ما هو الخشوع في الصلاة

كتابة - آخر تحديث: ٠٧:٤٧ ، ١٣ فبراير ٢٠٢٠
ما هو الخشوع في الصلاة

معنى الخشوع لغةً واصطلاحاً

يُعرّف الخشوع في اللغة والاصطلاح الشرعي بأنّه:

  • الخشوع لغةً: هو الخُضوعُ، والسُّكونُ، والتذلُّلُ، والفعل منه: خَشَعَ، فيُقال: خشَع الشخصُ لربّه: أي خضع واستكان، وتضرّع، وتذلّل، والخُشوعُ يمكن أن يكون في البدن، أو الصوت، أو البصر.[١]
  • الخشوع شرعاً: تحقّق خضوع وتذلّل وانكسار القلب لله -سبحانه-، ومن ذلك قول الله -تعالى-: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ)،[٢] كما يُعرّف الخشوع بأنّه قبول القلب للحقّ، والانقياد والخضوع له إن خالف هواه، وبخشوع القلب يتحقّق خشوع الأعضاء والجوارح؛ إذ إنّها تتبع القلب، وبناءً على ما سبق فمحلّ الخشوع القلب، مع ظهور آثاره وعلاماته على الجوارح والقلب، ولا يتحقّق الخشوع إن لم يكن في القلب.[٣]


حكم الخشوع في الصلاة

اختلف الفقهاء في حكم الخشوع في الصلاة؛ فذهب الجمهور إلى القول بأنّ الخشوع سنةً من سنن الصلاة، واستدلّوا على ذلك بعدم بطلان صلاة من فكّر بأمرٍ من أمور الدنيا، ويُحكم على صلاته بالصحة، خاصّةً إن كانت أفعالها صحيحةً،[٤] إلّا أنّ الإمام الغزالي جعله شرطاً من شروط صحة الصلاة، استدلالاً بعدّة أدلةٍ من القرآن الكريم والسنة النبوية، يُذكر منها:[٥]

  • قول الله -تعالى-: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكري)،[٦] وظاهر الأمر في الآية يُفيد الوجوب، والغافل عن الصلاه الغير محقّقٍ للخشوع لا يكون مُقيماً للصلاة، كما قال -تعالى-: (وَلا تَكُن مِنَ الغافِلينَ)،[٧] فالنهي عن الغفلة وعدم الخشوع يُفيد التحريم، وكذلك نُهِيَ السكران عن الصلاة حتى يعلم ويدرك ما يقول؛ لأنّه غافلٌ لا يحقّق الخشوع.
  • قول الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَنْ لَمْ تَأْمُرْهُ صلاتُهُ بالمعروفِ وتنهاه عنِ المنكرِ لم يزْدَدْ مِنَ اللهِ إلَّا بُعْدًا)،[٨] وقال الغزالي بأنّ صلاة الغافل لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر.
  • قول النبي -صلّى الله عليه وسلّم-: (ليسَ للعبدِ من صلاتِهِ إلا ما عَقَلَ منها).[٩]
  • قول رسول الله: (إنَّ العبدَ ليصلي الصلاةَ لا يُكتبُ له نِصفُها ولا ثُلُثُها ولا رُبُعُها ولا خُمُسُها ولا سُدُسُها ولا عُشْرُها).[١٠]
  • إنّ المصلي يُناجي ربّه في صلاته، ولا تتحقّق المناجة من الغافل غير الخاشع.


كيفية الخشوع في الصلاة

يمكن للمسلم تحقيق الخشوع في الصلاة بعدّة أمورٍ، بيان البعض منها فيما يأتي:[١١]

  • تجنّب حديث النفس، والتفكير بأمور الدنيا، وتركيز التفكير بأمور الصلاة، وما فيها من الأقوال والأفعال.
  • النظر إلى موضع السجود حال القيام، وإلى الحضن حال الجلوس.
  • تجّنب ارتداء ملابس التي قد تُلهي المصلّي، وتُشغله.
  • عدم الإكثار من الحركة، والالتفات أثناء الصلاة.
  • عدم عدّ الآيات التي تُقرأ في الصلاة، أو مرّات التسبيح في الركوع والسجود.
  • الحرص على وضع المصلّي لسترةٍ، أو حاجزٍ أمامه.
  • تدبّر معاني آيات القرآن الكريم.[١٢]
  • استحضار القُرب من الله -تعالى- في الصلاة، وخاصةً في السجود، كما أنّه موضع استجابة الدعاء، ورفع الدرجات.[١٢]


