يهود المدينة المنورة

يهود المدينة المنورة

يهود المدينة المنورة

عاش اليهود في المدينة المنورة قبل قدوم النبي إليها، وكانوا ثلاثة قبائل، وهي:

  • يهود بني قينقاع: عاش يهود بني قينقاع في المدينة المنورة، وتوزعت مساكنهم في داخل المدينة ووسطها، واتَّخذوها قريةً خاصَّة بهم، واشتغلوا بالصناعة، والتجارة، وصياغة الذهب التي جلبت لهم الكثير من الأرباح، فكانوا من أغنى قبائل المدينة المنورة،[١] وأقاموا سوقاً في المدينة سُمّيَ بهم،[٢] كما قاموا ببناء الحصون والأماكن التي يلتجؤون فيها في الحروب من أجل حماية أنفسهم وممتلكاتهم.[٣]
  • يهود بني النضير: سكن يهود بني النضير المدينة المنورة، وكان بنو النضير من أكبر القبائل اليهودية وأكثرهم شرفاً وسيادةً،[٤] وأقاموا في منطقة الغابة من المدينة ثم انتقلوا إلى منطقة العالية عند وادي بطحان حيث تقيم بني النضير، حيث كانت المنطقة تمتاز بخصوبة تربتها ووفرة مياهها وكثرة أشجارها،[٤][٥] وتنحدر قبيلتي بني النضير وبني قريظة من فروع قبيلة جذام، إلّا أنّ كلَّ قبيلةٍ منهما سُمّيت بحسب المكان الذي سكنت فيه، واتخذوا من العربية لغةً لهم، إلّا أنَّها اختلطت بالعبرية قليلاً.[٦]
  • يهود بني قريظة: سكنت بنو قريظة التي تعود في أصولها إلى هارون -عليه السلام- في المدينة المنورة، كما تُسمّى أيضاً بالكاهنين مثل بني النضير، وتُعَدَّ من أكبر قبائل المدينة، حيث وصل عدد رجالهم زمن رسول الله من الستمئة إلى التسعمئة رجل،[٧] وقيل هم من فروع قبيلة جذام، تهوّدوا منذ عهد السَّموأل، أقاموا جِهة الشمال من بني النضير عند وادي مهزوز وسُمِّي المكان باسمهم.[٢]


الصناعات التي اشتغل بها يهود المدينة

اعتمد اليهود في المدينة على العمل بالتجارة، واتسمت معاملاتهم بدخول الربا فيها، وعملوا بالزراعة، كما اشتغلوا بالصناعة؛ وقاموا بتربية المواشي والدجاج، وتاجروا بالرُّطب، والقمح، والشعير، والخمر الذي استوردوه من بلاد الشام، وتعاملوا بالرهن في تجارتهم، وعملوا أيضاً بالحدادة رغم أنّها كانت حرفة دنيئة عندهم، واختص يهود بني قينقاع بِصِياغة الذهب،[٨] الأمر الذي درّ دخلاً كبيراً وأموالاً كثيرةً عليهم، مما يملكونه ويتجارون به من الحُليّ، مما جعلهم أغنى قبائل اليهود رغم قلّة عددهم.[٩]


كما قاموا بتصنيع الحديد إضافةً إلى الذهب،[١٠] وكون اليهود قَدِموا من بلاد الشام فإنِّهم جَلبوا معهم العديد من الصناعات منها بناء الحصون، فقد بلغ عدد الحصون في المدينة قبل هجرة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- إليها تسعة وخمسين حصناً، وجلبوا معهم أساليب الزراعة التي كانوا يعملون فيها مما ساعد على انتشار البساتين والأراضي الزراعية المزروعة بالنخيل والعنب والرمّان، واهتمامهم بتربية الدجاج والأغنام، كما اشتغلت النِّساء بالنسيج، وصناعة ما يلزم من الأدوات المنزلية والزراعية.[١١]


أسس التعايش مع اليهود في المدينة المنورة

حاول رسول الله بعد مجيئه إلى المدينة المنورة والاستقرار فيها أن يُؤلِّف قلوب اليهود إلى الإسلام، وأن يُشعرهم بوحدتهم مع المسلمين دون تفريق بينهم، فكانت قِبلة الصلاة بدايةً نحو بيت المقدس، كذلك وِحدة الإيمان بالله وبأنبيائه جميعاً، ثمّ لمَّا عَلِمَ رسول الله بصيام اليهود في يوم عاشوراء، قال: (ما هذا اليَوْمُ الذي تَصُومُونَهُ؟ فَقالوا: هذا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللَّهُ فيه مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بمُوسَى مِنكُم فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَأَمَرَ بصِيَامِهِ).[١٢] فاتَّحد معهم في صيام هذا اليوم،[١٣]


