وسائل جمع البيانات في البحث العلمي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٩:٤٤ ، ٦ يناير ٢٠١٩
وسائل جمع البيانات في البحث العلمي

تعريف البحث العلميّ وأهدافه

يُلاحِظ الإنسان من حوله عدداً من الظواهر، والأحداث المُتمثِّلة بسُلوكيّات الأفراد، والمُجتمعات، والتي ترتبط بشكلٍ أو بآخر بأبعاد سياسيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، وأخلاقيّة شتَّى، ومن خلال مُلاحظة، ودراسة تلك الظواهر، وتحليلها بطريقة منهجيّة، وتفسير مُسبِّباتها، وشَرْح تداعياتها، فإنّه يُمكن التحكُّم بها، وتحقيق الوعي بجوانبها المُختلفة، وهذه هي غاية البحث العلميّ.[١]


ينطوي البحث العلميّ في أساسه على نوعَين رئيسيَّين، هما: البحث العلميّ الاستقرائيّ الذي يُحلِّل الظاهرة الملحوظة، ويزيد من بيان مُسبِّباتها، ومآلاتها، والبحث العلميّ الاستنتاجيّ الذي تتعلَّق به مجموعة من الفرضيّات التي يتمّ التحقُّق منها، وذلك عن طريق المُلاحظات الموجودة، والمُشاهدة، وبالتالي فإنَّ النَّمط الاستنتاجيّ يعتمد على اختبار صحَّة التفسيرات المُفترَضة، مُستعيناً بالمُلاحظات المُثبَتة، أمّا النَّمط الاستقرائيّ فيعتمد على تطوير تلك الملاحظات، وحَشْدها؛ للتوصُّل إلى تفسيرات مُطوَّرة، ومُنقَّحة مَبنيّة على أساس عَمليّ مُوثَّق.[١]


يَهدِف البحث العلميّ بمُختلف أنواعه إلى الكَشف عن الحقائق العِلميّة، كونه وسيلة، وأداة موضوعيّة مُتَّفق عليها؛ لترسيخ الحقائق، أو تفنيدها، وهو أيضاً أشبه بالميدان التدريبيّ للطالب، والمُعلِّم، والباحث، والمُدقِّق، فكلُّ بحث هو تجربة مُتكاملة، وفرصة تُثري خبرة الباحث في التعمُّق، والشُّمول، وبذلك يكتسب الباحث عِدَّة مهارات مكتبيّة، وشخصيّة، كانتقاء الموضوعات، والمراجع، ومعرفة تصنيفاتها، وحُسن استخلاص المُراد منها، كذلك يتَّسِع أُفُق الباحث في اطّلاعه على مُختلف الآراء، ومقدرته على التمييز بينها، بفِكر النقد البنَّاء المُستنِد إلى البُرهان المُوثَّق، والدليل الأكيد المُثبَت.[٢]


وسائل وأدوات جَمْع البيانات في البحث العلميّ

لا يزال الإنسان يبحث عن الطُّرُق المُجدِية؛ ليُحصِّل المعرفة من خلالها بكلِّ ما أُوتِي من إمكانيّات مُنذ القِدم، وحتى الوقت الحاليّ؛ فهو يتمسَّك بمصدر المعرفة كُلَّما تبدَّى له، وعلى الأرجح فإنَّ هذا السَّعي قد مرَّ بأربعة أطوار؛ فمن خلال التجربة، والخطأ كوَّن الإنسان الأوَّل خبرته الذاتيّة، وأطلق التعميمات الناتجة عن تلك الخبرات، والمُصادفات المُتكرِّرة، إلى أن بدأ يعتمد على التقاليد السائدة، والنَّمط العامّ، ويرجع إلى الكُتُب المُقدَّسة، وشرائع الأنبياء، وأقوال الحُكماء، ومواعظهم، وبعدها سَلَك الإنسان أسلوباً يتَّجه فيه نحو ذاته مُحاوِراً قلبه، ومُسائلاً عقله، ومُرتَحلِاً بين الشكِّ، واليقين تحت سطوة إلحاح التساؤُلات المصيريّة، ليستقرَّ به بحثه عن مصادر المعرفة بالمنهج العلميّ الجامع الذي يعتمد على المُلاحظة، والاستقراء، والاستنتاج، والتحليل، والتمييز، والمُعاينة، والتوثيق، والتجربة، والسؤال، والمُحاولة.[٣]


