موضوع عن رأس السنة الهجرية

موضوع عن رأس السنة الهجرية

المقدمة: السنة الهجرية وسم تاريخي عميق

إنَّ رأس السنة الهجرية هو اليوم الذي هاجرَ فيه الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم هو وأصحابه بدينِهِم وأرواحهم، إذ خرجوا من مكّة المكرمة إلى المدينة التي كان يطلق عليها في الماضي يثرب، وقد جاء رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام إليها نورًا وهداية، ورأس السنة الهجرية: هو بداية التأريخ الإسلاميّ الذي تم بدء العمل به في فترة خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وما زال حتى الآن، يعمل به المسلمون في بقاع الأرض كافّة، فقد اتخذ هذا القرار في فترة خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تيمنًا بهجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- إذ التصق هذا التقويم بالمسلمين وسُمّي: بالتقويم الهجري؛ إذ يعتبر يوم الهجرة هو رأس السنة الهجرية، ويصادف اليوم الأول من شهر محرّم.



العرض: السنة الهجرية مشكاة نور في نفوس المسلمين

إنّ لرأس السنة الهجرية أثرًا كبيرًا في نفوس المسلمين، فهم يستشعرون قدسيّة الأحداث التي اعترضت النبي وصحابته الكرام في أثناء رحلته صوب المدينة المنورة، إذ يستعرض المسلمون جميعًا مختلف الأحداث التي مرت بالهجرة النبوية الشريفة بعقل واعٍ وفكرٍ منفتح،

ويتأثرون بالمواقف التي مرت بالرسول الكريم وصحابته الكرام، وكان لاتخاذ قرار الهجرة مِن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أثر كبير في نفوس الصحابة فقد تعاونوا مع بعضهم بعضًا من أجل إنجاح المخطط.


وافق علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على طلب النبي عليه السلام أن ينام مكانه؛ حتى لا تلتفت قريش لغيابه عن المنزل، إذ كان خروجه وقت الظهيرة ، بينما يشعر الجميع بالحر ويرتاحون في بيوتهم، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد اقترح على النبي مرافقته في هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة فوافق النبي على ذلك وهاجرا معًا متحمّلين شتّى صنوف الصعاب البدنية والنفسية، وقد شعر أبو بكر الصديق بالقلق عند اقتراب رجال قريش من الغار الذي كانوا يختبئون فيه، وهو غار ثور لكن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- طمأنه وأخبره أن الله معهم في رحلتهم هذ وأنْ لا يقلق أبدًا. ولمواقف أصحاب النبي تلك أثر كبير في نفوس المسلمين إذ يتعلمون كيفية التضحية وأثرها على حفظ الدين الإسلامي ونشره في المدينة.


وقد واجهت أسماء بنت أبي بكر صعوبات جسدية ونفسية فقد كانت حاملًا في شهورها الأخيرة وآثرت أن توصل الطعام لأبيها والنبي محمد عليه السلام على مدى ثلاثة أيام، ولم تشكّ بها قريش أبدًا؛ بسبب حملها وكبر بطنها، ولم تكن تبالي بذلك كله بالرغم من الآثار النفسية؛ لذلك فهي لم يكن يهمها سوى نصرة الدين الإسلامي وتأمين المؤونة لمن يمكثون في الغار دون أدنى خوف أو تردد، ولعبدالله بن أبي بكر -رضي الله عنه- دور بارز في هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه.


كان يأتي عبد الله بن أبي بكر مساءً ليبيت عندهم في الغار ويؤنس وحدتهم، وكان يمكث عندهم الليل كله، ويغادر قبل بزوغ الفجر وفي ظلمة الليل، وكان لعامر بن فهيرة دور بارز في هجرة النبي فقد كان يخرج في الأغنام خلف عبدالله بن أبي بكر حتى يطمس أثره ويخفي معالم أقدامه، وعامر بن فهيرة: هو مولى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وراعي أغنامه فقد كان أعتقه أبو بكر الصديق عندما كان مستضعفًا عند الكفار، ويتعرض للتعذيب منهم ، ما أعظم ذلك التّعاضد والتكاتف الذي كان بين المسلمين جميعًا في أثناء هجرة النبي وصحابته الكرام نحو مكة المكرمة.


كما يستشعر المسلمون جميعًا في هذه المناسبة العظيمة الأثر النفسي الذي تعرض له المسلمون عندما هاجروا صوب المدينة تاركين خلفهم مكة المكرمة وهي المكان الذي ولدوا فيه وتربوا وترعرعوا وتزوجوا وأنجبوا أبناءهم فيه، كما أنهم يملكون في مكة بيوتهم وأملاكهم وأشغالهم، فكم هو مؤلم للمرء أنه يعاني ِمن ترك كل شيء خلفه ويهاجر، لكن الذي كان يخفف عنهم مصابهم؛ أنهم هاجروا في سبيل حماية أرواحهم وأعراضهم وأهم من ذلك كله؛ لحماية الدين الإسلامي العظيم والذود عنه ضد كفار قريش الذين حاولوا مرارًا وتكرارًا قمع هذه الدعوة وإيقافها، حتى أنهم حاولوا الإيقاع بنبيّ الرحمة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.


