أول من طاف بالبيت العتيق

كتابة - آخر تحديث: ١١:٠٥ ، ٢ ديسمبر ٢٠٢٠
أول من طاف بالبيت العتيق

البيت العتيق

البيت العتيق: أي الكعبة المشرفة، وقد وردت أقوال عدّة في سبب تسمية الكعبة بالبيت العتيق، ومن ذلك أنها غير مملوكة لأحدٍ؛ فهي عتيقة، من العِتْق، والعتق -أيضاً- من معانيه: النّجابة والشّرف، وقيل لأنها قديمة؛ فالعتيق من معانيه القديم،[١] وقيل: لأنّها مَحميّةٌ من الله -سبحانه-؛ فهي عتيقةٌ بمعنى: مَحفوظةٌ من تسلُّط أحدٍ عليها، أو إرادة الضرر بها، أو النَّيْل منها بسوءٍ، ويدلّ على ذلك قصّة أصحاب الفيل؛ حيث حَفِظَ الله بيته حينئذٍ من أذى الجبابرة، فلم ينالوا منها، ولم يقدروا على الوصول إليها،[٢] وقد ورد عن سعيد بن جُبير أنّ سبب تسمية البيت بالعتيق؛ لأنّ الله وقاه من الغرق حينما حلّ الطوفان بالأرض على عهد نبيّ الله نوح -عليه السلام-، وورد عن الحسن أنّه سُمِّيَ عتيقاً؛ لأنّه كان أوّل بيوت الله في الأرض.[٣]


أوّل مَن طاف بالبيت العَتيق

ذكرت المراجع التاريخيّة روايتَين تخصّان أوّل مَن طاف بالبيت العتيق، وهما:[٤][٥]

  • الرواية الأولى: ذكر الأزرقيّ روايةً عن محمد بن علي بن الحسين أنّ الملائكة كانت أوّل مَن طاف بالبيت العتيق؛ حيث أمرها الله -تعالى- بالنزول إلى الأرض؛ لبنائه، ومن ثمّ الطواف به؛ ليطوف به أهل الأرض بعد ذلك كما تطوف الملائكة بالبيت المعمور في السماء، وبناءً على تلك الرواية، فإنّ أوّل مَن طاف بالبيت هم الملائكة.
  • الرواية الثانية: ورد في روايةٍ أخرى عن ابن عباس أنّ آدم -عليه السلام- اشتكى إلى الله من عدم سماعه صوت الملائكة حينما أنزله الله إلى الأرض، فأمره الله أن يأتيَ موضعَ البيت العتيق؛ لبنائه، والطواف به، ثمّ جاء جبريل -عليه السلام- فعاونه في بنائه؛ حيث ضرب الأرض بجناحه فظهرت أساساته، ثمّ أنزلت الملائكة الحجارة، فبناه آدم -عليه السلام-، ثمّ طاف به، وقد ورد أنّ الله أرسل جبريل إلى آدم؛ ليأمرَه ببناء الكعبة، فبناها ثمّ أمره بالطواف بها، فكانت أوّل بيتٍ وُضِع للناس، إلّا أنّ الحديث الوارد في هذه المسألة لا يصحّ.[٦]


بناء إبراهيم للكعبة

أوحى الله -تعالى- إلى إبراهيم -عليه السلام- ببناء البيت، فأعلم ابنه إسماعيل بما أمره ربّه من بناء البيت، فاستجاب إسماعيل لأمر ربّه، فتوجّها إلى موضع البيت، ولم يكن قد تبقّى منه إلّا أساساته التي تدلّ عليه، ثمّ شرعا في البناء؛ حيث كان إبراهيم يرفع البيت بالحجارة، وكان إسماعيل يُناوله إيّاها، وكان إبراهيم يقف على حجرٍ؛ ليتمكَّنَ من إتمام المَهمّة، وهو المعروف بمَقام إبراهيم، والذي صلّى فيه محمدٌ -عليه الصلاة والسلام- ركعتَين بعد الطواف، ولَمّا انتهى إبراهيم من بناء البيت، أمره الله تعالى بأن يطوف به سبعاً، فطاف به هو وابنه إسماعيل -عليهما السلام-،[٧] وكان إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- يدعوان الله قائلَين: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)،[٨][٩][١٠]


كما طَهَّر إبراهيم البيت من الرِّجْس، والأوثان، والشِّرك، واستجاب الله لهما، قال -سبحانه-: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ*وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)،[١١] ثمّ أمر الله سبحانه- نبيّه إبراهيم بالنداء بالنّاس للحجّ إلى بيته الحرام، قال -تعالى-: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)،[١٢] ثمّ وُضِع الحجر الأسود في مَوضعه، وتجدر الإشارة إلى أنّه كان أبيض اللون، وأنّه نزل من الجنّة؛ إذ ورد عن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (نزل الحجرُ الأسودُ مِن الجنةِ وهو أشدُّ بياضًا مِن اللبنِ، فسوَّدَتْه خطايا بني آدمَ).[١٣][٩]


