ما هو فضل الاستغفار

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:١١ ، ٨ يوليو ٢٠١٨
ما هو فضل الاستغفار

الاستغفار

يُمكن تعريف الاستغفار بطلب الوقاية من الذنوب مع سترها، حيث إنّ الله -تعالى- يمحو العقوبة المترتبة على الذنب بالإضافة إلى أنّه يستر التائب في الدنيا والآخرة، فلا يفضحه، وقد ذكر الله -تعالى- الاستغفار في القرآن الكريم في صيغٍ مختلفةٍ، فذكر بأنّه يغفر لمن استغفره، حيث قال الله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا)،[١] وفي موضعٍ آخرٍ مدح المستغفرين، حيث قال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)،[٢] وأمر بالاستغفار في آيةٍ أخرى، حيث قال: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)،[٣] وتجدر الإشارة إلى أنّ الاستغفار والتوبة مصطلحاً متلازمان، ولكنّ الفرق بينهما أنّ التوبة تكون بالإقلاع عن الذنب بالجوارح والقلب، وأمّا الاستغفار فهو طلب مغفرة الذنوب باللسان، ويُمكن القول أنّ حكم الاستغفار كحكم الدعاء، فإذا خرج الاستغفار من قلبٍ منكسرٍ بالذنوب، أو كان في وقتٍ من أوقات استجابة الدعاء؛ كالأسحار، وبعد الصلوات، فقد يستجيب الله -تعالى- له، كما أنّ للمغفرة عدّة أسباب، وأعظمها هو توحيد الله تعالى، حيث إنّ الله -تعالى- يعفي عن أهل التوحيد الخالص ما لا يعفيه عن الذين شابتهم شائبة الشرك، ولو أتى أهل التوحيد بملء الأرض خطايا لغفرها الله تعالى، ولا يحصل ذلك لمن نقص توحيده، كما قال الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ).[٤][٥]


فضل الاستغفار

إنّ للاستغفار عدّة فضائل؛ منها:[٦]

  • إنّ الاستغفار هو الحصن الذي يُلتجأ إليه، ويُعتمد عليه في التطهير من الذنوب والآثام التي قد يقع العبد فيها، بالإضافة إلى أنّ الاستغفار دواء من الله -عزّ وجلّ- لمن يعاني من ضيق الصدر، وقلّة بركة الرزق، كما ورد في صحيح مسلم أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (إنه لَيُغانُ على قلبي، وإني لأستغفرُ اللهَ، في اليومِ، مئةَ مرةٍ).[٧]
  • إنّ الاستغفار دواء الذنوب، وكفّارة للسيئات؛ فالعبد بحاجة للاستغفار دائماً؛ لأنّ كلّ بني آدم يذنبون، ويُخطئون، والله -تعالى- يغفر الذنوب بالاستغفار، حيث قال الله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا)،[٨] وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (يا أيُّها النَّاسُ استَغفِروا ربَّكم وتوبوا إليهِ فإنِّي أستَغفِرُ اللَّهَ وأتوبُ إليهِ في كلِّ يومٍ مئةَ مرَّةٍ أو أَكْثرَ مِن مئةَ مرَّةٍ )،[٩] وروى رياح القيسي أحد السلف، وكان من أصدقاء مالك بن دينار، أنّه كان له نيف وأربعون ذنب، وقد استغفر لكلّ ذنب مئة ألف مرةٍ.
  • المداومة على الاستغفار يعدّ سبباً في تفريج الهموم، وجلب الأرزاق، وخروج من العوارض والضوائق، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( مَن لزِم الاستغفارَ جعل اللهُ له من كلِّ همٍّ فرجاً، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجاً، ورزَقه من حيثُ لا يحتسبُ).[١٠]
  • إنّ الاستغفار سبب لنزول المطر من السماء، وحصول البركة في الأموال، والأولاد، والأرزاق، والثمار، كما قال الله تعالى: (قُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا).[١١]
  • جعل الله -تعالى- الاستغفار أمان من العقوبة، إذا صدر من قلوبٍ صادقةٍ موقنةٍ، وسبباً في دفع البلاء والنقم، وأمان من العذاب، حيث قال الله -تعالى- في مُحكم التنزيل: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرونَ ).[١٢]
  • الاستغفار سبب لإنزال الله -تعالى- للخير والنعم على العباد، وإبدال خوفهم أمناً، وفقرهم غنى، وشقائهم سعادةً، كما قال الله تعالى:(وَأَنِ استَغفِروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيهِ يُمَتِّعكُم مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤتِ كُلَّ ذي فَضلٍ فَضلَهُ)،[١٣] ومن الجدير بالذكر أنّ صفحة العبد ترفع بيضاء إذا كثُر فيها الاستغفار، وأمّا إذا كانت خاليةً من الاستغفار فتُرفع سوداء.