تُمثِّل البيانات الحقائق المُجرَّدة، كالمعلومات، والأرقام، والمواقف المُختلفة، وهي بهذا الحال لا تُشكِّل المعرفة إلّا بعد تحليلها، وبذلك يُمكن مُعالجة البيانات، وإخضاعها لعمليّة تصفية، وتطوير؛ لاستخلاص المعرفة المُفيدة منها، حتى نتمكَّن من استثمارها، وإنتاج معارف أخرى لا مُتناهية منها، وذلك من خلال مرورها بثلاث مراحل، وهي: جَمْع، وإعداد البيانات أوَّلاً، ثمّ مُعالجتها، ثمّ تحليل نتائج عمليّات المُعالجة؛ للوصول إلى مُخرجات مُلخَّصة، ومُوثَّقة، ومضبوطة حسب الأُصول.[٤]


يَعتمِد اختيار وسائل، وأدوات جَمْع البيانات في البحث العلميّ على منهج البحث، ونوعه، وبالتالي فإنَّ الوسائل المُستخدَمة مُتعدِّدة، ومنها:[٥]


الاستبانة

يَجمع الباحث من خلال الاستبانة المعلومات الأوَّلية، والميدانيّة، علماً بأنّ على الباحث الاهتمام بتصميمها، وتنسيقها، وصياغتها، كما أنّ عليه أن يُوضِّح الهدف منها، ويلتزم بقواعد الصياغة الصحيحة، كعدم الإطالة، والتعقيد، والتشعُّب، ولا بأس بتجريب الاستبانة، وأَخْذ التغذية الراجعة؛ لتعديلها قبل نَشْرها.

وللاستبانة أربعة أنواع، هي: الاستبانة المُغلَقة؛ وهي التي تُمكِّن المُتلقِّي من اختيار إجابته من ضمن الخيارات المُوضَّحة مُسبَقاً في الاستبانة، والاستبانة المفتوحة التي يُعبِّر فيها المُتلقِّي بحرِّية عن رأيه، وإجابته، والاستبانة المُصوَّرة التي تحتوي على صُوَر، ورسومات توضيحيّة تُمكِّن الأُميِّين من استخدامها بسُهولة، وأخيراً الاستبانة المُغلَقة المفتوحة التي تجمع بين الأسلوبَين، ويُعتبَر هذا النوع من أفضل أنواع الاستبانات.

المُقابلة

وهي تُعتبَر شكلاً من أشكال الحوار الثنائيّ الفعّال؛ حيث تكون بين طرفَين؛ لتحقيق هدف واضح مُتمثِّل في الحُصول على بيانات، ومعلومات مُباشرة، ومُصرَّح بها من طرف الحوار الآخر، وقد تكون ثُنائيّة، أو جماعيّة، وفي كلا الحالتَين قد تكون مُقابلة غير مُوجَّهة، أو مُوجَّهة، كما أنّها قد تكون مُقابلة استطلاعيّة؛ لجَمْع البيانات، أو تشخيصيّة؛ للتعرُّف على المُشكلة، أو علاجيّة؛ لتقديم حلول عمليّة لمُشكلة البحث، أو استشاريّة؛ لأخذ الرأي، والمشورة في موضوع البحث مثلاً.

ويلزم للمُقابلة الإعداد المُسبَق لها، وتوفُّر الثقة المُتبادَلة، والوضوح التامّ بين طرفَي المُقابلة، وكذلك التركيز أثناء المُقابلة في كتابة الإجابات، مع الحفاظ على سرِّيتها، علماً بأنّه يحقُّ للمُتلقِّي الاستفسار عن معنى أيِّ سُؤال قد يبدو فيه شيءٌ من الغموض؛ ففي المُقابلة تتوضَّح المُؤشِّرات غير اللفظيّة بين الطرفَين، ويَشعُر المُتلقِّي بقيمة معنويّة، واجتماعيّة، كما أنَّها تُساهِم في بناء علاقة تعارُف جيّدة إذا توفَّرت مهارات قويّة، ومقدرة على الإقناع، والحوار.

