أبيات من ذهب

كتابة - آخر تحديث: ٠٨:١٢ ، ١٩ مارس ٢٠١٩
أبيات من ذهب

قصيدة العلم بين المنح والمنع

يقول الإمام الشافعي:

أأنثرُ دراً بين سارحة ِ البهمَ

وأنظمُ منثوراً لراعية الغنمْ؟

لعمري لئن ضيعتُ في شرِّ بلدة ٍ

فَلَسْتُ مُضَيعاً فيهمُ غرر الكلَمِ

لَئِنْ سَهَّل اللَّه العَزِيزُ بِلطفِهِ

وصادفتُ أهلاً للعلوم وللحكم

بَثَثْتُ مُفيداً واستَفَدْتُ وَدَادَهُمْ

وإلاّض فمكنونٌ لديَ ومكنتمْ

وَمَنْ مَنَحَ الجهّالَ عِلْماً أضَاعَهُ

وَمَنْ مَنَعَ المستوجِبين فقَدْ ظَلَم.


قصيدة هي حالان شدة ورخاءِ

يقول علي بن أبي طالب:

هي حالان شدة ورخاءِ

و سجالان نعمة وبلاءِ

و الفتى الحاذق الاديب اذا ما

خَانَهُ الدَّهْرُ لَمْ يَخُنْهُ عَزَاْءُ

إن ألمت ملمة بي فإني

في الملمات صخرة صماءِ

عَالِمٌ بِالبَلاَءِ عِلْما بأن لَيْسَ

يَدُومُ النَّعِيمُ والبَلْوَاْءُ.


قصيدة أبلغ بما أفرغت في تمثال

يقول جبران خليل جبران:

أبلغ بما أفرغت في تمثال

من مأرب غال ومعنى عال

فن بذلت له الحياة مثابرا

في حومة الآلام والآمال

وإذا تمنيت الحياة كبيرة

بلغتها بكبيرة الأعمال

ذاك النبوغ ولا تنال سعادة

ترضيه إلا من أعز منال

خذ بالعظيم من الأمور ولا يكن

لك في الهموم سوى هموم رجال

واجعل خيالك ساميا فلطالما

سمت الحقيقة بامتطاء خيال

ابعد مناك على الدوام فكلما

دان النجاح علت مني الأبطال

أخلى الخلائق من لذاذات النهى

من عاش في الدنيا بتقلب خال

ليس الذي أوتيت يا مختار من

عفو العطايا ذاك سهد ليال

في كل فن ليس إدراك المدى

للأدعياء وليس للجهال

كلا وليست في توخي راحة

قبل التمام مظنة لكمال

إني لأستجلي الفلاح فينجلي

لي عن مثابرة وغر فعال

مصر تحي فيك ناشر مجدها

مجد الصناعة في الزمان الخالي

وهي التي ما زال أغلى إرثها

من خالد الألوان والأشكال

لبثت دهورا لا يجدد شعبها

رسما ولا يعنى برسم بال

حتى انبرى الإفرنج يبتعثون ما

دفنته من ذخر مدى أجيال

وبرزت تثأر للبلاد موفقا

فرددت فيها الحال غير الحال

أليوم إن سأل المافر عصرنا

عما أجد ففيه رد سؤال

أليوم في مصر العزيزة إن يقل

ما فنها شيء سوى الأطلال

أليوم موضع زهوها وفخارها

بجميل ما صنعته كفك حال

صورت نهضتها فجاءت آية

تدعو إلى الإكبار والإجلال

يا حبذا مصر الفتاة وقد بدت

غيداء ذات حصافة وجمال

في جانب الرئبال قد ألقت يدا

أدماء ناعمة على الرئبال

بتلطف ورشاقة بتعفف

وطلاقة بتصون ودلال

فإذا أبو الهول الذي أخت به

حقب العثار أقيل خير مقال

تمثال نهضة مصر أشرق جامعا

أنسى منى الأوطان في تمثال

ناهيك بالرمز العظيم وقد حوى

معنى الرقى وروح الاستقلال.


