ما هي وصايا لقمان لابنه

كتابة - آخر تحديث: ٠٧:٥٢ ، ٢٦ مارس ٢٠٢٠
ما هي وصايا لقمان لابنه

لقمان الحكيم

هو لقمان بن عنقاء بن سدون، ويُقال: لقمان بن ثاران، كان عبداً حبشيّاً أسودَ قصيراً، منخفض قصبة الأنف، غليظ الشفتَين، مُشقَّق القدمَين، وكان رجلاً صالحاً مُكرِماً للجار، غاضّاً للبصر، عفيف المَطعم، عابداً لله، مُوفِّياً بعهده أميناً، غاضّاً للبصر، حافظاً للسان، حكيماً وعالماً، وكان يترك ما لا يعنيه، كما كان عميق النظر في الأمور؛ يُطيل السكوت، ولا يتحدّث إلّا بالحكمة.[١]


وصايا لقمان لابنه

أوصى لقمان الحكيم ابنه بوصايا جمعت بين أصول العقيدة، والشريعة، والأخلاق، وتقدير قدرة الله -تعالى-، ونفاذها في خلقه، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المُنكر، والصبر على ما نزل به من مصائب، والاتِّصاف بلِين الجانب، والابتعاد عن التكبُّر، والتحدُّث إلى الناس بلُطف، مع خفض الصوت، والابتعاد عن الغلظة في الكلام.[٢]


الوصايا المُتعلِّقة بأصول العقيدة

  • التوحيد: وذلك بقوله: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّـهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)؛[٣] حيث أمرَ ابنَه أن يعبدَ الله -عزّ وجلّ- وحدَه، ونهاه أن يعبدَ غيره، وأخبره أنّ الشرك ظلم عظيم؛ فهو ظلمٌ لما فيه من وَضعٍ للشيء في غير مكانه، وعظيمٌ لما فيه من التسوية بين المُدبِّر لكلّ شيء ومن لا يملك نفعاً، ولا ضَرّاً من الأصنام.[٤]
  • التذكير بالحساب وعلم الله الواسع: وذلك بقول الله -تعالى-: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[٥]، فإلى الله -عزّ وجلّ- المرجع، لا ملجأ منه -سبحانه- إلّا إليه، فينبّئ الإنسانَ بما غاب عنه من أمور في الدنيا؛ حيث إنّ الإنسان ينسى، والله لا يخفى عليه شيء، ولا ينسى ما اقترفه الإنسان من الذنوب، كما لا يخفى عنه ما أدّاه من العبادات.[٦]


الوصايا المُتعلّقة بالأعمال الصالحة

أوصى لقمان ابنه بجملةٍ من الوصايا التي فيها أعمالٌ صالحة، ومنها:

  • البِرّ بالوالدين: وذلك في قوله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ*وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)؛[٧] ففي الآية الكريمة جملة الحثّ على بِرّ الوالدين، وبيان لحالهما، والجهد المبذول منهما تجاه أولادهما، وما تعانيه الأمّ من جهد الحمل، وتعب الإرضاع، بالإضافة إلى طلب الشكر للوالدين؛ لأنّه من الشكر لله، وأمرٌ لمَن كان أبواه على الشرك بالإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في شركهما.[٨]
  • إقامة الصلاة: وذلك بقوله: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ)؛[٩] وكان ذلك انتقالاً منه إلى تعليم ابنه أصول الأعمال الصالحة بعد أن كان يُعلّمه أصول العقيدة؛ فبدأ بأهمّ الأعمال وهي الصلاة، والتي هي عمود الدين، وأمره بأن يبقى مُقيماً للصلاة، ومُحافظاً عليها؛ لأنّها من أعظم القُربات إلى الله -عزّ وجلّ-.[١٠]
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وذلك بقوله: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ)؛[٩] وهذه من أعظم القُربات التي قد يفعلها العبد، وهي السبب الذي بعث الله الأنبياء لأجله، وتكمن أهمّية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في حفظ مصالح العباد، وحقوقهم، فالضرورات الخمس المعروفة لا يتمّ الحفاظ عليها إلّا من خلال الأمر بالمعروف، والنهي عن المُنكر، وهي سبيل صَون العقيدة، وحفظ الفضيلة، وفلاح الأمّة، ونَصرها.[١١]
  • الصبر: وذلك بقوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)؛[٩] إذ أمر ابنَه بأن يتحمّل ما ينزل به من مصائب، وحوادث، وأوصاه بالصبر بعد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنّه سوف يتعرّض للإيذاء؛ جرّاء هذين الأمرَين، فإن صبر فإنّ الله سيجزيه الأجر العظيم.[١٢]


الوصايا المُتعلِّقة بالعلاقة مع الناس

وردت العديد من الوصايا في ما يتعلّق بالروابط مع الناس، ومنها:

  • التنفير من الكبر وازدراء الناس: وذلك بقوله: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)؛[١٣] إذ نهاه عن احتقار الناس، وازدرائهم، وعدم الميل عنهم بوجهه، أو إظهار هيئة المُستخِفّ بهم.[١٤]
  • تَرك الخيلاء والفخر: وذلك بقوله: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)؛[١٣] وفي هذا نهي صريح عن عموم التكبُّر؛ سواء كان في المشي، أو في غيره، ونهيٌ عن الفرح المُفرط الذي يَظهر فيه الكِبر، وبيانٌ أنّ الله -عزّ وجلّ- يبغض أهل التكبُّر والخيلاء.[١٤]
  • الوقار والتوسُّط: وذلك بقوله: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ)؛[١٥] وفي هذا أمرٌ له بالاعتدال في المَشي، وذلك بالتوسُّط فيه؛ دون إسراع، أو إبطاء مُخِلَّين.[١٦]
  • أدب الحديث: وذلك بقوله: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)؛[١٥] إذ أمره هنا بخفض الصوت أثناء الكلام؛ لما في ذلك من الوقار، وعدم إيذاء الناس، وضرب له مثلاً بعُلوّ الصوت، ألا وهو صوت الحمير؛ لما كان معروفاً بين العرب من قُبحه.[١٧]


العِبر المُستفادة من وصايا لقمان

تُستفاد من قصّة لقمان الحكيم مع ابنه وموعظته له عدّة عِبر، منها:[١٨]

  • تفضُّل الله -عزّ وجلّ- على سائر خلقه، وإنعامه عليهم، فهو من أعطى الحكمة للقمان -عليه السلام-، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ).[١٩]
  • أهمّية شُكر الله -تعالى- على نِعمه التي لا تُعَدّ، ولا تُحصى.
  • أهمّية عناية الوالد بولده، واختصاصه بالنصح له، كما فعل لقمان بابنه، وكما نصح نبيّ الله نوح عليه السلام ابنه بقوله: (يا بُنَيَّ اركَب مَعَنا وَلا تَكُن مَعَ الكافِرينَ)،[٢٠] بالإضافة إلى نُصح يعقوب عليه السلام لأبنائه بقوله: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).[٢١]
  • بيان عظيم خطر الشرك بالله -تعالى-، وما في ذلك من ظُلم.
  • الحرص على بِرّ الوالدين، والاعتناء بهما،وشُكرهما، وتخصيص الأم بمزيد من العناية؛ لما بذلته من جهد في الحمل، والرضاعة، والتربية، والرعاية.


لقمان في القرآن

قِيل إنّ قريشاً سألت النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن قصّة لقمان الحكيم مع ابنه، فنزلت السورة إجابة لهم عن سؤالهم، وابتدأت السورة الكريمة ب (الم)؛[٢٢] تنبيهاً للأسماع للإنصات إلى الهدي الربّاني، وتضمّنت الآيات الكريمة ذِكر المُحسنين أهل الفلاح، وذكرت صنفَين من الناس؛ الصنف الذي يُعرِض عن الحقّ عند عَرضه عليه، والمؤمن الذي يقبله دون تردُّد، ثمّ ذكرت الجزاء الخاصّ بكلٍّ منهما، وتطرّقت الآيات إلى ذِكر مظاهر قدرة الله -عزّ وجلّ-، كما ذكرت تحدّي النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للمشركين؛ بإظهار قدرة الله على كلّ شيء، وعلى الآلهة التي عبدوها، وبيّنت عجزهم عن ذلك، وانحباسهم في ظلمات الشرك، ثمّ تطرّقت إلى ذِكر وصايا لقمان لابنه، وبيان الأصول التي اشتملت عليها هذه الوصايا؛ من توحيد لله -عزّ وجلّ-، والنهي عن الشرك به، والأمر بأداء أصول العبادات، وذِكر جملة من النصائح في التعامل مع الناس، وغيرها الكثير من المقاصد التي اشتملت عليها الآيات الكريمة.[٢٣] وطرح لقمان مثلاً في بيان قدرة الله -عزّ وجلّ- حين ضرب مثلاً بحبّة الخردل في صِغر حجمها، وحقارة منزلتها؛ إذ إنّها لو أُخفِيت تحت صخرة لأخرجها الله -عزّ وجلّ- بلطيف عِلمه.[٢٤]


للمزيد من التفاصيل عن سورة لقمان الاطّلاع على مقالة: ((تعريف سورة لقمان وسبب نزولها)).


الحكمة في التربية

تعدّدت تعريفات الحكمة، وكثرت لدى أهل العلم؛ كلٌّ بحسب اختصاصه، وذلك على النحو الآتي:[٢٥]

  • أهل التفسير: عرّفوها بأنّها: معرفة الإنسان الحقّ لنفسه، وتعلُّمه الخير؛ كي يعمل به، وهو ما يُعَدّ مُكلّفاً به.
  • المُحدثين: عرّفوها بأن يُصيب الإنسان في قوله، ومنهم من قال: هي نور يُفرّق الإنسان به بين ما يُلهَم به، وما يُعرَض في نفسه من وساوس، وقِيل: دقّة الجواب مع سرعته.
  • الفقهاء: قال الإمام النوويّ: هي العلم الذي يشتمل على معرفة الإنسان بالله، بحيث يُعطى نفاذ البصيرة، يتبعه تهذيبٌ للنفس؛ للوصول إلى الحقّ، والعمل به، واجتناب ما يُخالفه.
  • أهل السلوك: قالوا إنّها هيئة للقوّة العقليّة العمليّة المُتوسّطة بين أفعال المَكر، والحيلة، والبلاهة.