المُلاحظة

وهي رَصْد السُّلوكيّات، والانفعالات الفرديّة، والجماعيّة؛ بهدف وصفها، وتحليلها، وهي أداة مُعاينة منهجيّة عن طريق الحواسّ، وبعض الأدوات الأخرى، علماً بأنّ أنواع المُلاحظة تتعدَّد؛ حيث إنّ هناك مُلاحظة غير مُنظَّمة، كاستطلاع عشوائيّ لظاهرة ما، وهناك مُلاحظة مُنظَّمة مُحدَّدة المكان، والزمان، والأدوات اللازمة لها، وقد يشترك الباحث فيها، ويكون عُضواً في المجموعة التي يُجري عليها البحث، وقد يظلُّ كمُراقب خارجيّ للمجموعة؛ ولذلك فإنّ هناك مُلاحظة مُباشرة يكون فيها الباحث على اتِّصال مُباشر مع المُتلقِّين، وأخرى لا تتطلَّب ذلك.

ومن الجدير بالذكر أنَّه يجب تحديد أهداف المُلاحظة، والسُّلوك الذي ستتمّ مُراقبته، مع إعداد الاستمارة لذلك، والتدريب المُسبَق، وتحديد الوقت المُناسب لها، وتوفير كافّة المُستلزَمات، والوثائق اللازمة لإنجازها، بحيث تتميَّز بعُلوِّ نسبة الثقة بالبيانات الناتجة عنها، مع ضمان عدم تحيُّز الباحث، وعَزْل الظُّروف المُحيطة عن أَصْل السُّلوك المُراد مُلاحظته.

الاختبار

حيث يَعرِض فيه الباحث على المُتلقِّي مجموعة من الأسئلة الشفهيّة، ومجموعة من الصُّور، أو الوثائق، كأدوات لرَصْد، وقِياس مدى استجابته، وتفاعُله، أو انفعاله بسببها، وقد يُجرَى بشكلٍ فرديّ، أو جماعيّ، كما يُمكن أن يكون مكتوباً، أو شفهيّاً، ويُقاس فيه الاستعداد، والمُيول، والاتّجاهات الشخصيّة؛ لتحصيل أكبر قَدر من المعلومات، وتدوينها.

ومن الجدير بالذكر أنّ هناك تنوُّعاً في مصادر، وأدوات جَمْع البيانات، والمعلومات، وعلى رأسها القرآن الكريم، والأحاديث النبويّة الشريفة، والكُتُب، والمَراجِع، والمَعاجِم، والدراسات المُحكَّمة، ووسائل الإعلام بأنواعها، والدوريّات المنشورة، والموسوعات العلميّة، والرسوم التوضيحيّة، والمُقابلات الشخصيّة، والمخطوطات الأثريّة، وغيرها، ليبدأ الباحث بجَمْع تلك المصادر، وترتيبها؛ لينتقي منها ما يُفيد موضوع بحثه، ويبدأ بصياغة البحث حسب قواعد التنسيق، والإعداد، والتصنيف المُتَّفق عليها.[٦]


خُطوات البحث العلميّ وخصائصه

يشتعلُ فتيل فكرة البحث المُراد إعداده من موضوع البحث أوَّلاً، ومن ثمّ يشرع الباحث في اختيار نوع البحث، وإعداد خُطَّته، ومصادره التي سيعتمدها أثناء البحث المكتبيّ، والميدانيّ، لينتقل بعد ذلك إلى كتابة مادّة البحث بصياغة مُتقنة، ومُعتمَدة، وبعد ذلك يبدأ بتوثيق البحث حسب الأُصول، مُختتِماً رحلته هذه بكتابة فهرس البحث المُفصَّل، والذي هو بمثابة البوصلة التي تُرشِد المُتلقِّي إلى ما يبحث عنه.[٧]