أسباب الخشوع في الصلاة

لا بدّ للمسلم حتى يحقّق الخشوع في الصلاة أن يحرص على ما يحقّق الخشوع، ويقويه، ويبتعد عمّا يقلّل الخشوع ويُنافيه، ومن الأسباب المعينة على الخشوع:[١٣]

  • الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها؛ ومن ذلك حُسن الوضوء، والدعاء بين الأذان والإقامة، والتسوّك، وتسوية الصفوف، وانتظار الصلاة، والاطمئنان فيها.
  • قراءة الآيات آيةً آيةً، فذلك يُعين على التدبّر والخشوع، والحرص على ترتيل الآيات.
  • استشعار إجابة الله لعبده المصلّي، قال الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (قالَ اللَّهُ تَعالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ)، قالَ اللَّهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قالَ اللَّهُ تَعالَى: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: (مالِكِ يَومِ الدِّينِ)، قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، فإذا قالَ: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قالَ: هذا بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: (اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذينَ أنْعَمْتَ عليهم غيرِ المَغْضُوبِ عليهم ولا الضَّالِّينَ) قالَ: هذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَأَلَ).[١٤]
  • تجنّب التركيز على آياتٍ، أو أدعيةٍ، أو أذكارٍ معيّنةٍ في الصلاة، وترديدها في كلّ صلاةٍ، والحرص على التنويع فيها، وبذلك تتجدّد المعاني والدلالات، ويتحقّق الخشوع أيضاً.
  • أداء سجود التلاوة إن مرّ به المصلّي أثناء القراءة في الصلاة.
  • الاستعاذة بالله، واللجوء إليه من الشيطان الرجيم، وبذلك يتقي المصلّي وساوس الشيطان، ويطردها.
  • التأمّل في حال السلف الصالح، وحرصهم على أداء الصلاة، والخشوع فيها، فقد كان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يتغيّر لون وجهه، وتتغيّر حالته؛ إن حضرت الصلاة، وحين سُئل عن ذلك أجاب بإنّه وقت الأمانة.
  • معرفة عظيم أجر الخشوع في الصلاة، وممّا يبيّن ذلك قول الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (يقولُ ما مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فيُحْسِنُ وُضُوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها، إلَّا كانَتْ كَفَّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ ما لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وذلكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ).[١٥]
  • عدم أداء الصلاة بحصر البول، أو الغائط، أو الرِّيح، أو النوم، أو بحضور الطعام، لقول النبي -صلّى الله عليه وسلّم-: (لا صَلَاةَ بحَضْرَةِ الطَّعَامِ، ولَا هو يُدَافِعُهُ الأخْبَثَانِ)،[١٦] وقوله: (إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ في الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ، حتَّى يَعْلَمَ ما يَقْرَأُ).[١٧]
  • أداء الصلاة بعيداً عن أي أمرٍ قد يُشغل البال والتفكير، فعلى سبيل المثال: أداؤها بعيداً عن المتحدّثين والمتكلّمين؛ لعدم التفكير بحديثهم.
  • تجنّب رفع البصر إلى السماء، أو التثاؤب، وغير ذلك من الأمور الصارفة للخشوع.
  • النظر إلى موضع السجود، وعدم الالتفات في الصلاة.[١٨]


موانع الخشوع في الصلاة

توجد عدّة أمورٍ لا بدّ من ابتعاد المصلّي عنها لكي يحقّق الخشوع في الصلاة، منها:[١٩]