استغفار الصحابة وتوبتهم

لم يكن الصحابة -رضي الله عنهم- ملائكةً معصومين عن الخطأ، بل كانوا بشراً، ومن الممكن أن يُذنبوا ويُخطئوا، ولكنّهم كانوا لا يؤخّرون الاستغفار والتوبة، فقد كانوا يعلمون أنّ التوبة حتى تكون متقبّلة لا بُدّ أن تكون سريعة، كما أنّهم كانوا يعلمون أنّ كلّ ذنب جهالة، ومن القصص التي تبيّن صدق توبتهم واستغفارهم ما حدث بحصار رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لحصون بني قريظة عندما خانوا عهد المسلمين، وبعد خمس عشرة ليلةٍ من الحصار دبّ الرعب في قلوب اليهود، وطلبوا من النبي أن يُرسل إليهم رجلاً من الصحابة؛ ليتفاوضوا معه، واختاروا أبا لبابة رضي الله عنه؛ طمعاً بأن يكون رحيماً عليهم؛ لأنّه كان حليفهم في الجاهلية، وكان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قد قرّر قتل يهود بني قريظة؛ جزاءً لهم على خيانتهم التي كادت أن تستأصل المسلمين في المدينة، وقبل أن يُرسل أبو لبابة إليهم، حذّره من أن يخبرهم بهذا القرار، ثمّ ذهب إليهم أبو لبابة -رضي الله عنه- فلمّا دخل إليهم استقبله رجالهم، وقامت نساؤهم وأطفالهم يبكون في وجهه، فرقّ لهم، حيث كانت تجمعه بهم علاقات سابقة، فقالوا: (يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمّد صلّى الله عليه وسلّم؟)، فأجابهم بلسانه قائلاً: (انزلوا على حكمه)، وأشار إلى حلقه؛ قاصداً أنّه سيذبحكم، فأفشى سرّ رسول الله، وخان عهده، فقال أبو لبابة: (فوالله ما زالت قدماي من مكانهما، حتى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله)، فعلم أنّه قد أذنب ذنباً عظيماً، ورغم ذلك لم يتردّد في الإسراع إلى التوبة، فتوجّه أبو لبابة إلى المسجد، ولم يذهب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ ربط نفسه في أحد أعمدة المسجد، وعزم على ألّا يفكّ نفسه، إلّا إن فكّه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بعد أن تنزل توبته من عند الله تعالى، ولمّا وصل الخبر إلى النبي قال: (أما لو جائني لاستغفرت له، فأمّا وقد فعل ما فعل، فما أنا بالذي يطلقه حتى يتوب الله عليه)، وبقي أبو لبابة مقيّداً ستة أيام، وكانت زوجته تأتي إليه، وتفكّه للصلاة، ثمّ تربطه من جديد، والألم الشديد يعتصره، وقد تاب توبةً صادقةً وسريعةً إلى الله تعالى، فنزلت رحمة الله على أبي لبابة، وقُبلت توبته، وفي الصباح سُمع ضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ من شدّة فرحه بقبول توبة أبي لبابة، وقال: (لَقْد تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ)، فتسابق الناس إليه؛ ليبشروه بالتوبة، ويفكّوه، إلّا أنّه رفض أن يفكّه أحد غير رسول الله، ففكّ قيده رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عند صلاة الصبح، وتمّت توبته.[١٤]


المراجع

  1. سورة النساء، آية: 110.
  2. سورة ال عمران، آية: 17.
  3. سورة المزمل، آية: 20.
  4. سورة النساء، آية: 122.
  5. "الاستغفار"، articles.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 9-6-2018. بتصرّف.
  6. "مناجم الأسرار في فضل الاستغفار"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 9-6-2018. بتصرّف.
  7. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن الأغر المزني أبي مالك، الصفحة أو الرقم: 2702، صحيح.
  8. سورة النساء، آية: 110.
  9. رواه رجل من المهاجرين، في الأمالي المطلقة، عن ابن حجر العسقلاني، الصفحة أو الرقم: 255، صحيح.
  10. رواه ابن باز، في مجموع فتاوى ابن باز، عن ابن عباس، الصفحة أو الرقم: 210/11، صحيح.
  11. سورة نوح، آية: 10-12.
  12. سورة الأنفال، آية: 33.
  13. سورة هود، آية: 3.
  14. "كن صحابيًا - (12) الصحابة والتوبة"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 9-6-2018. بتصرّف.