التأمل في خلق الله تعالى

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٢٧ ، ١٠ مايو ٢٠١٨
التأمل في خلق الله تعالى

عبادة التأمّل في خلق الله

شرع الله -تعالى- لعباده المسلمين في شريعة الإسلام عدداً من العبادات، وجعل تلك العبادات كثيرةً ومتنوعةً، فليست كلّها عبادات بدنيّة فعليّة أو قوليّة ظاهرة، فمنها ما هي عبادة قلبيّة باطنة، والمُراد من ذلك التنوّع أن يظلّ الإنسان في شوقٍ ورغبةٍ للتعبّد لله عزّ وجلّ، فلا يملّ من العبادة إذا كانت على نسَقٍ ونوعٍ واحدٍ، ومن تلك العبادات ما يسمّى بالعبادة الصامتة، وهي عبادة التفكّر والتأمل في خلق الله عزّ وجلّ، وعظمته وقدرته، وهي عبادة قلبيّة، تحدث في باطن الإنسان ولا تظهر على أفعاله أو أقواله، فلا يستخدم بها لسانه ولا يده ولا جوارحه، وفي القرآن الكريم آيات يمتدح الله -عزّ وجلّ- بها من أحيا عبادة التأمل في قلبه وتفكّر في آيات الله، حيث قال الله تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).[١][٢]

ويُقصد بالتفكّر في الاصطلاح الشرعيّ: إعمال العقل وإطلاقه في التأمل بآيات الله في الكون والشرع، ويكون ذلك بالتدبّر والملاحظة لدقّة وجمال وعظمة سنن الله -عزّ وجلّ- في الكون، والتماس العبرة والعِظة من ذلك، ولأجل ذلك دعا الله -تعالى- الكافرين في القرآن الكريم للتفكّر فيما حولهم من أسرار الكون لعلهم يتّعظون ويعودون عن الشرك بالله، فقال: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)،[٣] كما أنّ لعبادة التفكّر أبواباً واسعةً ومجالات كثيرة يمكن للإنسان إعمال عقله بالنظر فيها، ولها فوائد وثمرات عظيمة، ومع ذلك فإنّ كثيراً من الناس في هذا الزمن يتركونها وينشغلون عنها ويغفلون عن تحصيل ما فيها من منافع، وممّا يُعين الإنسان على القيام بها والمداومة عليها ترك الانشغال الكثير بالناس، ويكون ذلك بالخلوة بالنفس، واعتزال الناس لبعض الوقت، والبعد عن مشاغل الدنيا وعوالق الترف المحيطة بالإنسان.[٢]


مجالات عبادة التأمل

يُمكن للإنسان أن يتأمل في كثيرٍ من المجالات ليحصل على منافع عبادة التأمل، وبيان بعضها فيما يأتي:[٢]

  • التأمل بالكون وما فيه من إبداعٍ وإتقانٍ وجمالٍ؛ كالتأمل في خلق الجبال والأشجار والطبيعة بما فيها من مناظر خلّابة، والتفكّر بجريان الأنهار وتقلّب الليل والنهار وما يصاحب ذلك من تغيّر في أحوال الأرض، حيث يعلم الإنسان بذلك كيف أنّ كلّ ما في الكون يسير وفق نظام دقيق لا يتبدّل ولا يتخلّف.
  • التأمل في آيات القرآن وما فيها من دقّة في التشريع، وفصاحة في اللغة، وأسلوب عظيم في إيصال قضايا التوحيد والأخلاق وغيرها.
  • التأمل في خلق الله -تعالى- للإنسان، وما فيه من آيات، حيث إن الله -تعالى- خلق الإنسان بأحسن صورةٍ، فتتكاملت أعضاؤه وانسجمت بحيث تؤدّي كلاً منها وظيفتها بدرجةٍ عاليةٍ من الدقة والإتقان.
  • التأمل في طبائع البشر كيف أنّ الله -عزّ وجلّ- جبلهم على أمورٍ عديدةٍ؛ منها: حبّ المال والشهرة والرئاسة وحب الخلود والحرص على التملّك وعمارة الأرض.
  • التأمل في الكائنات الحيّة بأشكالها وأنواعها وأساليب حياتها حيث إنّ الله -تعالى- هيأ لها الأحوال والظروف المناسبة لتعيش حياتها الخاصة.
  • التفكّر في الدنيا وسرعة فنائها، وما فيها من أكدار وصعوبات ومشاق وابتلاءات، فمن افتُتن بها وجرى خلفها لم يجد فيها إلّا الخسران والمهانة.
  • التفكّر فيما أخبر الله -تعالى- من قصص الأمم السابقة، كيف أنّهم اغترّوا بأنفسهم واستكبروا عن عبادة الله عزّ وجلّ، فأهلكهم الله وأبادهم، ولم يُبق منهم إلّا آثارهم حتى يعتبر الناس بها.


