه، فنفقة المرأة على أبيها أو ولي أمرها قبل أن تتزوج، فإن لم تتزوج كانت نفقتها دائماً على أقاربها، وتصبح على زوجها إن تزوّجت، ويستوي ذلك إن كانت فقيرة أو غنيّة تملك المال، والمقصود بالنفقة توفير كلّ ما يلزمها وأولادها من مأكلٍ، ومشربٍ، وملبسٍ، ومسكنٍ، ودواءٍ، وخدمةٍ، وحُكم النفقة واجبة على الرجل بالكتاب، والسنة، والإجماع كذلك، كما أنّها إن لم يكن لها زوج ولا ولي ينفق عليها كانت نفقتها واجبة على الدولة المسلمة.[٥]

فالواجبات المالية في الإسلام كلّها تقع على عاتق الرجل؛ ولذلك جُعل نصيبه من الإرث مضاعفاً بالنسبة لنصيب المرأة عدل كامل، بل إنّ الله أعطى المرأة أكثر ممّا يلزمها، فالرجل يأخذ الضعف لكنّه ينفق على أهله وعياله ومستلزمات معيشتهم، أمّا المرأة فإنّها وإن كانت تأخذ النصف إلّا أنّها ليست في حاجة له، بل ربما بقي عندها دون استعمال، أو تنفقه على الكماليات غير الضروريات، يتضح من ذلك أنّ المساواة لا تحقّق العدل إلّا إن كانت بين المتساوين في التكاليف والواجبات أيضاً، وهذا هو المعمول به اليوم في دساتير الدول وقوانينها، فالموظف صاحب العائلة الكبيرة يستحقّ من المخصصات المالية أكثر من غيره، كما أنّ الشرع الإسلاميّ لم يفرّق بين الرجل والمرأة في الكسب على العمل، أو حق التملّك، أو ربح التجارة، إلّا أنّ النساء في أوروبا لا زلن حتى الآن يتظاهرن من أجل الحصول على الحقوق.[٥]


حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل

يدّعي الذين يتهمون الإسلام بالتمييز بين الرجل والمرأة في الميراث أنّ السبب في إعطاء المرأة في الإسلام نصف حقّ الرجل من الميراث اعتبارها نصف إنسان لا إنساناً كاملاً، والحقيقة على غير ذلك، بدليل أنّ المرأة في نظام الميراث الإسلامي قد تأخذ مثل ما يأخذ الرجل أو أكثر منه في بعض الحالات،[٥] منها:[٦]

  • ترث المرأة مثل الرجل عندما تكون أمّاً مع وجود الابن، فهي تأخذ مثلما يأخذ الأب حينها، فيأخذ كلاً منهما السُدس ويبقى الباقي للابن، وكذلك في حال الأخ والأخت لأم، فحينها يرث الاثنين بالتساوي؛ لقول الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ).[٧]
  • ترث المرأة أكثر ممّا يرث الرجل، وذلك كالزوج مع ابنتيه، فهو يأخذ الثلث بينما تأخذ ابنتاه الثلثان، وكذلك الزوج مع ابنته الوحيدة، فهو يأخذ الربع حينها وهي تأخذ النصف، ويرد الربع الأخير لها أيضاً.
  • ترث المرأة ولا يرث الرجل، مثل أن تموت امرأة عن زوج وبنت، وأم وأب، وبنت وابن، حينها تأخذ بنت الابن السدس من التركة، بينما لو كانت ابن ابن لكان نصيبه من التركة صفراً.


المراجع

  1. سورة النحل، آية: 90.
  2. ^ أ ب ت حسين أحمد عبد القادر (2015-10-27)، "العدل في الإسلام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-4-14. بتصرّف.
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 3475، صحيح.
  4. ^ أ ب سورة النساء، آية: 11.
  5. ^ أ ب ت ث ج د. عبدالجبار فتحي زيدان (2013-12-22)، "للذكر مثل حظ الأنثيين"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-4-14. بتصرّف.
  6. "قد ترث المرأة مثل الرجل وأكثر منه"، www.islamqa.info/ar، 2009-8-27، اطّلع عليه بتاريخ 2018-4-14. بتصرّف.
  7. سورة النساء، آية: 12.