أول من نسخ القرآن الكريم

كتابة - آخر تحديث: ٠٥:٤١ ، ١٠ فبراير ٢٠٢١
أول من نسخ القرآن الكريم

عثمان أوّل من نسخ القرآن الكريم

إنّ عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- أوّل من نسخ القرآن الكريم، فقد تمَّ جمع القرآن كاملاً في عهد أبي بكر الصديق-رضي الله عنه-، وبَقيت النسخة التي كُتبت في عهده -رضي الله عنه- عند أمِّ المؤمنين حفصة بنت عمر -رضي الله عنها-، وهو ذاتُ المصحف الذي كان موجوداً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- والذي عُرضَ عليه مرّتين في رمضان على جبريل -عليه السلام-، وهو ذاتُه الذي كان في عهد أبي بكر، وعهد عثمان بن عفان -رضي الله عنهم أجمعين-، فأراد عثمان -رضي الله عنه- جمع الصحابة على حَرف قريش، فأرسل إلى أمِّ المؤمنين حفصة -رضى الله عنها- حتى تُرسِل إليهم بالمصحف ليقوموا بنسخه، ومن ثمَّ إعادته لها، وبعد نسخِهِ من الصحابة أرسل عثمان هذه النُّسخ إلى الأمصار،[١][٢] وقد قال أنس-رضي الله عنه-: "نسخ عثمان المصاحف، فبعث بها إلى الأفاق".[٣]


أوّل من جمع القرآن الكريم

إنّ جَمْع القرآن الكريم يُراد به معنيين، الأول: هو جمعه وحفظه في الصدور، والثاني: كتابته في الصحف والسطور، وقد مرّ جَمعه بمراحلٍ هي: الجَمع في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، والجمع في عهد أبي بكر -رضي الله عنه-، والجمع في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.[٤] وثبت أنّ القرآن الكريم قد كُتِبَ كلُّه في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يَكتفِ النبي بحفْظه وإقرائه للصحابة وحثّهم على تعلُّمه وحِفْظه، بل كان يأمر بكتابته وتقييده في السطور، وتمّ ذلك فعلاً، ولم ينتقل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى إلاّ والقرآنُ كلُّه قد كان مكتوباً بتوجيهات النبي، ولكنّه لم يكن مكتوباً بين دَفّتي كتاب أو مجموعاً في مصحفٍ واحدٍ ومكانٍ واحدٍ، لأنَّ الوحيَ كان نُزولهِ في تَتاَبع، وقد كُتب على أدواتٍ منها الرِّقاع*، والأكتاف؛ أيّ العظم، والعسب؛ وهو جريد النخل، والحجارة، والألواح، وغيرها، ومن الأدلة على ذلك مايأتي:[٥]

  • قول الله -تعالى-: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ)،[٦] فلفظُ الكتاب يَدلُّ على أنّه مكتوب.
  • الكتابة صفةٌ ثابتة للقرآن الكريم، قال الله -تعالى-: (رَسُولٌ مِّنَ اللَّـهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً* فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ).[٧]
  • نهْي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أن يسافر المسلم بالقرآن إلى أرض العدو، ومنه أيضاً أن لا يمسّ القرآن إلاّ طاهر.
  • إعطاء الإذن بكتابة القرآن، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:(لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآنَ، فمن كتب عني غيرَ القرآنِ فلْيمحْه).[٨]
  • وجود ما يسمّى بكُتّاب الوحيّ، وهم الصحابة الذين كانوا يكتبون للنبي -صلى الله عليه وسلم- الوحي فَور نزوله، ومنهم عبد الله بن سعد بن أبي السَّرح، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم أجمعين-.
  • التوضيح النبوي للصحابة عند كتابة الآيات، وتَوجيههم بأن يَضعوا الآية أو الآيات في مواضعها من السور.
  • المراجعة النبوية والاستماع لكتاب الوحيّ بعد أن يُنهوا الكتابة، وذلك بأن يَقرؤوه على النبي بعد أن يُملي عليهم، فإذا سقط منهم شيئاً أقامه.