تعرض النبي محمد -صلى الله عليه وسلم للعديد من المؤامرات مِن قريش التي باءت كلها بالفشل؛ فقد خططوا أخيرًا لقتله واتفقوا أن يجتمع رجالٌ من قبائل متعددة فيضربونه ضربة رجل واحد، فيضيع أمره بين القبائل، لكن الله أوحى له بوساطة جبريل عليه السلام الذي أخبره بمخططهم ذلك وأمره أن يهاجر، فأمر علي بن أبي طالب بالنوم مكانه وفعلًا انطلق مهاجرًا هو وصاحبه، وكانت تلك الهجرة هي السبيل إلى نصرة الإسلام، ومن هذه الحادثة ينبغي على المسلمين جميعًا اتباع النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لأن في ذلك أمرًا للمسلمين جميعًا بالهجرة من الأماكن والبلدان التي يتعرضون فيها للأذى، ويواجهون فيها المخاطر فيأتي أمر الهجرة إلزامًا؛ من أجل الدفاع عن المال والعرض والولد.


وقد استشعر المسلمون كيفية استقبال أهل المدينة للمهاجرين الذين هاجروا في سبيل الله، مخلفين وراءهم حياةً كاملة وحنينًا لا ينتهي لموطنهم الأصلي، فتقاسموا معهم أموالهم وبيوتهم وأعمالهم وقدموا لهم ما يستطيعون من مساعدات، وهناك من ضرب أعظم مثل في عزة النفس وقوة الاعتماد على الذات : وهو الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف فقد استضافه سعد بن الربيع في بيته، لكنه رفض ذلك بأدب وطلب من سعد أن يدله على السوق حتى ينزل إليه؛ فاشترى وباع حتى أصبح يمتلك بعض النقود التي يعتمد عليها في معيشته إضافة لجمعه تكاليف زواجه، ما أروعه من صحابي جليل ! تؤثر قصته في نفوس الكثير من الشباب إذ يدفعهم تصرفه هذا للبحث عن عمل وعدم الاتكال على غيره والسعي وراء لقمة العيش بالرزق الحلال.


إن للهجرة النبوية آثارًا على المجتمع الناشئ في المدينة المنورة، فقد كان استعداد أهل المدينة كبيرًا لاستقبال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ خرج أهل المدينة كافّة فرحين باستقباله: فخرج الغلمان والنساء والرجال والصغار والكبار، أملًا بإنشاء دولةٍ جديدة عنوانها الإسلام بعيدًا عن المكان الذي عُذب فيه المسلمون وقُهروا ومُنعوا من ممارسة حياتهم الطبيعية وطقوسهم الدينية، التي علمهم إياها نبي الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد آمن معه النساء والرجال والصبيان واتبعوه وهاجروا معه وتركوا كل ما يملكون في سبيل نصرة الدين الجديد، وإن أول ما فعله النبي محمد صلى الله عليه وسلم: هو بناء أول مسجد في الإسلام وهو مسجد قِباء.


إن لبناء مسجد قِباء أثر كبير في نفوس المسلمين؛ فهم يستشعرون الغاية من بنائه والسبب في إقامته، فهو لم يكن محصورًا في إقامة الصلوات حسب، وإنما بُني من أجل تعليم المسلمين كافة تعاليم الإسلام، وإقامة شؤون الدولة الإسلامية الحديدة، إضافة إلى أنه مكان لتلاقي القلوب وتآلفها بخاصة من القبائل المختلفة، سيّما أنّ القلوب أنهكتها النزاعات والخلافات من قبل، فلا بد أن يكون هناك مكان يجتمع فيه المسلمون ويتآلفون في سبيل تحقيق نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، وقد كان المسجد أيضًا مكانًا لعقد مجالس الاستشارات والتنفيذ، إضافة إلى كونه مكانًا لإيواء الفقراء من المهاجرين، الذين تقطعت بهم السبل وهاجروا ولم يجدوا مكانًا يؤويهم ولا مالًا يكفيهم.

وقد آخى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد بناء مسجد قباء مباشرة؛ وذلك اهتمامًا منه بشؤون المسلمين لا سيّما أولئك الذين هاجروا معه وشعروا بالوحشة والغربة، وليستأنسوا بعد مفارقة عشيرتهم وأهلهم وأحبائهم، ولكي يشد بعضهم أزر بعض، وبعدها قام بكتابة الوثيقة التي تنظم العلاقات بين المهاجرين والأنصار، مما أسهم في إزاحة الحساسيّة الجاهلية والنزاعات القبلية، إذ لم يترك مجالًا لتقاليد الجاهلية أن تظل بينهم، خلاصة القول إنّ الهجرة النبوية تعتبر إحدى المحطات العظيمة في سيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو الأسوة والقدوة الحسنة.




الخاتمة: فرحة المسلمين وطقوسهم في رأس السنة الهجرية

تحتوي قصة الهجرة النبوية على العديد من العبر التي تعتبر أساسًا للبناء والتغيير الحضاري في مستقبل الدين الإسلامي فلو رغب الكثيرون في عمل بحث يتناول رأس السنة الهجرية ليتعرفوا فوائد أكثر حول تفاصيلها، فقد كان للهجرة أثر عظيم في تكوين وبناء المجتمع الناشئ؛ فقد حصل هناك تحولات بارزة: من حياة الجاهلية، إلى حياة العقيدة وحمل رسالة الإسلام ونصرة أعظم قضية على وجع الأرض وهي الإسلام، وهنالك العديد من طقوس رأس السنة الهجرية عند المسلمين إذ يحتفل بها جميعًا، وهي استشعار عظمة هذا اليوم وهو يوم الهجرة، إلى جانب تبادل التهاني والتبريكات. وقد نجد في كثير من الدول الإسلامية احتفالات خاصة استقبالاً للعام الهجري الجديد، وقد أقرّت عطلة وِسمتْ بِ عطلة السنة الهجرية.

277 مشاهدة
للأعلى للأسفل