هل الدعاء يغير القدر

كتابة - آخر تحديث: ١٥:٠٩ ، ٧ مارس ٢٠٢١
هل الدعاء يغير القدر

هل الدّعاء يغير القدر

الدّعاء يغير القدر؛ فلا يردّ ولايخفّف من القضاء والقدر سِوى عبادة الدّعاء، لقول الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (لا يَرُدُّ القدرَ إلَّا الدُّعاءُ)،[١][٢][٣] وكلّ ذلك في علم الله -تعالى- الأزليّ، فالصّلة الوثيقة بين القضاء والقدر والدّعاء تجعلهما يتنازعان في السّماء، فيكون القدر في طريقه للنّفاذ والنّزول، فيتقابل مع الدّعاء ويتنازعان في السّماء، فيكون في علم الله -تعالى- أنّ هذا الدّعاء المستجاب سيغيِّر هذا القدر، أو يكون في علمه -سبحانه وتعالى- أنّه سيخفِّف ويقلِّل من تأثير القضاء والقدر على هذا الإنسان، أو يكون في علمه -سبحانه وتعالى- أنّ هذا الدّعاء سيبقى يتنازع مع القضاء والقدر إلى يوم القيامة، وكلّ ذلك في علم الله -تعالى- الأزليّ؛ لأنّه -سبحانه- يعلم أنّ العبد سيدعوه فيغيّر أو يخفّف الله -تعالى- القدر بقدرٍ آخر مكتوبٍ عنده، فالدّعاء يغير القدر بمشيئة الله -تعالى- إذا توفّرت فيه شروط الدّعاء المستجاب.[٢][٤]


فقد ثبت عن الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (لا يُغْنِي حَذَرٌ من قَدَرٍ، والدعاءُ ينفعُ مما نزل، ومما لم يَنْزِلْ، وإنَّ البلاءَ لَيَنْزِلُ، فيَتَلَقَّاه الدعاءُ، فيَعْتَلِجَانِ إلى يومِ القيامةِ)،[٥] والدّعاء هو: التّضرع لله -تعالى- والطّلب منه أن يدفع بلاءً أوضراً، أو يجلب خيراً، أو شكراً له على نعمة، والدّعاء من أفضل النّعم التي أنعم الله -تعالى- بها على عباده، فهي العبادة الوحيدة التي تغيّر القدر بإرادة الله -تعالى-، ولا تَناقض بين الدّعاء والقدر، فبالدّعاء تتحقق آمال العبد وتُقضى حوائجه ويُدفع عنه الهم والكرب، فهو كمن يأخذ بالأسباب ويتوكّل على الله -تعالى- بالدّعاء، ثمّ يرضى بما كتبه الله -تعالى- له من القدر.[٢][٦]


وقال جمهور العلماء أنّ الدّعاء أفضل من الرضا بالقدر دون الدعاء؛ لقول النّبي -صلّى الله عليه وسلّم-: (الدعاءُ مُخُّ العبادةِ)،[٧] ولأنّ الأنبياء أكثروا من الدّعاء، فيحرص المؤمنون على الاقتداء بهم للفوز برضا الله -سبحانه تعالى-، فهو يحبّ أن يقف العبد بين يديه، ويدعوه ويتذلّل له، ويطلب حوائجه منه وحده ويفرّ إليه.[٢]


مقامات الدّعاء مع البلاء

إنّ للدّعاء مع البلاء ثلاث مقاماتٍ مختلفة بحسب قوة الدّعاء، وفيما يأتي ذكرها:[٨][٩]

  • أن يكون الدّعاء أقوى من البلاء؛ فيدفع البلاء ويرفعه عن العبد؛ وذلك لأنّه توفّرت في دعاء العبد جميع شروط وواجبات ومستحبّات الدّعاء المستجاب، فإذا تحقّقت شروط استجابة الدّعاء فالله -سبحانه وتعالى- سيستجيب لعبده يقيناً وحتماً، لأنّ الله -تعالى- وعَد بذلك، ولقول الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما مِنْ رجلٍ يدعو اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ إلا أعطاه بها إحدى ثلاثِ خِصالٍ: إمَّا أن يُعَجِّلَ له دعوتَه، أو يَدَّخِرَ له مِنَ الخيرِ مِثْلِها، أو يَصرِفَ عنه مِنَ الشرِّ مِثْلِها، قالوا يارسولَ اللهِ، إذًا نُكْثِرُ، قال: اللهُ أكثرُ).[١٠][١١]
  • أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى البلاء على الدّعاء وينزل على العبد، لقلّة يقين العبد في الاستجابة، أو لغفلة العبد وهو يدعو الله -تعالى-، لكن مع أنّ الدّعاء أضعف من البلاء، فربّما يخفّف من شدّة البلاء النّازل على العبد بإذن الله بمقدار تحقيق العبد من أسباب استجابة الدّعاء وهو يدعو الله -تعالى-.[١٢]
  • أن يتنازع الدّعاء والبلاء في السّماء، فيمنع كل واحدٍ منهما الآخر.


