مفهوم الإرث

مفهوم الإرث

مفهوم الإرث

يُطلق الإرث في اللّغة العربيّة على ما يتبقّى من الشّخص بعد وفاته، وينتقل لِمن كان باقياً بعده من ورثته،[١] وفي الاصطلاح هو: انتقال أموال المتوفّى التي تركها بعد وفاته لورثته الشّرعييّن وفق ما حدّدته الشّريعة الإسلاميّة،[٢][٣] ويُسمّى الإرث أيضاً تَرِكة؛ لأنّها تعني كل ما يتركه المتوفّى من الأموال والأملاك بشكلٍ عام،[٤] فتكون التّركة بكلّ ما يتركه الميّت وراءه من أموال سواءً كانت أموالاً منقولة؛ مثل النّقود العينيّة، والذّهب، والفضّة، والأثاث، والسّيارات، أو كانت أموالاً غير منقولة؛ مثل الأراضي، والمزارع، والبيوت، والعمارات، ونحوه، وكلّها تُوزّع على مستحقّيها بعد وفاة صاحبها.[٥]


أركان الإرث

أركان الإرث ثلاثة هي: المُورِّث والوارث والوِرثة،[٦] والمقصود بهذه الأركان ما يأتي:[٧][٨]

  • المُورّث: وهو المتوفّى الذي ترك خلفه أموالاً أو حقوقاً، سواءً كان ميّتاً حقيقة أو حُكماً مثل المفقود.
  • الوارث: وهو الشّخص الحيّ الذي تنتقل إليه أموال المُتوفّى، ويربطه به أحد الأسباب، كوجود القرابة بينهما أو المصاهرة.
  • الوِرثة: وهو ما تركه المتوفّى خلفه من الأموال أو الحقوق.


أسباب الإرث

يُعرّف السّبب بأنّه ما يُتوصّل به إلى شيءٍ غيره، وفي الفقه هو ما يلزم من وجوده الوجود، وما يلزم من عدمه العدم،[٩] أمّا الأسباب التي تُوجب الميراث؛ فهناك أربعة أسباب اتّفق الفقهاء الأربعة على ثلاثة منها، واختلفوا في السّبب الرّابع، وفيما يأتي بيانها:

  • النّسب أو القرابة: والمراد بها القرابة الحقيقيّة والصّلة التي تجمع الوارث بالميّت بالولادة، ولا يُعتدّ بالقرابة البعيدة، وهؤلاء الورثة هم فروع الرّجل وأصوله وفروع أصوله، ومنهم من يرث بالفرض ومنهم من يرث بالعصبة، وهم: الأولاد وأبناؤهم، والآباء والأمّهات وآباؤهم، والإخوة والأخوات، والأعمام وأولادهم،[٨] وميراث الأقارب ثابتٌ بدليل الآية القرآنية في قوله -تعالى-: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ).[١٠][٧]
  • النّكاح أو المصاهرة: يثبت الميراث لِكِلا الزّوجين بمجرد وقوع عقد الزّواج الصّحيح بينهما، حتّى لو مات أحدهم قبل الخلوة والوطء فإنّه يرث زوجه،[١١] قال الله -تعالى-: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)،[١٢][٧] بينما لا يتوارث الأزواج بعضهما إذا كان عقد الزّواج باطلاً؛ كما في زواج المتعة، أو فاسداً؛ كما في الزّواج القائم بدون شهودٍ.[٨]
أمّا المطلّقة فإن كانت مطلّقة طلاقاً رجعيّاً ومات عنها زوجها في فترة العدّة فإنّها ترثه؛ لأنّ الزّواج ما زال قائماً، وإن طلّقها طلاقاً بائناً؛ فإنّه يُنظر في حال الزّوج إن كان قد طلّقها وهو في صحّته فإنّها لا ترثه، لأنّ الزّواج انتهى بينهما، ولكن قد يُطلّق بعض الأزواج زوجاتهم عند مرضهم؛ تهرّباً من الورثة، وفي هذه الحالة يثبت لها الميراث عند جمهور الفقهاء خلافاً للشّافعية، لأنّ قصد الزّوج من هذا الطّلاق غالباً هو إيقاع الظلم بزوجته والإضرار بها وحرمانها من حقّها.[٨]
  • الولاء: والمراد به أن يكون الرّجل رقيقاً، ثمّ يُعتقه سيّده، فإنّه يرث سيّده إن مات ولا وارث له، كما يرث السيّد مملوكه إن لم يكن له وارث، لأنّه يجمع بين السّيد والعبد صلة وقرابة حُكميّة، فيرث كُلّاً منهما الآخر تعصيباً، فقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- : (إنَّما الوَلَاءُ لِمَن أَعْتَقَ).[١٣][١٤]
  • جهة الإسلام: والمقصود بها أن يموت الشّخص ولا وارث له أبداً من الأسباب السّابقة، فتنتقل وِرْثته إلى بيت مال المسلمين، وتُصرف في أمور تخدم عامّة المسلمين، كبناء المساجد وإعمارها ونحوه، فقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- : (أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه)،[١٥] وهذا السّبب من أسباب الميراث ثابت عند المالكيّة والشّافعية فقط.[٨]


موانع الإرث

هناك موانع إذا وُجدت فلا يوجد الميراث معها؛ لأنّ المانع هو ما يلزم من وجوده العدم، وموانع الميراث منها ما اتّفق الفقهاء عليه، وهي: الرّق والقتل واختلاف الدّين، ومنها ما اختلفوا فيه وهي: الرّدة واختلاف الدّارين والدّوْر الحُكميّ، وفيما يأتي بيانها وتفصيلها:[٩]

