من هم يأجوج ومأجوج

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:١٤ ، ٩ يوليو ٢٠١٩
من هم يأجوج ومأجوج

يأجوج ومأجوج

جعل الله الناس شعوباً وقبائل وأقواماً، ولكل قومٍ صفات خاصة يتصفون بها تميزهم عن غيرهم من الأقوام، منهم من اندثر، ومنهم من لا زال نسله وسلالته باقيةً إلى يومنا هذا، ومن الأقوام القديمة قومٌ ذكرتهم جميع الديانات السماوية، وحذرت منهم، وهم قوم يأجوج ومأجوج الذين كانوا في أحد الأزمنة قبل الميلاد، وكان لهم بطشٌ كبير، ولا يستطيع أحد من الناس مواجهتهم أو قتالهم، حتى جاء ذو القرنين كما ورد في سورة الكهف، فسجنهم خلف سور عظيم لا قِبلَ لهم به، وما يزالون يتناسلون إلى يومنا هذا في مكانٍ لا يعلمه إلا الله، قال تعالى في ذكر قصتهم: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا*قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا*قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا*آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا*فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا).[١]


التسمية والنسب

يرجع سبب تسمية يأجوج ومأجوج بذلك: إلى الأجيج، المأخوذ من أجيج النّار، فإن النّار إذا اضطرمت اضطربت وصار لهَبُها يتداخل بعضه في بعض، وذلك كناية عن اشتداد لهيبها وتوقدها،[٢] وقيل: سُمّوا بذلك لكثرتهم وشدَّتهم وقوّتهم وشدة بأسهم، وقيل: من الأُجاج والذي هو الماء المالح جداً، وقيل: إنّ يأجوج ومأجوج هما اسمان أعْجَميّان، وقيل: وهم لكثرتهم هكذا، ويرجع نسب يأجوج ومأجوج إلى يافِث بن نوح باتّفاق النَسّابين.[٣]


يأجوج ومأجوج في القرآن والسُّنة

جاءت قصة قوم يأجوج ومأجوج مع ذي القرنين مفصّلةً في القرآن الكريم، وتحديداً في سورة الكهف، حيث إنّ الملك الصّالح ذا القرنين كان يتنقل في أرجاء الأرض؛ ليصلح ما أفسده الناس فيها، حتى وصل إلى قوم كانوا يتأذون من قوم يأجوج ومأجوج فطلبوا منه أن يكف شرَّهم عنهم، قال الله تعالى: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا*حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا*قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا*قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا*آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)،[٤]


طلب أهل تلك المنطقة من ذي القرنين أن يفعل شيئاً عظيماً يحجب فيه يأجوج ومأجوج ويردعهم عن جورهم، كأن يبني سَدّاً يحميهم فيه من بأس وجور يأجوج ومأجوج وظلمهم وجبروتهم؛ حيث إنهم كانوا أهل إفسادٍ وخرابٍ في الأرض وقتل للناس بلا وجه حق، ولم يكن لأهل ذلك الزّمان بهم قوّة أو قدرة على مواجهتهم؛ لقوتهم وكثرة عددهم، فعمد ذو القرنين إلى بناء سدٍّ عظيم، واعتمد في صناعته بشكلٍ خاص على الحديد والنّحاس المُذاب، حيث جمع أهل تلك المنطقة تلك المعادن، ثم صهرها ذو القرنين وصبها في ذلك السور بين الجبلين، وأنشأ السد بين قوم يأجوج ومأجوج وبين الناس، فحُجِز قوم يأجوج ومأجوج فيه، ولم يتمكنوا من تجاوزه أو اختراقه حتى يومنا هذا، وهم يسعون لذلك في كل يوم ولن يتمكنوا من اختراقه حتى يأذن لهم الله بذلك، فقد صنع ذو القرنين السد بحرفيةٍ عالية، وهو في مكانٍ لا يعلمه إلّا الله عز وجل، فإذا اقتربت السّاعة أذن الله لهم بتجاوزه وخرقه. قال الله عزّ وجلّ في ذكر ذلك وبيانه: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ*وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ).[٥]


ذكر الطبري أنّ قوم يأجوج ومأجوج ينقسمون إلى ثلاثة أصناف بحسب حجمهم وطولهم وعرضهم: فمنهم قسمٌ طويل يبلغ طولهم كطول شجر الأرز، أما القسم الثاني فطولهم وعرضهم واحد، أما الصنف الثالث فيفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى فتُغطّي سائر جسده من كبرها وضخامتها، وهم قومٌ شديدو التناسل والتكاثر، حيث روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (إنَّ الرجلَ منهم لا يموتُ حتى يُولدَ له ألفُ ذكرٍ)[٦]عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 8/283، إسناده صحيح.</ref> قال: وكان عبد الله بن مسعود يَعجَب ويستغرب من كثرتهم ويقول: (لا يموت من يأجوج ومأجوج أحد حتّى يولد له ألف رجل من صُلبه)،[٧] لذلك فإن قوم يأجوج ومأجوج يتناسلون ويكثرون بشكلٍ لا يتصوره عقل، إذ يولد للرجل منهم ما يزيد عن ألف رجل وهو ما زال على قيد الحياة.


