ما هو طريق التوبة

كتابة - آخر تحديث: ٠٦:٣٨ ، ٣ يوليو ٢٠١٨
ما هو طريق التوبة

التوبة إلى الله

ما من إنسانٍ على وجه الأرض إلّا هو خطّاءٌ ذو ذنبٍ، لكنّ المؤمن الحقّ هو الذي يسارع بعد الذنب بالتوبة، والعودة إلى الله تعالى من فوره، فلا يبقى على الذنب ويغرق في الخطايا، بل يعود نادماً تائباً، راجياً رحمة الله، ومغفرته، وقد فتح الله الكريم باب توبته لعباده المذنبين؛ فلم يغلق الباب في وجههم، أو يقطع عليهم طريق العودة إليه، فباب التّوبة والعودة إليه مفتوحٌ على الدّوام، وفي ما يأتي بيانٌ لمفهوم التّوبة وحكمها، وحديثٌ عن طريقها، وشروط تحقيقها.


تعريف التوبة وحكمها

تعرّف التّوبة في اللغة والاصطلاح كما بيّنها العلماء، على النحو الآتي:

  • تعريف التّوبة لغةً: التوبة هي مصدرٌ من الفعل تابَ، وتأتي بمعنى الإنابة والعودة، والرجوع إلى الصّواب، فإذا قيل تاب الإنسان فمعناها أقلع عن ذنبه ورجع، ويقال تاب الله عليه؛ أيّ وفّقه للتوبة والإنابة.[١]
  • تعريف التوبة اصطلاحاً: هي الرّجوع عن معصية الله تعالى، وعن اقتراف الآثام إلى طريق طاعته ورضوانه.[٢]

والتوبة واجبةٌ، وقد أوجبها الله -تعالى- على كلّ المؤمنين من جميع الذّنوب والخطايا، قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)،[٣] وقد أوجبها الله تعالى؛ لأنّه ما من سبيل للفلاح والنّجاح في الدّنيا والآخرة، إلّا بالتّوبة والسعي لنيل رضا الله تعالى، وترك المعاصي؛ ولذلك خاطب الله تعالى المؤمنين مراراً، ونبّههم على ضرورة تجديد توبتهم كلّما وقعوا في ذنبٍ كبُر أم صغُر، حيث قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)،[٤] فهذا أمرٌ آخر للمؤمنين بملازمة التوبة النصوح، وهي التوبة الصّادقة الشاملة لكلّ الذنوب، مع ضمان الثبات على ذلك، وعدم العودة للذّنب مجدّداً.[٥]


طريق التوبة

يعتبر المشي في طريق التّوبة أولى الخطوات في طريق الإيمان، والانطلاقة للإيمان الصّحيح، قال الله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)،[٦] ولأهميّة التوبة عند الله تعالى؛ فإنّ الله -تعالى- يفرح أشدّ الفرح لعبده إن تاب وترك المعصية لوجهه وابتغاء مرضاته، قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (للهُ أشدُّ فرحاً بتوبةِ عبدِه المؤمنِ من رجلٍ في أرضِ دوِّيَّةٍ مَهلَكةٍ، معه راحلتُه عليها طعامُه وشرابُه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطشُ، ثمّ قال: أرجعُ إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموتَ، فوضع رأسَه على ساعدِه ليموتَ، فاستيقظ وعنده راحلتُه وعليها زادُه طعامُه وشرابُه، فاللهُ أشدُّ فرحاً بتوبةِ العبدِ المؤمنِ من هذا براحلتِه وزادِه).[٧][٨]

إذا كان هذا فرح الله -تعالى- بتوبة العبد، فلا بدّ أنّه يحبّ عباده التّوابين، ويحبّ هذه الخصلة فيهم، قال الله -تعالى- في سورة البقرة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)،[٩] والتوّاب هو من مشى في طريق التوبة، وسلكها كلّ وقتٍ؛ فهي صفةٌ ملازمةٌ له، كلّما أحدث ذنباً أو قصّر في جنب الله -تعالى- تاب وأناب إليه، ونوى الإحسان في قادم أيّامه، فاستحقّ محبّة الله تعالى وتكريمه، ولكي يكون الإنسان توّاباً وينال حبّ الله -تعالى- له، فإنّ لتوبته شروطٌ يجب أن يلتمسها حتى يقبل الله -تعالى- توبته ويرفعه بها، فمن شروط قبول التوبة عند الله -تعالى- ما يأتي:[٨]

  • أن يعترف التائب أمام الله -تعالى- بذنبه وتقصيره، وينوي التوبة منه.
  • أن يخلص التائب توبته لوجه الله -تعالى- وحده، فإنّ الله -تعالى- لا يقبل من العمل إلّا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.
  • أن يُقلع التائب عن هذا الذّنب ويتركه، فلا يأتيه مرّةً أخرى إن تكرّرت أسبابه ووُجدت.
  • أن يكثر التائب من الاستغفار على خطيئته، ويشعر بالندم لإتيانها؛ فإنّ الله -تعالى- يغفر لمن استغفر ويتوب عليه.
  • أن يردّ التائب المظالم إلى أهلها؛ فإن كانت توبته من ظلمٍ أو ضررٍ ألحقه بإنسانٍ، فعليه أن يردّ المظالم له، ويطلب منه العفو والمُسامحة.