  • الرّق: اتّفق عامّة الفقهاء بأنّ الرّق هو مانع من موانع الميراث، فلا يرث العبد أقاربه ولا يُورّثهم؛ لأنّه ملك لسيّده، ولأنّ ماله ينتقل إليه.[١٦]
  • القتل: لا خلاف بين الفقهاء بأنّ القاتل يُحرم من الميراث، سواءً كان قتلاً متعمّداً أو شبه عمد أو عن طريق الخطأ، والسّبب في ذلك لأنّ القاتل استعجل على الميراث وقَتَل فعوقب بالحرمان منه، فهناك قاعدة شرعية معروفة تقول: "من استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه".[١٧]
  • اختلاف الدّين: فلا يرث المسلم كافراً، ولا الكافر يرث مسلماً عند جميع المذاهب، كما ثبت في الحديث الشّريف: (لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمَ)،[١٨][١٦] وإن كان يربط بينهما صلة قرابة أو زواج أو ولاء، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز توريث الكافر إن دخل في الإسلام قبل تقسيم التّركة، وذلك لترغيبه وتحبيبه في الإسلام.[١٩]
  • الرّدة: والمرتدّ هو من ترك الإسلام، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنّه لا يرثه أحد من المسلمين ولا من أصحاب الدّيانة التي انتقل إليها، ويُصرف ماله لبيت مال المسلمين، ويرى آخرون أنّ الميراث ينتقل لورثته المسلمين، ويُعامل معاملة الميّت، وإن كانت المرتدّة مرأة يرث أقاربها مالها كلّه في قول عند الحنفيّة.[١٩]
  • اختلاف الدّارين: أي اختلاف المِلل والديانات، وقد تعدّدت آراء الفقهاء في كون اختلاف الدّارين مانعاً من الميراث أو لا، فيقول الحنفيّة أنّ غير المسلمين يرثون بعضهم على اختلاف مللهم، بينما يرى المالكيّة في الصحيح عندهم بأنّ ملة اليهود والنّصارى واحدة فيرثون بعضهم ولا يرثون من الملل الأخرى، وهو قول للإمام أحمد بن حنبل أيضاً، وعند الشّافعيّة يُمنع الميراث لاختلاف الملّة، فلا يرث اليهودي النصرانيّ ولا العكس، ويرث أصحاب كلّ ملّةٍ من ملّتهم فقط.[١٩]
  • الدّوْر الحُكمي: وهو أن يقرّ أخ الميّت بوجود ابن للمتوفّى مجهول النّسب، فإنّه يثبت نسبه ويُمنع توريثه؛ لأنّه لو ورث الابن لحجب الورثة عن الأخ، وهذا المانع قال به بعض الشّافعيّة فقط، خلافاً لجمهور الفقهاء.[١٩]


المراجع

  1. صالح الفوزان (1428)، الملخص الفقهي (الطبعة الاولى)، الرّياض، دار العاصمة، صفحة 235، جزء 2. بتصرّف.
  2. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة الرابعة)، دمشق، دار الفكر، صفحة 7697، جزء 10. بتصرّف.
  3. محمد التويجري (2009)، موسوعة الفقه الإسلامي (الطبعة الاولى)، بيت الأفكار الدولية، صفحة 596، جزء 3. بتصرّف.
  4. سيد سابق (1977)، فقه السنة (الطبعة الثالثة)، بيروت، دار الكتاب العربي، صفحة 604، جزء 3. بتصرّف.
  5. مجموعة من المؤلفين (1992)، الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي (الطبعة الرابعة)، دمشق، دار القلم، صفحة 71، جزء 5. بتصرّف.
  6. محمد التويجري (2009)، موسوعة الفقه الإسلامي (الطبعة الاولى)، بيت الافكار الدولية، صفحة 393، جزء 4. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت عبد الله الطيار (2012)، الفقه الميسر (الطبعة الثانية)، الرياض، مَدَارُ الوَطن للنَّشر، صفحة 228-229، جزء 5. بتصرّف.
  8. ^ أ ب ت ث ج وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة الرابعة)، دمشق، دار الفكر، صفحة 7703-7706، جزء 10. بتصرّف.
  9. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت، دار السلاسل، صفحة 22، جزء 3. بتصرّف.
  10. سورة الانفال، آية: 75.
  11. محمد ابن عثيمين (1423)، تلخيص فقة الفرائض، دار الوطن، صفحة 7. بتصرّف.
  12. سورة النساء، آية: 12.
  13. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 6752، صحيح.
  14. محمد عبد الغفار، مهمات في أحكام المواريث، صفحة 5، جزء 3. بتصرّف.
  15. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن المقدام بن معدي كرب، الصفحة أو الرقم: 6147، حسن.
  16. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين (1424)، الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، صفحة 282، جزء 1. بتصرّف.
  17. محمد التويجري، مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة (الطبعة الحادية عشرة)، المملكة العربية السعودية، دار أصداء المجتمع، صفحة 881. بتصرّف.
  18. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أسامة بن زيد، الصفحة أو الرقم: 6764، صحيح.
  19. ^ أ ب ت ث مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 24-29، جزء 3. بتصرّف.
324 مشاهدة
للأعلى للأسفل