ثمرات التأمّل في خلق الله

إنّ للتأمّل في خلق الله -عزّ وجلّ- ثمراتٍ عظيمةٍ تعود على الإنسان بالنفع، بيان بعضها فيما يأتي:[٤]

  • التأمّل في خلق الله يُورث الحكمة للإنسان، ويزرع في قلبه خشية الله وتعظيمه، ويحيي في قلبه معانٍ عظيمةٍ، كما يُعين صاحبه على معرفة عيوبه وميّزاته.
  • التأمّل يزيد من إيمان الإنسان، ويقوّي في قلبه معنى التوحيد والتسليم لله تعالى، وذلك لِما يرى من عظمته وقدرته على الخلق والتدبير.
  • التأمّل يفتح للإنسان أبواب العلم والمعرفة، فبالتفكّر يكتسب الإنسان علوم ومعارف جديدة تنفعه في أمور حياته.
  • التأمّل نوع من أنواع العبادة التي تؤدّي وتُوصل إلى الخشوع والخضوع لله تعالى.[٥]
  • التأمّل صفة من صفات العلماء.[٥]


حال السلف الصالح مع عبادة التأمّل

ضرب السلف الصالح أمثلةً كثيرةً في الحرص على عبادة التأمّل والتفكّر في خلق الله عزّ وجلّ، ووردت عنهم عدّة أقوال تدلّ على أهميتها لديهم، منها:[٦]

  • قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: (إنّي لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلّا رأيت لله عليّ فيه نعمة، ولي فيه عبرة).
  • كان ابن عبّاس -رضي الله عنهما- يقول إنّ تأمّل ساعة في خلق الله -عزّ وجلّ- وسننه في الكون والشرع خير من قيام ليلةٍ كاملةٍ.
  • كان بِشر الحافي يقول إنّ الناس لو تفكّروا وتأملوا في عظمة الله -عزّ وجلّ- لم يعصوه.
  • كان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يرى أنّ التفكّر والتأمّل في نِعم الله على العبد من أفضل أنواع العبادات.
  • بكى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- مرةً فرآه أصحابه وسألوه عن سبب بكائه، فقال: (فكّرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرةٌ لمن اعتبر إنّ فيها مواعظ لمن ادّكر).


المراجع

  1. سورة آل عمران، آية: 191.
  2. ^ أ ب ت خالد بن سعود البليهد، "العبادة الصامتة"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-4-9. بتصرّف.
  3. سورة الأعراف، آية: 185.
  4. د. بدر عبد الحميد هميسه، "عبادة التفكّر"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-4-9. بتصرّف.
  5. ^ أ ب " ثمرات التفكر في خلق الكون"، www.fatwa.islamweb.net، 2009-5-12، اطّلع عليه بتاريخ 2018-4-9. بتصرّف.
  6. د. إبراهيم بن محمد الحقيل (2007-10-28)، "عبادة التفكّر"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2018-4-9. بتصرّف.