وبعد وفاة النبي -عليه الصلاة السلام- وتولّي أبي بكر-رضي الله عنه- إمارةَ المسلمين، وما حدث في حروب الردّة من استشهاد عددٍ كبيرٍ من الصحابة وفيهم أكثرُ من سبعين من القرّاء، اشتدّ الأمر على المسلمين، فأشارَ عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- على أبي بكرٍ -رضي الله عنه- باقتراح؛ وهو جَمْعُ القرآنِ خَشية ضَياعه بموتِ الحُفّاظ، فترددّ أبو بكرٍ في ذلك ثمّ شرح الله صدره لرأي عمر -رضي الله عنه-، فكان هو أوّلَ مَن جمع القرآن بين لَوحين كاملاً.[٩]


سبب نسخ عثمان للقرآن

كان سبب النسخ في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-؛ الاقتصار على ما ورد من القراءات الثابتة المتواترة، وللتيسير على الناس، فقد ورد أنَّ حذيفةَ بن اليمانِ قَدِم على عثمانٍ -رضي الله عنهما- بعد الفتوحات الإسلامية، فأخبره عن اختلافُ الناس في القراءة، حيث كان أهل كلّ مِصر -بلد- يقرأ على من جاء إليه، فقال حذيفة لعثمان: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب -أي القرآن- اختلاف اليهود والنصارى"، حيث بدأ الشكُّ يتسلَّل إلى قلوب الناشئة، بالإضافة إلى اللّحن والخطأ في القراءة، فأرسل عثمان إلى حفصة -رضي الله عنها- أن تُرسل بالصحف إليهم لينسخوها في مصحفٍ ثم يردّوها إليها، وقد أَكبرَ الصحابةُ هذا الموقفَ لعثمانَ لحمايةِ القرآن من التحريف والتبديل.[١٠][١١]


عدد النّسخ التي نسخها عثمان

تعدّدت آراء العلماء في عدد النُّسَخ التي نُسخت في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فقال السجستاني -رحمه الله- إنّها سَبعُ نُسخٍ، أرسلَ واحدةً إلى مكة، وواحدةً إلى الشام، وواحدةً إلى اليمن، وأخرى إلى البصرة، وسادسةً إلى الكوفة، واحتفظ بواحدةٍ في المدينة سُمّيت بنسخةِ الإمام، وقد بيّن القرطبي أنّ هناك نسخاً بُعثت للعراق والشام ولم يتمّ تحديدُ العدد.[١٢]


وقد ذكر السيوطي أنّها خمسة أُرسلت إلى مكة، والشام، والكوفة، والبصرة، والمدينة، وقد أرسلَ عثمان معَ كلِّ نُسخة مَنْ يقرأ لأهل البلدِ نسختَهم، فأمر زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن يَقرأ بالمصحف المدنيّ، وبعث عبد الله بن السائب مع المصحف المكيّ، والمغيرة بن شعبة مع الشاميّ، وأبا عبد الرحمن السلميّ مع الكوفيّ، وعامر بن عبد القيس مع البصريّ -رضي الله عنهم أجمعين-، وهذه النُّسخ هي ما تتداوله الناس، وأعادوا نسْخه حتى يومنا هذا مع ظهور دور الطباعة، وسُمّيت بالمصاحف العثمانية.[١٢]


أهميّة نسخ القرآن

إنَّ لنسخ عثمان -رضي الله عنه- للقرآن الكريم أهمّيّةً عظيمةً من عدّةِ وجوهٍ، فيما يأتي ذكرها:[١٣][١٤]

  • جمع النّاس ونبذ الاختلاف في قراءة القرآن؛ فلمّا كَثُر الاختلاف في وُجوه القرآن حين قرؤوه بلغاتهم واتّسعت القراءات وصار بعضهم يُخطّىء بعض، اتّجه عثمان لِجمعه على حَرْفِ قريش، حيث إنّه نزل بلغتهم، وفي هذا رفع الحرج والمشقّة عن المسلمين.
  • لم يُؤخذ في جمع عثمان إلا بالأحاديث المتواترة في القراءة.
  • تجريدها من كلِّ التفسيرات والشروحات في المصاحف التي كانت مع المسلمين.
  • الرسم العثمانيّ كان شاملاً للأحرف السبعة*.
  • ترتيب الآيات والسُّور في جمع عثمان كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
  • حفظ القرآن الكريم من الضياع والتحريف والتبديل.[١٥]


