حكم الصلاة جالساً

كتابة - آخر تحديث: ٠٩:١١ ، ٢٨ يناير ٢٠٢١
حكم الصلاة جالساً

حكم الصلاة جالساً

حكم صلاة الفريضة جالساً

إنّ الأصل القيام في صلاة الفريضة، أما الجلوس فيها ففي ذلك تفصيل، وبيانه فيما يأتي:

  • عدم جواز الصلاة جالساً مع القدرة على القيام في الفريضة: يعدُّ القيام في صلاة الفريضة واجباً للقادر عليه، وقد ثَبت هذا الوُجوب بالعديد من الأدلة؛ فمِن القرآن الكريم نجد -قوله تعالى-: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ)،[١] فدلَّ لفظ "قُوموا" على وُجوب القيام في الصَّلاة، ومِن السنَّة الشريفة نجد حديث عمران بن الحصين -رضي الله عنه- عندما سَأل النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن الصَّلاة وهو يشكو من البَواسير، فقال له الرسولُ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستَطِع فقاعدًا، فإن لم تستَطِع فعلَى جنبٍ)،[٢] فدلَّ ذلك على أنَّ الأصل في الصَّلاة القيام لِمن يقدر عليه.[٣]
كما أنَّ الأصل في العبادات أَداؤُها بحسب الصّفة التي وَرد فيها الشَّرع، وكذلك الصَّلاة؛ إذ يجب تأديتُها كما وَردت عن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، لِما جاء في قوله: (صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي)،[٤] وقد كان النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُصلِّي قائماً،[٥] وآخر الأدلة على وجوب القيام في صلاة الفريضة هو الإجماع؛ حيث اتّفقت كلمة العلماء على وجوبه للقادر عليه.[٣]
  • جواز الصلاة جالساً في الفريضة لمن لا يستطيع القيام: إنَّ هذا الأصل في وجوب القِيام في صلاة الفريضة، قد يَسقط كليَّاً أو جزئيَّاً عند عدم القُدرة وبحسب حال الشخص؛ ففي حديث عمران بن الحصين السابق فيه بيانٌ للتخفيف الذي يُرخَّص للمسلم في حال عدم قدرته على القيام؛ إذ يجوز له الصَّلاة عندها قاعداً، فإن لم يستطع فيُصلِّي مُستلقياً.[٦]
أمَّا لو تمكَّن المسلم من القِيام ولو جزئيَّاً؛ مثل القِيام مُستعيناً بعصاً أو بحائط، فعندها يُصلِّي قائماً بمقدار المُدة التي يستطيع فيها البقاء قائماً، ولو عجز عن الصَّلاة قائماً مع الجَماعة لطُول الصَّلاة، يقف في الصَّلاة بقدر استطاعته ويُكمل بعدها جالساً بحسب قول الإمام أحمد، أمَّا عند الشافعي فيُخيَّر المُسلم بين الصَّلاة لوحده قائماً وبين الصَّلاة مع الجماعة جالساً. وتجدر الإشارة إلى أنَّ العجز عن الرُكوع والسُجود لا يُسقِط القيام ما دام مَقدوراً عليه عند جمهور الفقهاء، وخالف الحنفية ذلك فقالوا بِسقوط رُكن القيام بالكليِّة؛ لأنَّ وجوب القِيام كان لِكونه وَسيلةً للسُجود والركوع.[٧]


حكم صلاة النافلة جالساً

يَجوز للمُسلم في صَلاة النَفل تَأديتها جالساً حتى وإن استطاع القِيام؛ حيثُ ثبت عن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنّه صَلَّى النَفل قاعداً في الرَّكعتين قبل الوِتر، كما أنَّه -عليه الصَّلاة والسَّلام- كان إذا أَطال في صَلاة القيام قرأَ جالساً ثمَّ قام فرَكع، كما ورد أنَّ النّبي -صلّى الله عليه وسلم- دخَل المسجد يوماً فوجَد النَّاس يُصلُّون جالسين -وكانت هذه صَلاة النفل لأن الفَريضة تُصلّى جماعة مع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم-، فدلَّ ذلك على صِحة صلاة النفل في حال الجلوس.[٨]


إلا أنَّ أَجر المُصلِّي وهو جالس مع قدرته على القِيام يكون نِصفَ أَجر المُصلِّي قائماً؛ فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أنَّ الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (صَلاةُ الرَّجُلِ قاعِدًا نِصْفُ الصَّلاةِ)،[٩] فدلَّ ذلك على أنَّ الصَّلاة في حال الجلوس وإن كانت صحيحة إلا أنَّها تعدُل نِصف الصَّلاة قائماً؛ أيّ أنَّ لها نِصف أجر المصلِّي قائماً.[١٠]


أمَّا إن عَجز المُسلم عن القيام -سواءً أكان ذلك بالفرض أو النفل-، فله أجُر الصَّلاة كاملاً بغير نقصان؛ لأنّ الله -تعالى- لا يكلّف نفساً إلا وُسعها، ولِحديث النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا)،[١١] فمن عجز عن الصَّلاة قائماً يُصلِّي بحسب قدرته وله الأجر كاملاً.[١٠]