إفساد قوم يأجوج ومأجوج

إذا جاء أمر الله واقتربت الساعة خرج قوم يأجوج ومأجوج من حبسهم، وبدأوا في الإفساد في الأرض، وينتشر بطشهم ويخشى الناس منهم فيختبئون في الملاجئ، ويفسد قوم يأجوج ومأجوج في الأرض إفساداً عظيماً، ويكون ظهورهم من حيث الترتيب بعد ظهور المسيح الدجّال، وبعد نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وكذلك بعد ظهور المهديّ الذي يملأ الأرض عدلاً بعد ظلم، فيوحي الله عزّ وجل إلى سيدنا عيسى عليه السّلام أنّ قوم يأجوج ومأجوج قد انتشروا في الأرض وبدأوا يفسدون فيها، وأنّه لا قُدرة لأحدٍ على قتالهم ومواجهتهم، فيذهب المسيح عيسى عليه السّلام ومن معه من المُؤمنين بأمر الله وحمايته، ويحتمون في جبل الطّور، فيقتل قوم يأجوج ومأجوج كل من يلقونه من أهل الأرض، ويبقى الصّالحون مع عيسى عليه السّلام مُحتَمين في جبل الطّور وملتفّين حوله.[٨]


موت قوم يأجوج ومأجوج

أخبر رسول الله عليه الصّلاة والسّلام أصحابه في عدد من الروايات والنصوص عن إفساد قوم يأجوج ومأجوج ومن ثم هلاكهم وموتهم، منها ما رواه أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِي، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (يُفتَحُ يأجوجُ ومأجوجُ، ويَخرجُونَ على النَّاسِ، كما قالَ الله عزَّ وجلَّ: (مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ)[٩] فيَغشونَ الأرضَ، ويَنحازُ المسلِمونَ عَنهم إلى مدائنِهِم وحصونِهِم، ويضمُّونَ إليهم مواشيَهُم، ويَشربونَ مياهَ الأرضِ، حتَّى أنَّ بعضَهُم ليمرُّ بالنَّهرِ فيَشربونَ ما فيهِ، حتَّى يترُكوهُ يبسًا، حتَّى أنَّ مَن بعدَهُم ليَمرُّ بذلِكَ النَّهرِ فيقولُ: قد كانَ ههُنا ماءٌ مرَّةً، حتَّى إذا لم يبقَ منَ النَّاسِ إلَّا أحَدٌ في حصنٍ أو مدينةٍ قالَ قائلُهُم: هؤلاءِ أَهْلُ الأرضِ، قَد فَرَغنا مِنهُم، بقيَ أَهْلُ السَّماءِ، قالَ: ثمَّ يَهُزُّ أحدُهُم حَربتَهُ ثمَّ يرمي بِها إلى السَّماءِ، فترجعُ مُختَضِبةً دمًا، للبلاءِ والفِتنةِ، فبينَما هم علَى ذلِكَ، إذ بعثَ اللَّهُ دودًا في أعناقِهِم، كنغفِ الجرارِ الَّذي يخرجُ في أعناقِهِم، فيصبحونَ موتى لا يسمعُ لَهُم حسًّا، فيقولُ المسلمونَ: ألا رجلٌ يشري نفسَهُ فينظرَ ما فعلَ هذا العدوُّ. قالَ: فَيتجرَّدُ رجلٌ منهُم لذلِكَ مُحتسبًا لنَفسِهِ قد أظنَّها على أنَّهُ مَقتولٌ، فينزِلُ، فيجدُهُم مَوتَى بعضُهُم علَى بَعضٍ، فيُنادي: يا مَعشرَ المسلِمينَ، ألا أبشِروا، فإنَّ اللَّهَ قد كفاكم عدوَّكُم. فيخرجونَ من مدائنِهِم، وحصونِهِم، ويسرِّحونَ مواشيَهُم، فما يَكونُ لَها رعيٌ إلَّا لحومُهُم، فتشكَرُ عنهُ كأحسنِ ما تشكرُ عن شَيءٍ منَ النَّباتِ أصابَتهُ قطُّ).[١٠]


ومن ثمّ يُرسل الله عز وجلّ مطراً غزيراً إلى الأرض فيطهرها من أجسادهم بعد أن يكون قد أهلكهم جميعاً، فتغسل الأرض منهم وتزول آثارهم بأمر الله سبحانه وتعالى، ثم يأمر الله عزّ وجل الأرض بعد ذلك بأن ترجع بركاتها إليها، فترجعها وتزدهر الأرض، وتنعم بالخُضرة والحياة من جديد.[١١]


المراجع

  1. سورة الكهف، آية: 93-97.
  2. محمد بن صالح العثيمين (1426)، شرح العقيدة السفارينية (الطبعة الأولى)، الرياض: دار الوطن، صفحة 458.
  3. عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي، حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، صفحة 81.
  4. سورة الكهف، آية: 92-96.
  5. سورة الأنبياء، آية: 96-97.
  6. رواه ابن جرير الطبري، في مسند ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 1/404 ، إسناده صحيح.
  7. محمد بن جرير الطبري (2000)، جامع البيان في تأويل القرآن (تفسير الطبري) (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 111، جزء 18.
  8. عبد الله بن سليمان الغفيلي (1422)، أشراط الساعة (الطبعة الأولى)، السعودية: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 97.
  9. سورة الأنبياء، آية: 96.
  10. رواه الوادعي، في الصحيح المُسند، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 413، حديثٌ حَسَن.
  11. عصام موسى هادي (2003)، صحيح أشراط الساعة (الطبعة الولى)، بيروت: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 124.