آداب الدّعاء وأسباب الإجابة

الدّعاء له آدابٌ عديدة، وأسبابٌ كثيرة لقبوله واستجابته من الله -تعالى-؛ وفيما يأتي ذكرها:[١٣][١٤]

  • الإخلاص لله -تعالى-؛ وهو أعظم وأهم شرطٍ في قبول الدّعاء، فقد قال الله -تعالى-: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)،[١٥] والإخلاص يعني: التّوجه بالدّعاء لله -تعالى- وحده، بعيداً عن الرّياء والسّمعة.[١٦]
  • التّوبة والاستغفار لله -تعالى- عن كل الذّنوب والآثام، فقد كان الأنبياء يحثّون النّاس على الإنابة لله -تعالى- بالتّوبة وكثرة الاستغفار، لأنّها من أسباب جلب الرّزق والخير والأمطار والبركة في الأموال والأولاد واستجابة الدّعاء.[١٧]
  • الدّعاء بخضوعٍ وخشوعٍ وتذلّلٍ وافتقارٍ لله -تعالى-.[١٧]
  • البدء بحمد الله -تعالى- وتمجيده والثّناء عليه، ثم الصّلاة على النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- وتكرار ذلك في آخر الدّعاء أيضاً.
  • استحضار قلب العبد أثناء الدّعاء، فلا ينشغل قبله بغير الدّعاء لله -تعالى-.
  • خفض الصّوت عند الدّعاء لله -تعالى-.
  • شكر الله -تعالى- على جميع نعمه.
  • الإلحاح في الدّعاء، والإكثار من قول "يا رب".
  • اليقين التّام في إجابة الدّعاء، وعدم استعجال الإجابة.
  • الدّعاء بكل أمر فيه خير، والابتعاد عن الدّعاء بالإثم وقطيعة الرّحم.
  • الدّعاء للأهل والأحبّة والأولاد، وعدم الدّعاء عليهم وعلى النّفس والمال.
  • إرجاع الحقوق لأصحابها.
  • الطّهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، والخشوع والتّضرع لله -تعالى-.
  • استقبال القبلة عند الدّعاء لله -تعالى-.
  • رفع اليدين وضمّهما موجّهاً بطنهما نحو السّماء.
  • الدّعاء في أوقات الرّخاء وأوقات الشّدة.
  • الإكثار من النّوافل، والحفاظ على بر الوالدين، والإكثار من الأعمال الصّالحة، وتحرّي أوقات استجابة الدّعاء والإكثار من الدّعاء فيها.
  • تحرّي الحلال في المال والملبس والطّعام والشّراب، فمن أسباب عدم إجابة الدّعاء المال الحرام، فقد ثبت عن الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- (أَيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بما أمَرَ به المُرْسَلِينَ، فقالَ: (يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا، إنِّي بما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)،[١٨] وقالَ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ)،[١٩] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟).[٢٠][٢١]


المراجع

  1. رواه الألباني، في الترغيب والترهيب، عن ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الصفحة أو الرقم: 1638، حسن.
  2. ^ أ ب ت ث محمد أحمد، موسى الخطيب (1417 هـ - 1997 م)، كتاب الدعاء والقضاء والقدر أوامره وحكمته (الطبعة الأولى)، القاهرة: مركز الكتاب للنشر، صفحة 29-39. بتصرّف.
  3. مظهر الزيداني (1433 هـ - 2012 م)، كتاب المفاتيح في شرح المصابيح (الطبعة الأولى)، الكويت: دار النوادر، صفحة 124، جزء 3.بتصرف.
  4. "هل الدعاء يغير القضاء والقدر"، www.aliftaa.jo، 06-08-2012، اطّلع عليه بتاريخ 26-2-2021. بتصرّف.
  5. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 7739، حسن.
  6. أحمد النويري (1423 هـ)، كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب (الطبعة الأولى)، القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، صفحة 287، جزء 5.
  7. رواه الألباني، في أحكام الجنائز، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 247، صحيح.
  8. سعيد القحطاني، كتاب نور التقوى وظلمات المعاصي في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير، صفحة 97. بتصرّف.
  9. ابن القيم (1418هـ - 1997م)، كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الطبعة الأولى)، المغرب: دار المعرفة، صفحة 10.بتصرف.
  10. رواه الألباني، في شرح الطحاوية، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 462، صحيح.
  11. مجموعة من المؤلفين، كتاب مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، الرياض- المملكة العربية السعودية: دار العاصمة، صفحة 675. بتصرّف.
  12. ماهر بن مقدم، شرح الدعاء من الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير، صفحة 26. بتصرّف.
  13. محمد التويجيري (1431 هـ - 2010 م)، كتاب مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة (الطبعة الحادية عشر)، المملكة العربية السعودية: دار أصداء المجتمع، صفحة 393. بتصرّف.
  14. محمد الحمد، كتاب دروس رمضان، صفحة 200. بتصرّف.
  15. سورة غافر، آية: 14.
  16. ماهر مقدم، شرح الدعاء من الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير، صفحة 27. بتصرّف.
  17. ^ أ ب عبد الرزاق بدر (1423هـ/2003م)، كتاب فقه الأدعية والأذكار (الطبعة الثانية)، صفحة 161-164، جزء 2. بتصرّف.
  18. سورة المؤمنون، آية: 51.
  19. سورة البقرة، آية: 172.
  20. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1015، صحيح.
  21. عبد الله الغنيمات، كتاب شرح فتح المجيد، صفحة 8، جزء 118. بتصرّف.