_________________________________

الهامش

* النسخ: مِن الفعل نسَخَ يَنسَخ، نَسْخًا، فهو ناسخ، والمفعول مَنْسوخ، ونسَخ الكتابَ: نقله وكتَبه حرفًا بحرف.[١٦]

* الرِّقاع: قطعة من الورق أو الجلد، تُستخدم للكتابة عليها.[١٧]

* الأحرف السبعة: اختلفت آراء العلماء في المراد من الأحرف السبعة، إذ لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن صحابته نصاً يبيّن المقصود منها، ومما ورد من تفسيرات العلماء حول الأحرف السبعة؛ أن المراد منها التوسعة على القارئ لا الحصر، وقيل إنها سبع لغات على لغات العرب كلّها، وهي متفرّقة في القرآن، ومن الأمثلة ما قاله أبو عبيد: لغة قريش، ولغة هوازن، ولغة ثقيف، ولغة اليمن، ولغة هذيل، ولغة تميم، ولغة كنانة، وقيل إن المقصود بها "سبعةُ أوجه من المعاني المتّفقة بالألفاظ المختلفة"، وهذه المعاني متشابهة، ومثال ذلك قول: تعال، وأقبل، وهلمّ، فهي معاني لفظ واحد، وهو طلب الحضور، وعلى ذلك أكثر أهل العلم.[١٨]


المراجع

  1. منقذ بن محمود السقار، تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين (الطبعة الأولى)، السعودية: رابطة العالم الإسلامي، صفحة 99، جزء 1. بتصرّف.
  2. الدكتور محمد علي الحسن، (1421 هـ - 2000 م)، المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره (الطبعة الأولى)، بيروت - لبنان: موسسة الرسالة، صفحة 113. بتصرّف.
  3. محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد، المخزومي القرشي، بدر الدين المعروف بالدماميني (1430 هـ - 2009 م)، مصابيح الجامع (الطبعة الأولى)، سوريا: دار النوادر، صفحة 180، جزء 1. بتصرّف.
  4. محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة (1423 هـ - 2003 م)، المدخل لدراسة القرآن الكريم (الطبعة الثانية)، مصر-القاهرة: مكتبه السنة، صفحة 260، جزء 1. بتصرّف.
  5. أ. د. علي بن سليمان العبيد، جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة (الطبعة الأولى)، السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، صفحة 20-28. بتصرّف.
  6. سورة البقرة، آية: 2.
  7. سورة البينة، آية: 2-3.
  8. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 7434، صحيح.
  9. أبو طاهر عبد القيوم عبد الغفور السندي، جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين (الطبعة الأولى)، السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، صفحة 16. بتصرّف.
  10. محمد أحمد محمد معبد (1426 هـ - 2005 م)، نفحات من علوم القرآن (الطبعة الثانية)، مصر: دار السلام، صفحة 23. بتصرّف.
  11. مناع بن خليل القطان (1421هـ- 2000م)، مباحث في علوم القرآن (الطبعة الثالثة)، السعودية: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، صفحة 129. بتصرّف.
  12. ^ أ ب شعبان محمد إسماعيل (2014)، رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة (الطبعة الأولى)، مصر: دار السلام للطباعة والنشر، صفحة 18-19. بتصرّف.
  13. المباركفورى، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (الطبعة الأولى)، بيروت - لبنان: دار الكتب العلمية، صفحة 414، جزء 8. بتصرّف.
  14. مصطفى ديب البغا، محيى الدين ديب مستو (1418 هـ - 1998 م)، الواضح في علوم القرآن (الطبعة الثانية)، سوريا: دار الكلم الطيب / دار العلوم الانسانية، صفحة 92. بتصرّف.
  15. الدرر السنية، "المبحث الثاني: حفظ القرآن في عهد الصحابة رضوان الله عليهم"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 2020-1-15. بتصرّف.
  16. المعاني (2021)، "تعريف ومعنى نسخ في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 2021-1-12. بتصرّف.
  17. "تعريف ومعنى الرقاع في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 3-9-2020. بتصرّف.
  18. الشيخ صلاح مفتاح (10-3-2019)، "الأحرف السبعة وما ينبغي اعتقاده فيها"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 1-7-2020. بتصرّف.