أتدرون من المفلس

كتابة - آخر تحديث: ٠٧:٤٦ ، ٤ يونيو ٢٠١٧
أتدرون من المفلس

أتدرون من المفلس

عن أبو هريرة رضى الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟ إنَّ المُفلسَ من أُمَّتي مَن يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ، وزكاةٍ، ويأتي وقد شتَم هذا، وقذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيُعْطَى هذا من حَسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فَنِيَتْ حَسناتُه قبلَ أن يُقضَى ما عليهِ، أُخِذَ من خطاياهم، فطُرِحَتْ عليهِ، ثمَّ طُرِحَ في النَّارِ) [ صحيح الجامع].


أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث المفلس

استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوب السؤال: أتدرون من المفلس؟ والاستفهام هنا يفيد الاستعلام الذي يُراد به الإخبار؛ لأنّ المستفهم قد يستفهم عن جهل فلا يدري ويسأل غيره، وقد يستفهم لتنبيه المخاطب الذي يلقي إليه بالسؤال، وقد يستفهم من أجل تقرير الحكم؛ وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب بهدف لفت انتباه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، بل ويريد لفت انتباه الأمة الإسلامية إلى أمر عظيم، وإلى مسألة دقيقة غفل عنها الكثير من الناس، فلم يفطنوا لها، ولم يعيروها اهتمامهم، وهي مسألة توضيح معنى الإفلاس الحقيقي.


إجابة الصحابة على سؤال: أتدرون من المفلس؟

عندما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم: أتدرون من المفلس؟ كانت إجابة الصحابة رضوان الله عليهم بما تبادر إلى ذهنهم، وبما سار في عرفهم، وبما هو معروف بين الناس، إذ أنّهم عدّوا المفلس الشخص الذي لا يمتلك من المال شيئاً، أو هو الشخص الذي فقد ثروته وماله، فقد قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع، حيث إنّهم قصروا معنى الإفلاس في المادة، وجعلوه محصوراً في الثروة والأموال.


المفلس الحقيقي في المفهوم النبوي

بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة معنى المفلس الحقيقي وهو المسلم الذي يأتي يوم القيامة بحسنات عظيمة كالجبال، حيث يأتي بصلاة، وزكاة، وصيام، وصدقات، وغيرها من أعمال الخير، ولكنه لم يستقم على أمر الله، فيأتي يوم القيامة وقد اقترف الذنوب في حق الناس، فيأتي وقد شتم العباد، وظلمهم، وقذفهم، وسلبهم مالهم، وقلتهم، فيقف يوم القيامة، ويقف حوله خصومه الذين ظلمهم، واعتدى عليهم إما بلسانه أو بيده، فيقول أحدهم ظلمني، وآخر شتمني، ويقول غيره جاورني فأساء الجوار، ويقول قائل كذب عليّ، فيتحير في كثرتهم، وعدم قدرته على التخلص منهم، إذا إن كل واحد منهم في ذلك الموقف العظيم يريد أن يأخذ حقوقه التي لم يستطع أخذها منه في الحياة الدنيا، فتأخذ حسنات التي تعب فيها عمره، وأفنى حياته، وتنقل إلى خصومه بدلاً من حقوقهم التي سلبها في الدنيا، فكلما فرغ واحد من أخذ الحسنات، جاء آخر ليأخذ نصيبه منها، فإذا نفذت حسناته وبقي له خصماء، يُؤخذ من سيئاتهم ويطرح عليه، وذلك بالعدل والقصاص الحق، فيمد عنقه إلى ربه لعله يخلصه منهم، ولكن الله يقول له: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: 17]، فما أشد حسرته في ذلك اليوم، حيث يقف بين يدي الله وهو مفلس، مهين لا يستطيع أن يظهر عذراً، قال تعالى: ﴿ لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التحريم:7]، لذلك يتوجب على أن يحافظ على حسناته من الضياع، وذلك بتركه للظلم؛ أي ظلم الآخرين إما بالشتم، أو القذف، أو الاعتداء، وغيرها، فكل هذه الأعمال تكون سبباً في جعل العبد مفلساً.