كيفية الصلاة جالساً

ذهبَ الفُقهاء إلى أنَّ العَاجز عن القِيام في الصَّلاة المَفروضة عليه أن يُصلِّي جالساً إن استطاع الجُلوس، لأنَّ الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- عندما زَار عمران بن الحصين في مرضه وسأَلهُ عمران: كيف أصلِّي؟ فقال -صلّى الله عليه وسلّم-: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستَطِع فقاعدًا، فإن لم تستَطِع فعلَى جنبٍ)،[٢] فالواجب الابتداء بالجُلوس في الصَّلاة عند العجز عن القيام فيها.[١٢]


أمَّا عن كيفيَّة الجُلوس في الصَّلاة؛ فالجُلوس يَتحققُّ بجميع الهَيئات؛ كالافتِراش*، وبالتَّوَرُّك*، ومن خلال التربُّع أيضاً، إلا أنَّ هناك خلافٌ أيُّ هذه الجلسات أفضل، وأكثر العلماء يقول بأَفضلية التربُّع عند الجلوس البديل عن القيام، وفيما يتعلَّقُ بوضعية اليدين؛ فيضع اليمنى فوق اليسرى بعد وضعها على صدره، ويأتي بكل ما يستطيعه من هيئة الصَّلاة العادية.[١٣] وإن لم يَستطع الجُلوس على الأرض جَاز له الجُلوس على الكرسيِّ، وإن صلَّى في جماعةٍ فيكون عليه حينها مُحاذاة الصفِّ بالمَنكب -الكتف- لا القدم، وذلك بإدخال مُعظم الكرسيِّ في الصفٍّ الأماميِّ لا الخلفيِّ؛ لأنَّ المحاذاة بالقدم في هذه الحالة ستُخرجه عن الصَّف، ولأنَّ الأصل في المُحاذاة أن تكون بالمنَاكب والأكعب.[١٤]


أمَّا إن عجز عن الصَّلاة جالساً، فعندها يصلِّي مُستلقياً على جانبه الأيمن، فإن لم يستطع يُصلِّي مُستلقياً على ظهره وقَدماه باتّجاه القِبلة، فإن لم يستطع الصَّلاة قائماً ولا جالساً ولا مُضطجعاً، فعليه عندها الصَّلاة إيماءً -أي بالإشارة- برأسه، فإن عجز أَومئ بعينيه أو بما يستطيع الإيماء به، فإن عجز حتى عن الإيماء، يُمرِّرُ القرآن والذكر على قلبه ويسقط عنه ما لا يستطيعه، لِحديث النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُم).[١٥][١٣]


_______________________________

الهامش

* الافتراش: أن يَفرش المصلّي قدمه اليُسرى تحته ويَنصب اليُمنى، ويكون في جلسة التشهّد وبين السجدتين.[١٦]
* التورّك: أن يَفرش المصلّي قدمه اليُسرى ويُخرجها من الجانب الأيمن ويَنصب القدم اليُمنى ويَجعل مَقعدته على الأرض، ويكون في جلسة التشهد الثانية.[١٧]


المراجع

  1. سورة البقرة، آية: 238.
  2. ^ أ ب رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عمران بن الحصين، الصفحة أو الرقم: 372، صحيح.
  3. ^ أ ب سيد سابق (1977)، فقه الكتاب والسنة (الطبعة الثالثة)، لبنان: دار الكتاب العربي، صفحة 134، جزء 1. بتصرّف.
  4. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن مالك بن الحويرث، الصفحة أو الرقم: 893، صحيح.
  5. وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية (1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة 332)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 332، جزء 2. بتصرّف.
  6. عطية سالم، شرح بلوغ المرام، صفحة 11، جزء 94. بتصرّف.
  7. محمود السبكي (1977)، الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق (الطبعة الرابعة)، مصر: المكتبة المحمودية السبكية، صفحة 32، جزء 4. بتصرّف.
  8. عبدالكريم الخضير، شرح بلوغ المرام، صفحة 8، جزء 33. بتصرّف.
  9. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبدالله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 735، صحيح.
  10. ^ أ ب سيد سابق (1977)، فقه السنة (الطبعة الثالثة)، لبنان: دار الكتاب العربي، صفحة 134، جزء 1. بتصرّف.
  11. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي موسى الاشعري، الصفحة أو الرقم: 2996، صحيح.
  12. وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية (1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: دار الصفوة، صفحة 246، جزء 29. بتصرّف.
  13. ^ أ ب عبدالكريم الخضير، شرح بلوغ المرام، صفحة 10، جزء 33. بتصرّف.
  14. موقع الإسلام اليوم، "أين يوضع الكرسي في الصف أثناء صلاة الجماعة"، www.islamonline.net، اطّلع عليه بتاريخ 2021-1-27. بتصرّف.
  15. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 7288، صحيح.
  16. "تعريف ومعنى الافتراش في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 28-1-2021. بتصرّف.
  17. عبدالله الفريح (2016-3-30)، "صفة التورك في الصلاة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2021-1-27. بتصرّف.