كذلك قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتوقيع معاهدة المدينة مع اليهود والتي تَضمن لهم الحريَّة الدينيَّة في المدينة،[١٤] والأمان على أموالهم، ونظّم من خلال هذه المعاهدة، الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية لسكان المدينة من اليهود والمسلمين والمشركين، فمن الناحية الاجتماعية وفّر لهم الأمان، ومنع الاعتداء عليهم، ومن الناحية الدينية أقر حريّة الدين والمُعتقد، وأقرّ حقوق الجوار، أمّا في الجانب العسكري فأهل المدينةِ جميعاً صفٌّ واحدٌ في وجع المعتدي عليهم من خارج المدينة لحماية أنفسهم وأعراضهم وبلادهم.[١٥][١٦]


موقف الرسول من خيانة يهود المدينة

موقف الرسول مع يهود بني قينقاع

تحالف يهود بني قينقاع مع الأوس والخزرج، كما تحالفوا مع أبيّ بن أبي سلول، وعبادة بن الصامت، وكانوا من أشجع القبائل، لكنَّهم في غزوة بدر وقفوا مع كفَّار قريشٍ ضِدَّ المسلمين، فتَوَعدهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوجَّه إليهم وقام بحصارهم، وأجلاهم عن المدينة إلى الشمال فسكنوا أذرعات،[١٧] وقبل خروجهم من المدينة حاولوا مقاومة أمر رسول الله، لكنَّه كان مصرّاً على إخراجهم من المدينة، فحاصرهم خمس عشرة ليلة، وأخبرهم بضرورة خروجهم من المدينة إلى أيّ مكان يُريدون، دون أن يُوقع عليهم أي عُقوبات أخرى،[١٨] ولمَّا رأوا أنّه لا فائدة من المحاولة مع النبي بالتراجع نزلوا عند حكمه، وكانت بذلك يهود بني قينقاع أوّلُ قبيلةٍ من اليهود تقوم بِنقضِ عهدها مع رسول الله.[١٩]


روي إنّ سبب إجلاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لِبَني قينقاع أنّ هناك امرأةً من المسلمين كانت تبتاع الحليّ في سُوقهم، فطلب منها أحد رجال اليهود أن تُظهر وجهها لكنَّها رفضت، وبينما هي جالسة إذ جاء رجلٌ منهم وربط ثوبها دون أن تشعر، فلمَّا قامت من مكانها انكشفت، فاستغاثت، فَقدِم رجلٌ من المسلمين وقتل اليهودي، فاجتمع اليهود حول المسلم وقتلوه، فوقع الثأر بين أهل المسلم واليهود، ولمّا وصل الأمر إلى رسول الله توجّه إليهم وحذّرهم، فرأى عدم استجابتهم، فجهّز جيشه وأعطى الراية لعمّه حمزة وتوجّه إليهم فحاصرهم وأجلاهم عن المدينة.[٢٠]


موقف الرسول من يهود بني قريظة

قام حُيي بن أخطب بِتَحريض يهود بني قريظة ضِدَّ المسلمين[٢١][٢٢] في غزوة الأحزاب، فقاموا بجمع القبائل للحرب ضِدَّ رسول الله،[٢٣] فلمّا تيقّن رسول الله من غايتهم في الإضرار بالمسلمين توجه لقتالهم، وكان الله -تعالى- قد أمره بقتالهم بعد عودته من الخندق ووضعه السلاح، فأمر رسول الله أصحابه بالتَّوجه إلى بني قريظة، وقال لهم: (لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ)،[٢٤] فحاصرهم رسولُ الله خمساً وعشرين ليلة حتى خضعوا لأمره، وجعل الحكم فيهم لسعد بن معاذ إذ إنَّه من الأوس وكانت بني قريظة قد تحالفت معهم، فحكم معاذ بقتل مُقاتليهم، وَسَبي ذراريهم، وأخذِ أموالِهم، فقال رسول الله لقد قَضيت بحكم الله يا معاذ وتمَّ تنفيذ الحكم.[٢١][٢٣]


موقف الرسول مع يهود بني النضير

قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإجلاء يهود بني النضير عن المدينة، وذلك بسبب استجابتهم لتحريض قريش على قتال رسول الله، وأرادوا أن يغدروا بالنبي فطلبوا منه الاجتماع معهم ليقتلوه، فقامت امرأة منهم بإخبار ابن أخيها وكان مسلماً من الأنصار، فأقبل إلى رسول الله وأخبره بخطّة بني النضير، وقيل أنّ السبب هو ذهاب الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- مع مجموعة من أصحابه إليهم ليأمرهم بدفع ديَّة رجلين من بني عامر، كان عمرو بن أميّة قد قتلهما بالخطأ في حادثة بئر معونة، فجلس رسول الله إلى بستانٍ لبني النضير ليستريح فأرادوا قتله بإلقاء صخرة على رأسه، فأوحى الله له فقام رسول الله من مكانه فوراً، وكِلا القولين يُشير إلى غدرهم برسول الله، لذا أرسل لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من يأمرهم بأن يخروجوا من المدينة، وأمهلهم عشرة أيام.[٢٥]