  • الاختصار في الصلاة: وقد اختلف العلماء في معناه؛ فمنهم من فسّره بوضع اليد على الخاصرة، وقيل بأنّه الاقتصار في القراءة، وعدم إعطاء الصلاة حقّها، بالاختصار من واجباتها.
  • كثرة العبث والحركة: فقد وضع الله -سبحانه- للصلاة من السنن، والآداب، والشروط، ما يجعل المسلم يُتقنها، وينتفع بها في الدنيا والآخرة، لذلك لا يليق بها كثرة العبث والحركة؛ فذلك يُفقد المصلّي الخشوع.[٢٠]
  • فرقعة الأصابع: لأنّ ذلك ينافي الخشوع، ومثل ذلك الفعل: العبث باللحية، أو الساعة، ونحو ذلك.[٢١]
  • إلصاق القدمين: فقال الحنفيّة بسُنيّة التفريق بين القدمين بمقدار أربع أصابع؛ تحقيقاً للخشوع، وقد عدّ الشافعية إلصاق القدمين ببعضهما البعض تكلّفٌ ينافي الخشوع، وكرهوه، وقالوا بالتفريق بين القدمين بمقدار شِبْرٍ، وقال المالكية والحنابلة: بأنّ المصلّي يفرّج بين قدميه بالمقدار المعروف عرفاً، بقدرٍ متوسطٍ؛ بحيث لا يضمّهما ولا يوسعّ بينهما كثيراً، وقالوا بأنّ التفريق بين القدمين مندوبٌ.[٢٢]


ثمرات الخشوع في الصلاة

تترتّب العديد من الثمار والآثار الحسنة على الخشوع في الصلاة، فيما يأتي ذكر البعض منها:[٢٣]

  • تكفير صغائر الذنوب، لقول النبي -صلّى الله عليه وسلّم-: (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ).[٢٤]
  • استجابة الدعاء في الصلاة.
  • سببٌ في قبول الطاعات، وسائر الأعمال.
  • نيل الثواب العظيم الذي أعدّه الله -تعالى- لعباده الطائعين.
  • تحقيق صفة الفلاح، لقول الله -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ).[٢٥]
  • حبّ الصلاة والمسارعة إليها، والعون على القيام بما وجب الله -تعالى-، والبُعد عمّا حرّم.


المراجع

  1. "تعريف و معنى خشع في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com. بتصرّف.
  2. سورة القلم، آية: 43.
  3. د. محمد الصبّاغ (1999م)، الخشوع في الصلاة (الطبعة الثالثة)، الرياض: مكتبة الورّاق، صفحة 15-16. بتصرّف.
  4. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 117، جزء 19. بتصرّف.
  5. إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، بيروت-لبنان: دار المعرفة، صفحة 159-161. بتصرّف.
  6. سورة طه، آية: 14.
  7. سورة الأعراف، آية: 205.
  8. رواه الهيثمي، في مجمع الزوائد، عن عبد الرحمن بن يزيد، الصفحة أو الرقم: 2/261، رجاله رجال الصحيح.
  9. رواه ابن باز، في فتاوى نور على الدرب، الصفحة أو الرقم: 7/356، صحيح.
  10. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج سنن أبي داود، عن عمار بن ياسر، الصفحة أو الرقم: 7/267، صحيح.
  11. الماوردي (1999)، الحاوي الكبير (الطبعة الأولى)، بيروت-لبنان: دار الكتب العلمية، صفحة 191-193، جزء 2. بتصرّف.
  12. ^ أ ب أبو بكر، "كيف تخشع في الصلاة"، www.saaid.net. بتصرّف.
  13. "33 سببا للخشوع في الصلاة "، www.ar.islamway.net، 31-8-2003، اطّلع عليه بتاريخ 1-2-2020. بتصرّف.
  14. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 395، صحيح.
  15. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عثمان بن عفان، الصفحة أو الرقم: 228، صحيح.
  16. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 560، صحيح.
  17. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 213، صحيح.
  18. ابن رجب الحنبلي، الخشوع في الصلاة، القاهرة: دار الفضيلة، صفحة 22. بتصرّف.
  19. شرح بلوغ المرام، عطية بن محمد سالم، صفحة 3، جزء 49. بتصرّف.
  20. عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر، شرح سنن أبي داود، صفحة 1، جزء 87. بتصرّف.
  21. محمد التويجري (1990)، موسوعة الفقه الإسلامي (الطبعة الأولى)، مصر: بيت الأفكار الدولية، صفحة 446، جزء 2. بتصرّف.
  22. وهبة الزحيلي، الفقة الإسلامي وأدلته (الطبعة الرابعة)، سوريا: دار الفكر، صفحة 881-882، جزء 2. بتصرّف.
  23. محمد الصباغ (1999)، الخشوع في الصلاة (الطبعة الثالثة)، القاهرة-مصر: دار السلام، صفحة 41-44. بتصرّف.
  24. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 233، صحيح.
  25. سورة المؤمنون، آية: 1-2.