فَضْل الطواف والحِكمة من مشروعيّته

فضائل الطّواف بالبيت العتيق كثيرة، والحكمة من مشروعيّته عظيمة، ومن ذلك:[١٤]

  • شعيرةٌ من شعائر الله، ورُكنٌ من أركان الحَجّ والعُمرة، ولا يَتمّان إلّا بوجوده.
  • عبادةٌ وتوحيدٌ يُؤجَر المسلم عليها، في حين يُعَدّ الطواف بغير البيت الحرام شِرْكاً يُعاقب الله عليه، ولأجل ذلك فإنّ البيت الحرام مُطهَّرٌ؛ لأنّه مكان العبادة؛ فقد أمر اللهُ إبراهيمَ -عليه السلام- حين بنائه أن يُطهّرَه للعابدين والطائفين، قال -تعالى-: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)،[١٥] كما أنّ الله -عزّ وجلّ- أضاف البيت ونسبه إليه؛ فالطائف يطوف ببيت الله، وجُعِلت الطهارة شرطاً من شروط الطواف بالبيت، بالإضافة إلى السَّتْر؛ إذ أخرج الإمام البخاريّ في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (أَلاَ لاَ يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ).[١٦]
  • تحقيقٌ وأداءٌ لعبادة ذِكْر الله؛ إذ ورد في السنّة النبويّة عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: (إنما جُعِلَ رَمْيُ الجمارِ والسَّعْيُ بين الصفا والمروةِ لِإِقامةِ ذِكْرِ اللهِ).[١٧]
  • اعتبارٌ له بأنّه من أفضل النوافل التي يتقرّب بها العبد من ربّه للقادمين إلى مكّة؛ فالعبد يُمكن أن يتقرّب إلى الله بالنوافل في كلّ مكانٍ، ولا يُمكن له أن يتنفَّلَ بالطواف إلّا في البيت الحرام.
  • ترتُّبٌ للأجر العظيم؛ فقد روى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَنْ طافَ بِهذا البيتِ أُسْبُوعًا فأَحْصاهُ كان كَعِتْقِ رَقَبَةٍ -وسَمِعْتُهُ يَقولُ- لا يَضَعُ قَدَمًا ولا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللهُ عنْهُ خَطِيئَتَهُ وكُتِبَ له بِها حَسنةٌ).[١٨]
  • اعتبارٌ له بأنّه من العبادات التي يجتمع فيها حضور البَدن، والقلب، واللسان.


المراجع

  1. "تعريف ومعنى عتيق في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2-12-2020. بتصرّف.
  2. المناوي ، فيض القدير (الطبعة الأولى)، مصر : المكتبة التجارية الكبرى ، صفحة 575، جزء 2. بتصرّف.
  3. ابن أبي حاتم الرازي (1419)، تفسير القرآن العظيم (الطبعة الثالثة)، السعودية: مكتبة نزار مصطفى الباز، صفحة 2490، جزء 8. بتصرّف.
  4. مجموعة من المؤلفين ، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، صفحة 164، جزء 28. بتصرّف.
  5. "أول من طاف ببيت الله الحرام"، www.islamweb.net، 25-12-2003، اطّلع عليه بتاريخ 4-5-2020. بتصرّف.
  6. محمد بن أحمد بن الضياء (2004)، كتاب تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 28. بتصرّف.
  7. الأزرقي ، أخبار مكة للأزرقي، بيروت: دار الأندلس للنشر ، صفحة 66. بتصرّف.
  8. سورة البقرة، آية: 127-129.
  9. ^ أ ب "إن إبراهيم كان أمة - (11) إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبناء البيت العتيق "، www.ar.islamway.net، 2014-4-4، اطّلع عليه بتاريخ 2020-4-30. بتصرّف.
  10. محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (دار الفكر العربي)، زهرة التفاسير، صفحة 403-405، جزء 1. بتصرّف.
  11. سورة البقرة، آية: 125-126.
  12. سورة الحج، آية: 27.
  13. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 877، صحيح.
  14. إبراهيم بن محمد الحقيل (2015-9-15)، "خطبة بعنوان "وليطوفوا بالبيت العتيق""، www.ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-4-30. بتصرّف.
  15. سورة الحج، آية: 26.
  16. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1622، صحيح.
  17. رواه الإمام الترمذي، في سنن الترمذي، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 902، حسن صحيح.
  18. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 959، حسن.