أقبل إليهم عبد الله بن أُبي بن سلول يُحرّضهم على عدم الخروج، وأنّ قبائل اليهود الأخرى معهم وفي صَفّهم، فاقتنع حييّ بن الأخطب فأرسل لرسول الله يُخبره بعدم خروجهم وليفعل ما يشاء، فتوجَّه إليهم رسول الله، ولم يقف مع بني النضير أحدٌ من قبائل اليهود كما وعدهم ابن أُبي بن سلول، فخضعوا لأمر رسول الله اتفقوا معه على أن لا يقتلهم، ويأخذوا إِبِلهم وما تحمل على ظهورها، ثمَّ خرجوا متوجهين إلى خَيبر، ومنهم من توجّه إلى الشام.[٢٦] وكان ذلك في العام الرابع من الهجرة، أمّا مدّة حصار رسول الله لهم فقد استمر ستّ ليال.[٢٧]


المراجع

  1. سامي أبو زهري (2004)، يهود المدينة في العهد النبوي، غزة: الجامعة الإسلامية، صفحة 42. بتصرّف.
  2. ^ أ ب أحمد الشريف، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم، دمشق: دار الفكر العربي، صفحة 246. بتصرّف.
  3. أحمد الشريف، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم، دمشق: دار الفكر العربي، صفحة 251. بتصرّف.
  4. ^ أ ب سامي أبو زهري (2004)، يهود المدينة في العهد النبوي، غزة: الجامعة الإسلامية، صفحة 37-39. بتصرّف.
  5. جواد علي (2001)، المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام (الطبعة الرابعة)، لبنان: دار الساقي، صفحة 94، جزء 12. بتصرّف.
  6. أحمد الشريف، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم، دمشق: دار الفكر العربي، صفحة 247. بتصرّف.
  7. سامي أبو زهري (2004)، يهود المدينة في العهد النبوي، غزة: الجامعة الإسلامية، صفحة 40. بتصرّف.
  8. جواد علي (2001)، المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام (الطبعة الرابعة)، لبنان: دار الساقي، صفحة 111-112، جزء 12. بتصرّف.
  9. سعيد حوّى (1995)، الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية (الطبعة الثالثة)، القاهرة: دار السلام، صفحة 381، جزء 1. بتصرّف.
  10. أحمد غلوش (2004)، السيرة النبوية والدعوة إلى الله في العهد المدني (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 310. بتصرّف.
  11. أكرم العمري (1994)، السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية (الطبعة السادسة)، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، صفحة 229، جزء 1. بتصرّف.
  12. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 1130، صحيح.
  13. راغب السرجاني، السيرة النبوية، صفحة 4، جزء 18. بتصرّف.
  14. صالح عبد الواحد (1428)، سبل السلام من صحيح سيرة خير الانام عليه الصلاة والسلام (الطبعة الثانية)، اليمن: مكتبة الغرباء الأثرية، صفحة 331. بتصرّف.
  15. محمود خطاب (1422)، الرسول القائد (الطبعة السادسة)، بيروت: دار الفكر، صفحة 71-73. بتصرّف.
  16. عطية صقر (1988)، الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه، القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية، صفحة 51. بتصرّف.
  17. جواد علي (2001)، المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام (الطبعة الرابعة)، لبنان: دار الساقي، صفحة 264، جزء 7. بتصرّف.
  18. عماد الدين خليل (1425)، دراسة في السيرة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار النفائس، صفحة 279. بتصرّف.
  19. عماد الدين خليل (1425)، دراسة في السيرة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار النفائس، صفحة 308. بتصرّف.
  20. جمال مهدي، "موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة المنورة "، مجلة مداد الآداب ، العدد الثالث عشر، صفحة 308-309. بتصرّف.
  21. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين (1433)، الموسوعة التاريخية، صفحة 52. بتصرّف.
  22. علي الندوي (1425)، السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي (الطبعة الثانية عشر)، دمشق: دار ابن كثير، صفحة 360.بتصرّف.
  23. ^ أ ب جمال مهدي، "موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة المنورة "، مجلة مداد الآداب ، العدد الثالث عشر، صفحة 311. بتصرّف.
  24. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 4119، صحيح.
  25. د جمال سعيد مهيدي، "موقف الرسول من يهود المدينة النورة"، مجلة مداد الاداب، العدد ثلاثة عشر، صفحة 309.
  26. جمال مهدي، "موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة المنورة "، مجلة مداد الآداب ، العدد الثالث عشر، صفحة 309-311. بتصرّف.
  27. ابن حزم، جوامع السيرة النبوية، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 144. بتصرّف.
353 مشاهدة
للأعلى للأسفل