قصيدة رأيتُ فلم أرَ فيما رأيتُ

يقول الشريف المرتضى:

رأيتُ فلم أرَ فيما رأيتُ

مُصاباً كيومِ ردَى الأوحدِ

و عودني الرزءَ مرُّ الزمانِ

و مثلُ الذي حلّ لم أعتدِ

وفارقني بَغْتة ً مثلما

يفارق مقبض سيفي يدي

على حينَ دانَتْ له الآبِياتُ

وقادَ القُرومَ ولم يُقتَدِ

و قد كنتُ أحسب أنّ الحمامَ

بعيدٌ عليه فلم يبعدِ

و ما كان إلاّ كقولِ العجولِ

لمن قام وسطَ الندى أقعدِ

وساعدني في بكائي عليـ

كلُّ بعيد الأسى أصيدِ

تلين القلوبُ وفي صدره

أصمُّ الجوانبِ كالجلمدِ

و كم ذا رأينا عيوناً بكينَ

عند الرزايا بلا مسعدِ

وأعيَتْ محاسُنه أنْ تُنالَ

فإنْ حَسدَ القومُ لم يَحْسُدِ

وكم قعدَ القومُ بعدَ القيامِ

ومذْ قامَ بالفضلِ لم يُقعدِ

وماتَ وغادَرَه جُودُه

خليَّ اليدين من العسجدِ

و لم يدخرْ غيرَ عزَّ الرجال

وعزٍّ يبينُ معَ الفرقَدِ

وغيرَ ضِرابٍ يقطُّ الرؤوسَ

إذا خَمَدَ الجمرُ لم يَخمُدِ

و طعنٍ يمزق أهبَ النحورِ

كمَعْمَعَة ِ النّارِ بالفَرْقَدِ

وكم قد شهدناه يومَ الوغى

و بيضُ النصولِ بلا أغمدِ

يَشُلُّ الكُماة َ بصدرِ القناة ِ

شلكَ للنعمِ الشردِ

وتهديهِ في الظُّلماتِ السُّيوفُ

و كم ضلَّ في الروعِ من مهتدِ

فتى ً في المشيبِ وما كلُّ منْ

حَوى الفضلَ في الشَّعَرِ الأسودِ

فيا لوعتي فيهِ لا تَقْصُري

ويا دمعتي فيهِ لا تجمُدي

و يا سلوتي فيه لا تقربي

وإن كنتِ دانية ً فابعدي

و يا لائمي في ثناءٍ له

هجدتَ وعينيَ لم تهجدِ

فلم أرثهِ وحده بلْ رثيتُ

معالم عرينَ من سؤددِ

وما جادَ جَفني وقد كان لا

يجودك إلاَّ على الأجودِ

و وافقني بالوفاقِ الصريحِ

موافقة َ النومِ للسهدِ

وإنَّ التناسُبَ بينَ الرِّجالِ

بالودَّ خيرٌ من المحتدِ

و خلفني بانتحابٍ عليهِ

يقضُّ على أضلعي مرقدي

فإنْ عاد مضجعيَ العائدون

خفيتُ نحولاً على العودِ

فقُلْ للقَنابِلِ: لا تَركبي

وقُلْ للكتائبِ: لا تحشُدي

و قلْ للصلاة ِ بنار الحروبِ

قد ذهبَ الموت بالمُوقِدِ

و قلْ للصوارمِ مسلولة ً

فُجِعْتُنَّ بالصّارمِ المُغمَدِ

و قلْ للجيادِ يلكنَ الشكيمَ

بلا مُسرِجٍ وبلا مُلبِدِ:

أَقِمْنَ فما بعدَهُ للخيولِ

مقاديرُ حتى مع القودِ

و قلْ لأنابيبِ سمرِ الرماحِ

ثَوِيْنَ حِياماً بلا مَوْرِدِ

فلا تَطلعَنْ فوقكُنَّ النُّجومُ

فذاك طلوعٌ بلا أسعدِ

وكيفَ يرِدْنَ نَجيعَ الكُماة ِ

بغيرِ شديدِ القوى أيدِ ؟

أرى ذا أسى ً فبمنْ أقتدي ؟

و كيف السوُّ وعندي الغرامُ

يبرِّحُ بالرَّجُلِ الأجلَدِ؟

ولي أَسفٌ بافتقادٍ له

نَفَدْتُ حنيناً ولم يَنْفَدِ

فيا غافلاً عن طروقِ الحمامِ

رقدتَ اغتراراً ولم يرقُدِ

و يا كادحاً جامعاً للألوفِ

وغيرُك يأخذها من غدِ

و هل للفتى عن جميع الغنى

سوى بلَّ أنملة ٍ من يدِ

فبنْ مثلما بان ظلُّ الغمامِ

عن طالبي سَحِّهِ الرُّوَّدِ

وبِتْ كارهاً في بُطونِ التُّراب

وكم سكنَ التُّربَ من سَيِّدِ

و لا زال قبرك بين القبور

يُنضَحُ بالسَّبِلِ المُزْبدِ

ويَنْدى وإِنْ جاورَتْهُ القبورُ

و فيهنَّ بالقاعِ غيرُ الندى

و حياك ربك عند اللقاءِ

بعفوٍ ومغفرة ٍ سرمدِ

و خصك يومَ مفرَّ العبادِ

بالعَطَنِ الأفسحِ الأرغدِ.