ولا يكتفي البحث العلميّ بتنفيذ خُطواته؛ ليكتمل بُنيانه، وإنَّما يتطلَّب دراية شاملة بمُتطلَّبات، وقواعد هذا العِلم نظريّاً، وتطبيقيّاً، وممّا يُسهِّل عمليّة إتقان البحث العلميّ هو توضيح خصائصه، ومنها أنَّه عِلم يتبنَّى منهجيّة عِلميّة مُنظَّمة، ومدروسة، وواضحة الأركان، والمعالِم، وممّا يُجلِّي هذا الوضوح أنَّه يعتمد على المنطق المُتمثِّل في السَّعي المُمنهَج؛ لحلِّ مُشكلة ما، أو تفسير بعض الظواهر، وهو أيضاً يعتمد على الواقع في مُلاحظة الظواهر، واستقراء المشاكل، واستنتاج تَبِعاتها، ومن الجدير بالذكر أنَّ المُرونة لا تُفارق أيَّ منهج عِلميّ مُحكم؛ فالبحث العلميّ قابل للتكرار، والتعديل، والتطوير حسب الظروف، والمُتغيِّرات المُتعلِّقة بموضوع البحث؛ كما أنَّه يُعَدُّ من أدوات إثراء المعرفة الإنسانيّة التي تتَّصف بالاستمراريّة في التطوُّر، والإنتاج، وبذلك يكتسب البحث العلميّ خُصوصيّته كونه عمليّة نَشِطة، ومُتأنِّية تتَّصف بديناميكيّة سَلسة، ومُتتالِية تُبشِّر بنتائج موثوقة، ومُلهِمة على مختلف الأصعدة.[٨]


الأخطاء المُتوقَّعة أثناء جَمْع البيانات

تتبيَّن مركزيّة خُطوة جَمْع البيانات، وأهمّيتها؛ لاعتماد نتائج البحث عليها؛ ولذلك يُخشى من الخطأ في إعدادها، وضَبْط معاييرها، ومن تلك الأخطاء التي قد يقع فيها الباحث أثناء عمليّة جَمْع البيانات ما يأتي:[٨]

  • التلاعُب بمعايير، وعوامل بيئات البحث؛ لتحصيل البيانات بأيسر الطُّرُق، وذلك قد يُشوِّه طبيعة النتائج، ويُحرِّف مسار البحث الطبيعيّ.
  • تناسي بعض أساسيّات البحث التفصيليّة، أو الاكتفاء بأقلِّها، أو عدم الاكتراث لفَحْص صلاحيّتها، والتأكُّد منها، كأدوات جَمْع البيانات، وعيّنات البحث، وغيرها، حيث إنَّ إهمال تلك التفاصيل يُقلِّل من احترافيّة الباحث، ويُؤثِّر في مصداقيّة نتائج البحث بشكلها العامّ.
  • الاهتمام بمصادر جَمْع البيانات الثانويّة بدل الرئيسيّة منها، أو اعتماد الأدوات، والمقاييس بالغة التعقيد؛ بحيث يَصعُب على الباحث استخدامها، أو التحرِّي عنها؛ لعدم الدراية الكاملة بها، وذلك يجعل النتائج مُتأرجِحة لا ترتكز على أساس ثابت.
  • عدم مقدرة الباحث على تمييز الثغرات المُخِلَّة بمصداقيّة البحث، كالتحيُّز، وتغييب الحقائق، أو تزييفها من قِبَل العيِّنات المُستخدَمة في البحث، أو الأفراد، والمُؤسَّسات الداعمة لموضوع البحث.


المراجع

  1. ^ أ ب "what is research?", personal.psu.edu, Retrieved 25-11-2018. Edited.
  2. حسن شحاته (2001)، البحوث العلمية والتربوية بين النظرية والتطبيق (الطبعة الأولى)، القاهرة: الدار العربية، صفحة 16. بتصرّف.
  3. أحمد بدر (1994)، أصول البحث العلمي ومناهجه (الطبعة الأولى)، الدوحة: المكتبة الأكاديمية، صفحة 43-44. بتصرّف.
  4. عبد الناصرر سويسي، "أساليب جمع البيانات والمعلومات وإعداد الإحصائيات"، aca.gov.ly، اطّلع عليه بتاريخ 25-11-2018. بتصرّف.
  5. عماد المرشدي (27-2-2014)، "وسائل جمع المعلومات في البحث العلمي"، uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 25-11-2018. بتصرّف.
  6. حسن شحاته (2001)، البحوث العلمية والتربوية بين النظرية والتطبيق (الطبعة الأولى)، القاهرة: الدار العربية، صفحة 19-20. بتصرّف.
  7. "مدخل للتعريف بالبحث العلمي"، fiqh.islammessage.com، 13-11-2011، اطّلع عليه بتاريخ 25-11-2018. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "البحث العلمي"، pitt.edu، اطّلع عليه بتاريخ 25-11-2018.