التوبة النصوح

إنّ من صفات التوبة التي يحبّها الله -تعالى- لعباده أن تكون توبةً نصوح، وهي التوبة الشاملة الكاملة، المتميّزة بمواصفاتٍ تؤكّد صدق صاحبها، ورغبته في أن يتوب الله عليه، ويغفر له ما أصاب، ومن صفات التوبة النّصوح ما يأتي:[٨]

  • التوبة النّصوح هي توبة مخلصة لوجه الله تعالى، لا يُراد بها رضا أحدٍ سواه.
  • التوبة النّصوح مشفوعة بالنّدم والاستغفار والطمأنينة لعدم العودة إلى الذّنب.
  • التوبة النصوح تشمل بغض الذّنب الذي كان، والحياء من إتيانه، وتذكّر ذلك.
  • التوبة النصوح فيها ردّ المظالم، والمداومة على الطاعات، والتسامح مع الخصوم، وطلب العفو منهم.
  • التوبة النّصوح يلازمها بكاءٌ دائمٌ؛ رغبةً وشوقاً في توبة الله -تعالى- عليه.
  • التوبة النّصوح علامتها ثلاث: مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ، وهي علامات الرغبة في ترك كلّ ما سوى رضا الله تعالى.
  • التوبة النّصوح تشمل نسيان الذنب من أساسه، فإنّ من أحبّ الله -تعالى- وتوجّه إليه نسي ما لا يرضيه.
  • التوبة النّصوح تشمل أن ينصح التائب نفسه وإخوانه المؤمنين ليكون حالهم كحاله توّابين فائزين بإذن الله.


أمور تُعين على التوبة

هناك أمور تُعين العبد ليحقّق التوبة النّصوح بإذن الله، منها:[١٠]

  • استحضار عظمة الله تعالى، وفضله ونعمه على العبد، وأنّ العبد يجب عليه أن يقابل الإحسان بالإحسان والطاعات، لا بالجحود والنكران.
  • تذكّر العاقبة السيئة للذنوب والمعاصي، وأنّها تجلب سخط الله تعالى، وتُخرج الإنسان من توفيقه ورضاه.
  • استحضار أهميّة التوبة وفضائلها العائدة على العبد إن هو أقبل تائباً، وضرورة المسارعة في ذلك قبل أن يحين الأجل والإنسان في لهوٍ وغفلةٍ.
  • تذكّر المسلم يوم الحساب، وأنّه سيقف بين يدي ربه، وأنّ أعماله ستُعرض عليه حينها، فليقدّم ما يحبّ أن يلقاه يوم القيامة ويحاسب عليه.
  • الصحبة الصّالحة التي تُعين على الإقبال على الطاعات وهجر المحرّمات، فإنّ المرء على دين خليله، فليحرص على مصاحبة الأخيار وأهل طاعة الله -تعالى- وخشيته.
  • الإكثار من حفظ القرآن الكريم وتلاوته؛ فإنّه كلام الله -تعالى- يُعين على الإقبال عليه وحبّه، وتجنّب ما يُسخطه.


المراجع

  1. "معنى كلمة التوبة"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2018-5-18. بتصرّف.
  2. ابن عثيمين (18-8-2008)، "ما تعريف التوبة وما شروطها؟"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 17-5-2018. بتصرّف.
  3. سورة النور، آية: 31.
  4. سورة التحريم، آية: 8.
  5. سعيد القحطاني (24-9-2013)، "التوبة (حكمها وفضلها وشروطها)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 18-5-2018. بتصرّف.
  6. سورة النساء، آية: 146.
  7. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 2744 ، صحيح.
  8. ^ أ ب ت عبد الستار المرسومي (7-12-2014)، "الله يحب التوابين"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 18-5-2018. بتصرّف.
  9. سورة البقرة، آية: 222.
  10. "أمور تعين على التوبة"، fatwa.islamweb.net، 16-2-2003، اطّلع عليه بتاريخ 18-5-2018. بتصرّف.