ويُشار إلى أنّ تربية الأبناء تحتاج إلى كثير من الجهد، والكدّ، كما تحتاج إلى حكمة لإدارة المواقف، وتنسيقها، فالحكمة تقوم على ساقَين، هما: العلم، والفقه؛ ولهذا كانت الحكمة مرتبطة بالعلم النافع، والعمل الصالح، والإنسان لا يبلغ مرتبة الحكمة بالعلم وحده، بل يجب عليه العمل كذلك، وعلى المُربّي أن يكون قدوة صالحةً لمَن تتمّ تربيته، جامعاً للعلم والفهم، رابطاً إيّاها بالعمل، ومن أساليب التربية:[٢٦]

  • أسلوب الموعظة: وهو الأسلوب الذي يتمّ فيه نُصح الشخص، مع تذكيره بعواقب الأمور المُترتِّبة على فعله، يقول الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ).[٢٧]
  • أسلوب التودُّد: وذلك بالتقرُّب إلى المنصوح، وذلك في قوله لابنه: (يَا بُنَيَّ)،[٢٧] مع التكرار في التودُّد.
  • أسلوب التدليل والتعليل: وذلك بأن يُدلّل الإنسان على كلامه، ويبرهنه، كما في قوله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).[٢٨]
  • أسلوب التنفير من الأعمال المُستقبَحة؛ كقوله: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).[٢٩]


المراجع

  1. إسماعيل القرشي (2003م)، البداية والنهاية (الطبعة الأولى)، مصر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، صفحة 6-9، جزء 3. بتصرّف.
  2. وهبة الزحيلي (1422 هـ)، التفسير الوسيط للزحيلي (الطبعة الأولى)، دمشق: دار الفكر، صفحة 2026، جزء 3. بتصرّف.
  3. سورة لقمان، آية: 13.
  4. أحمد المراغي (1365 هـ)، تفسير المراغي (الطبعة البأولى)، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده، صفحة 81، جزء 21. بتصرّف.
  5. سورة لقمان، آية: 15.
  6. أحمد حطيبة، تفسير الشيخ أحمد حطيبة، السعودية: موقع الشبكة الإسلامية، صفحة 6، جزء 228. بتصرّف.
  7. سورة لقمان، آية: 14-15.
  8. محمد الصابوني (1402 هـ)، مختصر تفسير ابن كثير (الطبعة السابعة)، بيروت: دار القرآن الكريم، صفحة 65، جزء 2. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ت سورة لقمان، آية: 17.
  10. محمد بن عاشور (1384 هـ)، التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، صفحة 164، جزء 21. بتصرّف.
  11. خالد السبت (1415 للهجرة)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الطبعة الأولى)، الإمارات العربية المتحدة: المنتدى الإسلامي، صفحة 60-62. بتصرّف.
  12. محمد الشعراوي (1997م)، تفسير الشعراوي، مصر: مطابع أخبار اليوم، صفحة 11661، جزء 19. بتصرّف.
  13. ^ أ ب سورة لقمان، آية: 18.
  14. ^ أ ب محمد بن عاشور (1384 هـ )، التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، صفحة 166، جزء 21. بتصرّف.
  15. ^ أ ب سورة لقمان، آية: 19.
  16. نعمة الله النخجواني (1419 للهجرة)، لفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية الموضحة للكلم القرآنية والحكم الفرقانية (الطبعة الأولى)، مصر: دار ركابي للنشر، صفحة 133، جزء 2. بتصرّف.
  17. نصر السمرقندي، بحر العلوم، صفحة 26، جزء 3. بتصرّف.
  18. مصطفى العدوي، قصة وصايا لقمان لابنه، مصر: مكتبة مكة، صفحة 76-81. بتصرّف.
  19. سورة لقمان، آية: 12.
  20. سورة هود، آية: 42.
  21. سورة البقرة، آية: 132.
  22. سورة لقمان، آية: 1.
  23. مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (1393 هـ )، التفسير الوسيط للقرآن الكريم (الطبعة الأولى)، مصر: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، صفحة 75-76، جزء 8. بتصرّف.
  24. سعيد حوّى (1424 هـ )، لأساس في التفسير (الطبعة السادسة)، القاهرة: دار السلام، صفحة 4331، جزء 8. بتصرّف.
  25. عدد من المؤلفين، نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (الطبعة الرابعة)، جدة: دار الوسيلة للنشر والتوزيع، صفحة 1679، جزء 5. بتصرّف.
  26. أحمد القاضي، "الأهداف التربوية لوصايا لقمان لابنه"، المشير، اطّلع عليه بتاريخ 31-1-2020. بتصرّف.
  27. ^ أ ب سورة لقمان، آية: 13.
  28. سورة لقمان، آية: 14.
  29. سورة لقمان، آية: 19.
1269 مشاهدة